في الماضي، كانت المدرسة العمومية تشكّل أحد أهمّ سلالم الترقي الاجتماعي، وكانت الفصول الدراسية تجمع أبناء الأغنياء والفقراء، وأبناء الطبيب والمحامي والعامل والحرفي والعاطل عن العمل. لم تكن الخلفية الاجتماعية للتلميذ هي التي تحدّد مستقبله، بل كانت قدراته واجتهاده واستحقاقه هي التي ترسم مساره.
ومن داخل الفصل الدراسي نفسه، كانت تتشكّل مسارات مختلفة؛ فمنهم من يلتحق بالمهن الحرفية والتقنية، ومنهم من يصبح أستاذاً أو مهندساً أو صيدلانياً أو طبيباً، ومنهم من يواصل البحث والتحصيل إلى أن يبلغ أعلى المراتب العلمية والفكرية. وهكذا كانت المدرسة تفرز، تدريجياً، نخبةً من الكفاءات والخبرات التي يُفترض أن تساهم في تدبير شؤون البلاد وصناعة قراراتها.
ومن هذه النخب كان ينبغي أن تنبثق النخب السياسية، وأن يصل إلى البرلمان أشخاص يمتلكون رصيداً من المعرفة والتجربة والقدرة على التحليل والتشريع، قبل أن تُسند المسؤوليات الحكومية إلى من تتوفر فيهم الكفاءة والنزاهة والاستحقاق.
لكن ما نلاحظه اليوم في المشهد السياسي المغربي يثير الكثير من التساؤلات والقلق. فقد أصبح الوصول إلى البرلمان، في حالات عديدة، لا يعكس بالضرورة مستوى التكوين أو الكفاءة الفكرية أو النجاح المهني، بقدر ما قد يعكس القدرة على استمالة الناخبين، واستغلال النفوذ والمال، والتحرك داخل شبكات المصالح والولاءات، بل وحتى الاستفادة من ممارسات مشبوهة في بعض الحالات.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: حين تتراجع قيمة الكفاءة في الحياة السياسية، تصبح المناصب التمثيلية غايةً في حد ذاتها، بدل أن تكون مسؤوليةً لخدمة الوطن والمواطنين.
إن المشكلة ليست في المستوى الدراسي وحده، ولا في أن يكون البرلماني قد انحدر من أسرة فقيرة أو مارس مهنة بسيطة؛ فكم من شخص عصامي لم تتح له ظروف الحياة فرصة متابعة دراسته، لكنه يمتلك من الحكمة والنزاهة والقدرة على الفهم ما يفوق به أصحاب الشهادات العليا. كما أن الشهادة الجامعية، في حد ذاتها، ليست ضمانةً للكفاءة السياسية أو الأخلاقية.
المشكلة الحقيقية هي أن نفقد المعيار الذي يضمن صعود الأكفأ والأجدر إلى مواقع المسؤولية، وأن نسمح بتحويل السياسة إلى مجال للاغتناء والنفوذ وتبادل المصالح، عوض أن تكون مجالاً للتفكير والتشريع وخدمة الصالح العام.
إن البرلمان ليس مجرد فضاء لرفع الأيدي والتصويت على القوانين، بل هو عقل الأمة التشريعي، ومرآة طموحاتها، ومؤسسة يُفترض أن تضمّ من يستطيعون فهم تعقيدات المجتمع والاقتصاد والتعليم والصحة والعلاقات الدولية.
فإذا اختلّت الآليات التي تُنتج النخب وتفرز الكفاءات، وإذا انفصلت النخب السياسية عن النخب العلمية والفكرية والمهنية، فإننا نكون أمام خلل عميق في بنية التمثيل الديمقراطي، لا يمكن إصلاحه بمجرد تغيير الوجوه أو الأحزاب.
إن المغرب في حاجة إلى إعادة الاعتبار للمدرسة باعتبارها منطلقاً لتكافؤ الفرص، وإلى إعادة الاعتبار للاستحقاق باعتباره أساساً لتحمّل المسؤولية. كما أنه في حاجة إلى أحزاب سياسية تؤمن بالكفاءات وتفتح أبوابها للمثقفين والخبراء والمهنيين والنزهاء، لا أن تختزل العمل السياسي في الحسابات الانتخابية الضيقة.
فالأمم لا تتقدم بكثرة البرلمانيين، ولا بارتفاع عدد الأحزاب، وإنما بنوعية الرجال والنساء الذين يتولون مسؤولياتها، وبمدى قدرتهم على الارتقاء بمستوى القرار السياسي إلى مستوى تطلعات المجتمع.
والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم بجرأة هو: هل ما زالت السياسة في المغرب تستقطب أفضل ما ينتجه المجتمع من كفاءات، أم أننا أصبحنا أمام واقع تُقصى فيه النخب الحقيقية، بينما تصعد إلى مواقع القرار فئات لا تستمد قوتها بالضرورة من العلم أو الخبرة أو الاستحقاق؟
إنه سؤال يتجاوز الأشخاص والأحزاب، ليمسّ مستقبل الدولة نفسها؛ لأن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس غياب الكفاءات، بل عجزه عن إيصالها إلى مواقع المسؤولية.






