رأي

أحكيم ليلى: الحركة الشعبية خارج الحكومة… أزمة نخب وصوت واحد

تتداول الساحة السياسية سيناريو تشكيل حكومة تجمع أحزاب الكتلة التاريخية—الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية—بحزب الأصالة والمعاصرة، مع دعم من الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية. ويبدو هذا السيناريو ممكناً حسابياً: فالأحزاب الأربعة تملك مجتمعةً 207 مقاعد من أصل 395، ويرتفع العدد إلى 232 بإضافة مقاعد الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية.


وفي المقابل، تملك الحركة الشعبية 29 مقعداً، وقد شاركت في جولة المشاورات بشأن الحكومة المقبلة. لكن بلوغ الأغلبية لا يتوقف على إشراكها؛ لذلك يطرح احتمال استبعادها سؤالاً سياسياً يتجاوز حساب المقاعد: هل يعكس الأمر خياراً لتشكيل أغلبية منسجمة، أم أن أزمة الحركة الداخلية جعلت مشاركتها أقل إقناعاً؟


وقد تناولتُ سابقاً موضوع إشراك الحركة الشعبية في الحكومة من عدمه، لا حكماً على مناضليها، بل انطلاقاً من قراءة لتجربة حزبية عايشتُها من الداخل. ففي تقديري، لم تجعل الدائرة المتحكمة في القرار صناعة النخب وتجديدها أولوية؛ بل تعاملت مع الكفاءات باعتبارها منافساً على النفوذ، وعملت على إبعادها بدلاً من احتضانها. وكانت النتيجة صراعات داخلية ونزيفاً أضعف قدرة الحزب على تجديد صفوفه.


وتتجلى هذه الأزمة أحياناً في مشهد يكاد يختصر الحزب كله في صوت واحد: أمينه العام يتدخل، ويأخذ الكلمة، ويردّ، ويدخل في سجالات مع بعض وسائل الإعلام. وفي البرلمان، قد يخيل للمتابع أن الفريق فوّض صوته لشخص واحد؛ الكلمة للأمين العام، أما بقية الأصوات فمكانها في الخلفية. حزب يملك مقاعد متعددة، لكن الميكروفون يكاد لا يعرف إلا صوتاً واحداً.


ولم تكن مغادرة الكفاءات حادثة معزولة. فقد غادر إدريس السنتيسي، رئيس الفريق النيابي السابق، الحزب واستقال من مجلس النواب، كما غادره محمد فضيلي، العضو السابق بمجلس الحكماء. ثم استقال السعيد أمسكان، الوزير السابق والقيادي التاريخي الذي قضى نصف قرن في الحزب، من تنظيمه وهياكله ورئاسة مجلس الحكماء. وشهدت بعض التنظيمات الشبابية أيضاً استقالات جماعية. إن مغادرة برلمانيين وقيادات وكفاءات بهذا الحجم تطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله: لماذا يغادر أصحاب التجربة، وما الذي يدفعهم إلى ذلك؟


ومع هذا النزيف، يصبح تغيير الوضع وفتح المجال أمام مرحلة انتقالية أمراً ملحّاً. وفي هذا السياق، يبرز اسم هشام رحيل؛ فقد حضر ضمن وفد الحركة الشعبية في مشاورات تشكيل الحكومة، وهو عضو في المكتب السياسي. ويحظى، في تقديري، باحترام المناضلين، وأراه خياراً مناسباً لقيادة المرحلة الانتقالية، بما يفتح المجال أمام تجديد العمل الحزبي واستعادة الثقة والكفاءات.


أما بروفايلات الحركة الحالية، فلا تبدو—في تقديري—قادرة على مجاراة تنوع التجارب والخبرات لدى أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والتقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي. وإذا أُشركت الحركة في الحكومة، فمن المشروع التساؤل: هل تملك داخل صفوف مناضليها أسماءً جاهزة لتحمل المسؤولية، أم ستضطر إلى استيراد بروفايلاتها من خارج الحزب؟


وفي المقابل، تتسلّح رئيسة الحكومة بحزب يزخر بالمناضلين ويؤمن بالديمقراطية الداخلية وتجديد النخب. فكيف تستند حكومة تراهن على التجديد إلى حزب حارب نُخبه، وأقصى كفاءاته، وكرّس الولاء للأشخاص؟ إن عدم إشراك الحركة، إن وقع، سيكون اختياراً سياسياً قابلاً للقراءة، لا مجرد نتيجة تفرضها الحسابات البرلمانية.


يبقى الرأي العام في انتظار تجديد في الممارسة والوجوه، وقطع مع أسباب الامتعاض. أما الحركة الشعبية، فالتجديد الذي تحتاج إليه يبدأ من داخلها: بصناعة النخب، وحماية الكفاءات، وإفساح المجال لأصوات متعددة. فالحزب الذي يريد موقعاً في الحكومة عليه أولاً أن يثبت قدرته على تجديد نفسه.