حين تتكرر الأزمات، نميل عادة إلى البحث عن خلل في التطبيق، ونادرا ما نسأل عن صلاحية القواعد. فالوقائع تختبر أفكارنا، وقد تكشف أن ما كان مناسبا لمرحلة لم يعد قادرا على استيعاب تحولات مرحلة أخرى. هنا تصبح المراجعة شرطا لفهم الواقع: هل نحتاج إلى تحسين العمل بنفس القواعد ، أم إلى إعادة النظر فيها؟
بهذا المعنى، تستحق الوقفة التي خص بها جلالة الملك محمد السادس موضوع الهجرة، في خطاب افتتاح البرلمان، قراءة تتجاوز تدبير أزمة عابرة. فبعد الإشارة إلى النتائج الملموسة للمقاربة المغربية، أقر بأن النموذج الحالي للتعاون أصبح متجاوزا، وأن الأزمات المتكررة خير شاهد على ذلك. الاعتراف مهم، لأنه يجعل الوقائع أساسا لمساءلة النموذج الذي يحكم التعامل معها.
ثم جاءت الخطوة الملكية التي تمنح هذا التشخيص قوته السياسية: المغرب سيقدم لشركائه وثيقة تتضمن رؤيته. فالبلد الذي راكم تجربة في تدبير الهجرة يبادر اليوم إلى اقتراح قواعد التعاون بشأنها. ومن هنا تبدأ أصالة المبادرة: الورقة ستأتي من الجنوب.
في جانب واسع من العلاقة مع أوروبا، اعتدنا أن ننتظر تصوراتها: كيف ترى الهجرة؟ ماذا تقترح لتدبيرها؟ وما الذي تنتظره من بلدان المنشأ والعبور؟ ثم تبدأ المفاوضات حول التنفيذ والتمويل وتوزيع الأعباء. أما تحديد المشكلة وترتيب أولوياتها، فيسبقان غالبا جلوس الجميع إلى الطاولة، ويتأثران أساسا بحاجات الطرف الأوروبي ومخاوفه.
وللورقة الأولى قوة لا تظهر دائما في تفاصيل التفاوض. فمن يضعها يختار المفاهيم التي يصف بها الواقع، ويحدد الأسئلة التي تستحق الإجابة. وقد يجد الآخرون أنفسهم منشغلين بتعديل الحلول، قبل مناقشة المنطلقات التي بنيت عليها. لذلك، يمثل تقديم رؤية مغربية تحولا في ممارسة الشراكة، ويمنح بلادنا قدرة أوسع على إدخال مصالحها ومعرفتها إلى أصل النقاش.
والمغرب مؤهل لهذه المبادرة؛ فهو بلد منشأ وعبور واستقرار للمهاجرين، وله امتداد إفريقي وشراكات أوروبية، ويعيش التداخل بين متطلبات الأمن وحقوق الإنسان وحاجات التنمية. هذه التجربة تمنحه معرفة بتعقيد الظاهرة، وبحدود الحلول التي ينظر فيها كل طرف إلى الهجرة من زاوية موقعه وحده.
لقد أنهكت الحسابات السياسية الداخلية جزءا من النقاش الأوروبي حول الهجرة. فالمهاجر مطلوب حين يحتاج الاقتصاد إلى عمله، ومصدر خوف حين تستدعي المنافسة الانتخابية تعبئة الناخبين. وبين الحاجتين، تصبح الشراكة عرضة لتقلب الخطاب، وتتحمل بلدان الجنوب كلفة أولويات لا تشارك دائما في تحديدها. وحين تخضع قضية استراتيجية لإيقاع الانتخابات، يصعب بناء تعاون مستقر حولها.
وقد أبرز البنك الدولي، في تقرير التنمية في العالم لسنة 2023، أن التحولات الديمغرافية تجعل الهجرة ضرورة متزايدة لاقتصادات بمختلف مستويات الدخل. وهي خلاصة تدعو إلى تعاون يستوعب حاجات المجتمعات، ويوازن بين مصالح بلدان المنشأ والاستقبال وحقوق المهاجرين. فالهجرة متصلة بمستقبل النمو والعمل، وتنظيمها مسؤولية مشتركة تتجاوز الحسابات الانتخابية.
وتكتسب الوثيقة المغربية قيمة إضافية من انتماء بلدنا إلى الجنوب الإفريقي. فهذا الانتماء يمنح التصور المغربي عمقا يستمده من معرفة واقع القارة، وصلة الهجرة بالتنمية وفرص العمل وانتظارات الشباب. ومن ثم، تحضر الخصوصيات الإفريقية في صياغة التصور منذ البداية، بما يغني الحوار مع الشركاء الأوروبيين، ويضع أمامهم رؤية نابعة أيضا من حاجات الضفة الجنوبية وتجربتها.
ومن هذا المستوى، تفتح المبادرة الملكية سؤالا أوسع عن حضور الجنوب في صناعة القرار الدولي. فالتمثيل الحقيقي يشمل القدرة على اقتراح الحلول ووضع القواعد. وهذا هو جوهر جانب من النقاش المستمر حول إصلاح المؤسسات الدولية: كيف يشارك عالم تغيرت خريطته في قرارات تمس أمنه وتنميته وسلامه؟
وستقاس قيمة الوثيقة أيضا بما تفتحه من إمكانات لتجاوز المعالجات المتفرقة، وبقدرتها على تحويل المصالح المتداخلة إلى التزامات واضحة ومتوازنة. فمراجعة القواعد تكتسب أثرها حين تنعكس على توزيع المسؤوليات، واستقرار التعاون، وحماية حقوق الأشخاص المعنيين به. هناك يجد التشخيص الملكي امتداده العملي، وتصبح الرؤية المقترحة أساسا لبناء تفاهمات أكثر قدرة على الاستمرار.
وبين ما يقال وما لا يقال، فإن أهم ما في الورقة المقبلة أنها ستصل من الجنوب. والمغرب، حين يكتبها، فهو يذكر شركاءه بأن للشراكة أكثر من صاحب قلم.






