رأي

حميد غونو: هل باعتنا أمريكا سمكا في البحر

يأتي تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الأخير، ليعكس دخول مسار الصحراء المغربية مرحلة جديدة، مع حديث جديد عجيب هذه المرة عن مفاوضات بشأن ترتيبات انتقالية، واتفاق إطار، وحكم ذاتي، وضمانات دولية، وتشاور مع سكان المنطقة. وكان قبل ذلك بأيام قليلة قد صرح مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والإفريقية: بإن حلا ملموسا لم يتبلور بعد، وأن واشنطن ما تزال تنتظر ملاحظات البوليساريو بشأن مقترح الحكم الذاتي.

هذه المصادفة أو المفارقة تحديدا ينبغي أن تجعل المغرب يتوقف طويلا، ليس لأن التصريح الأمريكي يتناقض بالضرورة مع الجهد الدبلوماسي الجاري، وإنما لأنه يكشف حقيقة لا ينبغي أن تضيع وسط لغة البيانات الدبلوماسية، مفادها أن المسار السياسي لم يبلغ بعد نقطة الحسم، وما يزال معلقا على إرادة أطراف لم تبد، حتى الآن، استعدادا واضحا لدفع الثمن السياسي للتسوية.

إلى متى إذن سيظل المغرب يسمع أن مبادرة الحكم الذاتي هي الأساس الأكثر واقعية ومصداقية للحل، ثم يجد نفسه في اليوم التالي أمام مفاوضات جديدة، ووساطات جديدة، وملاحظات جديدة، وشروط جديدة، وانتظار جديد؟

فالمغرب لم يشترِ سمكا في البحر. وهذه ليست مجرد استعارة بلاغية، بل تختصر جوهر العلاقة بين الوعد والفعل في السياسة الدولية. لأن الولايات المتحدة اعترفت بسيادة المغرب على صحرائه، وهو قرار تاريخي لا يمكن التقليل من وزنه. ثم أكدت إدارة ترامب، بعد عودته إلى البيت الأبيض، تمسكها بهذا الموقف ودعمها للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

لكن الاعتراف، مهما كان تاريخيا، يفقد جزءا من قيمته السياسية إذا لم يتحول إلى قوة دفع قادرة على إنتاج تسوية حقيقية.

وواشنطن تعرف ذلك أكثر من غيرها، لأنها ليست عاصمة عادية في هذا النزاع. إنها الدولة التي تستطيع أن تحرك المياه الراكدة، وأن تضغط حيث ينبغي الضغط، وأن تقول للأطراف المراوغة بوضوح، إن زمن إدارة النزاع إلى ما لا نهاية يجب أن ينتهي.

أما أن تقول الولايات المتحدة إن الحكم الذاتي هو الحل الواقعي، ثم تكتفي بانتظار أن تأتي البوليساريو بملاحظاتها، فهذا يعني أن الكرة ما تزال في ملعب من لم يثبت بعد أنه يريد الانتقال من إدارة النزاع إلى إنهائه.

 فهل نحن أمام مفاوضات تقود فعلا إلى التسوية، أم أمام مفاوضات تدار بحسن نية لكنها لا تملك شروط النهاية، 

فالنية الحسنة، في السياسة، فضيلة أخلاقية، لكنها ليست استراتيجية. والثقة مطلوبة، لكنها لا تعني السذاجة. والتفاوض مطلوب، لكنه لا يعني أن يصبح الطرف الأكثر صبرا هو الطرف الأكثر خسارة.

وهذه نقطة لا ينبغي للمغرب أن يغفل عنها.

لقد أظهر المغرب، طوال عقود، قدرا كبيرا من الصبر. انخرط في المسارات الأممية، وانتظر المبعوثين، وقبل بالتفاوض، وقدم مبادرة الحكم الذاتي، وفتح الباب أمام تطويرها، كما قبل بفكرة الضمانات والترتيبات والمشاورات المتعلقة بكيفية تنزيل أي تسوية ممكنة. لكن الصبر، إذا تحول إلى وضع دائم يمكن أن يصبح عبئا بدل أن يكون وسيلة من وسائل الحل. والصبر لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. وإنما كان من أجل طي صفحة قضية عمرها أكثر من نصف قرن في أفق فتح صفحة مغاربية جديدة، حدود مفتوحة، تعاون اقتصادي، تكامل إقليمي، وأجيال لا ترث كراهية وصراعا لم تخترهما.

غير أن هذا الحلم اليوتوبي اصطدم، طوال عقود، بسياسة جزائرية لا يبدو أنها تريد للمغرب أن يصل إلى النهاية التي يريدها. وهنا ينبغي أن تكون الكلمات واضحة: المشكلة لم تكن فقط في البوليساريو، بل إن جوهر المأزق يكمن أيضا في استمرار الجزائر في التعامل مع المغرب باعتباره خصما استراتيجيا، وفي إبقاء النزاع الصحراوي مفتوحا باعتباره ورقة في صراع إقليمي أوسع.

ولهذا فمن المنطقي أن نتساءل ليس كيف نستطيع أن نقنع الجزائر بحسن نوايانا، بل، لماذا لا تريد الجزائر أصلا أن تقابل حسن النية بنظيرها، ولا تريد بالمقابل إنهاء الصراع.  

عند هذه النقطة تحديدا ينبغي الانتقال من سياسة التمني إلى سياسة المصالح، ومن سياسة انتظار أن يتغير الآخر إلى سياسة تجعله يعيد حساباته. وليس المقصود الدخول في مواجهة مفتوحة، ولا الانجرار إلى التصعيد، ولا تحويل المنطقة إلى ساحة صراع جديدة. المقصود أبسط وأكثر عقلانية : على المغرب أن يتعلم لغة المعاملة بالمثل.

فالدولة التي تتعامل مع المغرب باعتباره خصما لا ينبغي أن تعاملها الرباط حتى كشريك ولو كان في الطبيعة والجغرافيا، والدولة التي تغلق الحدود وتقطع العلاقات وتشن حملة دبلوماسية وسياسية على المغرب لا ينبغي أن تجد أمامها مغربا يتصرف وكأن شيئا لم يحدث. والدولة التي تستخدم أدواتها لإبقاء النزاع مفتوحا لا ينبغي أن تجد المغرب مستعدا إلى الأبد لتقديم حسن النية مجانا. والدولة التي تعاني من تصدع وهشاشة سيادية على ترابها، ليس بالضرورة أن نصفق لوحدة أراضيها، والنظام الذي أجهض إرهاصات الديمقراظية في بلده وأدخل شعبه لنفق العشرية السوداء، ما كان لنا أصلا أن نسكت عن الفضاعات التي اقترفها في حق شعبه.  

المعادلة هنا ليست انتقاما، وإنما توازن. والتوازن ليس عداء، بل هو أحد شروط السلام. فالمغرب لا يريد الحرب مع الجزائر، ولا ينبغي له أن يريدها، لكنه أيضا لا يستطيع أن يبني سياسته على افتراض أن الطرف الآخر قد يشاطره الرغبة نفسها في المصالح المشتركة.

هناك فرق بين أن تمد يدك للسلام، وبين أن تترك يدك ممدودة إلى ما لا نهاية بينما الطرف المقابل يرفض مصافحتك.

ومن هنا تعود الكرة إلى واشنطن. فإذا كانت الولايات المتحدة قد اعترفت بسيادة المغرب على صحرائه، وإذا كانت ترى في الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساسا واقعيا للحل، وإذا كانت قد لعبت دورا مباشرا في تحريك المفاوضات، فإن عليها اليوم أن تنتقل من سياسة الاعتراف إلى سياسة الترجمة.

المغرب لا يحتاج إلى بيان أمريكي جديد يقول إن موقف واشنطن لم يتغير. ما يحتاجه هو أن يرى ما الذي يعنيه هذا الموقف في الواقع.

يحتاج إلى دبلوماسية أمريكية تقول للأطراف بوضوح إن المفاوضات ليست غرفة انتظار مفتوحة، وإن الاعتراف السياسي لا يمكن أن يبقى منفصلا عن أدوات التأثير التي تسمح بتحويله إلى نتيجة. ويحتاج إلى واشنطن كي تستخدم وزنها لإقناع من يطلب المزيد من الوقت بأن المشكلة لم تعد في الوقت، وإنما في القرار.

فالذي يريد الحل يستطيع أن يتفاوض حول شروطه. والذي يريد ضمانات يستطيع أن يناقشها. والذي يريد تطوير مبادرة الحكم الذاتي يستطيع أن يفعل ذلك. أما الذي يريد العودة في كل مرة إلى نقطة الصفر، فإنه لا يتفاوض من أجل الحل بقدر ما يتفاوض من أجل استمرار التفاوض.

فالمبعوث الأممي يستطيع أن يجمع الأطراف حول الطاولة، لكنه لا يستطيع أن يخلق إرادة سياسية لدى من لا يريد التسوية. والأمم المتحدة تستطيع أن تقترح اتفاق إطار، وأن ترسم ترتيبات انتقالية، وأن تقدم الضمانات، لكنها لا تستطيع أن تجعل الجزائر والبوليساريو يقتنعان بما لم تقتنعا به بعد.

لذلك فإن المطلوب ليس المزيد من الهندسة الدبلوماسية فقط، وإنما قرار سياسي. وهذا القرار لن يصنعه دي ميستورا وحده. يصنعه الكبار، وتحديدا الولايات المتحدة، لأنها تملك اليوم واحدة من أهم مفاتيح الملف.

لقد تغير العالم منذ الاعتراف الأمريكي في عام 2020. وتغيرت مواقف دول عديدة لصالح وحدة أراضينا، وتحول الحكم الذاتي من مجرد مبادرة مغربية إلى عنوان يحظى بوزن متزايد في النقاش الدولي. وحتى المسار الأممي نفسه يعكس، ولو بحذر، انتقال النقاش من سؤال، ما الحل؟ إلى سؤال أكثر عملية يتعلق بكيفية ترتيب الإجراءات التي تقود إلى تنزيل الحكم الذاتي. 

وهذا تطور مهم، لكنه لا يعني النهاية. والاقتراب من الحل لا يعني الوصول إليه.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول هذه المرحلة الجديدة إلى محطة أخرى في مسلسل طويل من إدارة الأزمة، كأن يصبح قرار مجلس الأمن الذي تبنى مقترح الحكم الذاتي، والذي جعلنا من يوم صدوره يوما وطنيا، مجرد وثيقة جديدة، أو أن تصبح الضمانات الدولية عنوانا جديدا، ثم نعود بعد عام أو عامين إلى السؤال نفسه أين الحل؟

ذلك هو السيناريو الذي ينبغي للمغرب أن يرفضه منذ الآن، لا رفضا للتفاوض، وإنما رفضا للتفاوض بلا أفق. وليس رفضا للأمم المتحدة، وإنما رفضا لأن تتحول الأمم المتحدة إلى مؤسسة لإدارة الانتظار. وليس رفضا للوساطة الأمريكية، وإنما مطالبة بأن تكون الوساطة منتجة، لا مجرد رعاية دبلوماسية لمسار مفتوح إلى أجل غير معلوم.

لقد حان الوقت كي تقول واشنطن بوضوح إن الاعتراف الأمريكي لم يكن شيكا بلا رصيد، وإن المغرب لم يشتر سمكا في البحر.

إذا كان الاعتراف الأمريكي قرارا استراتيجيا، فعليه أن ينتج سياسة استراتيجية. وإذا كان الحكم الذاتي هو الحل الأكثر واقعية، فعلى واشنطن أن تساعد على تحويله إلى أساس لتسوية حقيقية. وإذا كانت الجزائر جزءا من الحل، فعلى المجتمع الدولي أ ن يجعلها تتحمل مسؤولية سياسية حقيقية، لا أن تبقى في موقع من يراقب ويدكي النزاع مباشرة ومن خلف ستار، بينما يتحمل المغرب والمنطقة كلفة استمرار هذا النزاع.  

أما المغرب، فعليه أن يدرك أن حسن النية لا يعني التخلي عن اليقظة. لقد كان صبورا بما يكفي، ومنفتحا بما يكفي، وقدم ما يكفي من المبادرات. وربما آن الأوان لشيء آخر، سياسة أكثر صرامة، وأكثر واقعية، وأكثر اعتمادا على مبدأ المعاملة بالمثل.

فالمغرب لا يحتاج إلى تغيير ثوابته، بل إلى تغيير طريقة إدارة محيطه لهذه الثوابت. ولا يحتاج إلى التخلي عن السلام، بل إلى أن يجعل السلام خيارا متبادلا لا عرضا أحاديا. ولا يحتاج إلى التخلي عن حسن النية، بل إلى أن يضع لها حدودا سياسية واضحة.

لأن الدولة التي تتعامل مع حسن نيتك باعتباره سذاجة أو ضعف ستتمادى، وهذا لا يعني القطيعة، ولا يعني الحرب، ولا يعني إغلاق 

باب التفاوض. إنه يعني فقط استعادة قاعدة بسيطة في العلاقات بين الدول، من أراد منك شراكة، عامله كشريك، ومن اختار أن يعاملك كخصم، فلا تمنحه امتيازات الشريك، بل امنحه شيئا أخر.  

الكرة اليوم في ملعب واشنطن أكثر من أي وقت مضى. إما أن تثبت الولايات المتحدة أن اعترافها بسيادة المغرب كان قرارا تاريخيا له ما بعده، وأن تدفع بكل ثقلها نحو تسوية حقيقية، وإما أن يبقى ذلك الاعتراف صفحة مضيئة في تاريخ الدبلوماسية الأمريكية، فيما يستمر النزاع في استنزاف المنطقة.

والفارق بين الأمرين ليس بيانا جديدا، وإنما الإرادة.

وفي كل الأحوال، فالمغرب في صحرائه، والصحراء في مغربها