سياسة واقتصاد

بعيون ملكية...

ميمونة الحاج الداهي

حين وقفت، كغيري من المتابعين، أمام منطوق الخطاب الملكي الأخير في افتتاح الدورة التشريعية، لم أجد نفسي إزاء جرد سنوي تقليدي للأولويات، أو وثيقة تقنية ترسم ملامح المرحلة، بل استوقفتني، بعمقها السياسي، تلك "الراديكالية الملكية الناقدة" التي أعتبرها المفارقة الأكثر إثارة في المشهد المغربي. إننا أمام نسق سياسي فريد، يتحول فيه مركز القرار الأسمى إلى المنصة الأكثر جرأة في تشخيص أعطاب الدولة، متجاوزا بسقفه ونقده أعتى المعارضات السياسية، وهو يضع الأصبع بكثير من الصراحة على كبوة الجهوية المتقدمة، وبطء الرقمنة، وصولا إلى رسم حدود الندية الصارمة في ملف الهجرة مع الجانب الإسباني، رافضا أي مساومة على الاختيارات السيادية للمملكة.

هذا التموقع الحاد للملكية، باعتبارها ضمير الدولة الاستراتيجي وقوتها التصحيحية، يفتح أمامي بابا مواربا لقراءة كواليس اللعبة السياسية في بلادنا،، فالخطاب في نظري لا يعلن أهدافا فحسب، بل يمارس نوعا من "الإحالة الضمنية" على الفراغ البنيوي الذي تتركه النخب.

 أرى الفاعل السياسي اليوم وهو يقف عاريا أمام تشخيص ملكي يسبقه دائما بخطوات، ويجرده من مبررات الانتظار. لكن، وفي اللحظة التي ينتهي فيها صدى الكلمات تحت قبة البرلمان، ألاحظ انطلاق آلية تدبيرية مريبة، تتقن تحويل هذا الوضوح السيادي الساطع إلى مساحات رمادية شاسعة، حيث تتلاشى ملامح المسؤولية الفردية ويدخل المشهد في طقوس "التبني الجماعي" الذي لا يفرز في نهاية المطاف سوى "لامسؤولية منظمة".

هنا تحديدا يكمن الذكاء الإيحائي للخطاب الذي حاولتُ تفكيك جزء من شفراته بعد الاستماع إليه عدة مرات ؛ فهو يعري واقعا مأزوما يجد فيه المواطن نفسه عاجزا عن الإمساك بمسؤوليه.

 أرى كيف يسارع الجميع إلى الاختباء خلف العبارات الملكية، لتتحول الرؤية الاستراتيجية من حافز للمساءلة إلى درع واق يحتمي به المقصرون من غضبة الشارع وصناديق الاقتراع. تذوب المسؤوليات أمام عيني في دهاليز اللجان، وتضيع دماء المشاريع المتعثرة بين القبائل المؤسساتية: فالحكومة تتذرع بالسياقات الدولية، والبرلمان يشتكي من كوابح النص، والمنتخبون يلوذون بضعف الإمكانيات. في هذا الفضاء الهلامي، أجدني مسكونة بسؤال مقلق: كيف يمكن للمواطن أن يثق بجدوى التغيير وهو يقف أمام لوحة شديدة السطوع في أهدافها الاستراتيجية، لكنها شبحية ومجهولة في أدواتها التنفيذية؟

هذه الدينامية تدفعني إلى الاستنتاج بأن معضلة النسق لا تكمن في غياب الترياق، بل في طبيعة الأجسام التدبيرية التي تبدو عاجزة عن هضمه.. "الملكية الناقدة" تؤدي دورها التاريخي كرافعة للإصلاح ومحرك للتحولات الكبرى، لكنها في الآن ذاته تضع النخب أمام خيار وجودي،، وأعتقد أن المبتغى الضمني الذي يتركه الخطاب معلقا في أذهاننا، هو أن زمن الاختباء وراء المظلات السيادية قد شارف على النفاد.. صيانة الاختيارات الكبرى للمملكة، وتحقيق أمنها المائي والغذائي والصناعي، يتطلب في نظري شجاعة النزول إلى الميدان وتحمل كلفة القرار، لكي لا يبقى ربط المسؤولية بالمحاسبة مجرد أمنية دستورية معلقة، ولكي يجد المواطن أخيرا وجها حقيقيا يطالبه بالجواب حين يتعثر المسار.