مضى أكثر من نصف قرن يا أمي، وما زلت كلما عدت إليك في الذاكرة أشعر أن بعض الموت لا يستطيع أن يصنع غياباً، وأن بعض الراحلين يبتعدون عن أعيننا، لكنهم يزدادون، مع مرور السنين، قرباً من أرواحنا.
رحلتِ في الديار المقدسة، بعيداً عن البيت والأبناء والأحبة، ولكن الله اختار لك أن يكون مثواك في بقيع الغرقد بالمدينة المنورة، في تلك الأرض التي احتضنت آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبناته وأصحابه وأئمةً وأعلاماً من هذه الأمة.
وكأن الرحيل، على قسوته، كان يحمل في داخله سكينة خفية.
أخذك الموت منا، ولكن الله اختار لجسدك أرضاً طالما اشتاقت إليها قلوب المؤمنين.
ولعل أجمل ما بقي في ذاكرتي من ذلك اليوم ليس خبر الرحيل وحده، وإنما رسالة أبي، رحمه الله، إلينا نحن الأبناء.
كان قد فقد امرأة شاركته ما يقارب أربعين سنة من العمر؛ أربعين سنة ليست رقماً في حياة رجل وامرأة، بل عمر كامل من الصحبة: بيت بُني، وأبناء كبروا، وأفراح مرت، وأحزان تقاسماها، وأيام سهلة وأخرى عسيرة، وتفاصيل صغيرة لا يعرف معناها إلا اثنان عاشا طويلاً تحت سقف واحد.
وحين جاءه الخبر، لم يكتب إلينا كلام رجل هزمه الموت، وإنما كتب كلام مؤمن أوجعه الفراق ولم يهزم يقينه.
استهل رسالته إلينا بعبارة ما زالت، بعد كل هذه العقود، ترن في أذني:
«أبنائي… لي ولكم الله الذي لن تخيب ودائعه.»
يا لها من عبارة.
كلما تقدمت بي السن، ازداد معناها في نفسي اتساعاً.
لم يقل لنا: لا تحزنوا.
فكيف لا يحزن الأبناء على أمهم؟ وكيف لا يحزن الرجل على رفيقة أربعين عاماً؟
ولم يقل إن المصاب هيّن، لأنه كان يعرف أن بعض المصائب لا تهون.
وإنما ردّنا جميعاً إلى الله.
«لي ولكم الله…»
كأن الرجل، في أشد لحظات انكساره، كان يجمع أبناءه من بعيد ويضع أيديهم جميعاً في يد الله، ثم يقول لهم: ذهبت أمكم، ولكن بقي الذي لا يذهب. غابت من كانت تجمع البيت، ولكن بقي الذي لا تضيع عنده الودائع.
وما زلت أذكرنا ونحن ملتفين حول أخي محمد، وهو يقرأ علينا رسالة أبي؛ فقد كان خطه لا يتيسر لنا جميعاً أن نقرأه.
كنا نصغي إلى محمد، ولكننا في الحقيقة كنا نسمع أبانا.
ومن بين الكلمات كان أبي يعود بذاكرته إلى الوراء، يستعيد نحو أربعين عاماً من حياته مع أمي.
كان يقرأ عمره معها، لا أيامها الأخيرة فقط.
وكأن الإنسان حين يفقد رفيق العمر لا يتذكر لحظة الفراق وحدها؛ تنفتح أمامه فجأة أبواب السنين كلها: اللقاء الأول، والبيت الأول، وولادة الأبناء، وأيام الشباب، وتعب السنين، والضحكات التي ضاعت تفاصيلها وبقي دفؤها، والمواقف الصغيرة التي لم يكن أحد يظن يومها أنها ستصبح، بعد الرحيل، كنوزاً في الذاكرة.
كان أبي حزيناً.
وكيف لا يحزن؟
لقد رحلت المرأة التي مشت إلى جانبه أربعين سنة.
ولكن وسط ذلك الحزن كان في رسالته شيء آخر عجيب: كان هناك فرح.
فرح لا يلغي الحزن، وإيمان لا يلغي الدموع.
كان سعيداً لأن الله اختار لأمي أن تنتهي رحلتها في الديار المقدسة، وأن يضم جسدها ثرى البقيع في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كان يتألم لأنها غابت عنه، ولكنه كان يجد عزاءه في المكان الذي آواها.
وكأن قلبه كان يقول:
فقدتُ رفيقة عمري، ولكن الله أكرم نُزلها.
وكلما فكرت اليوم في أبي وأمي، أرى أن تلك الرسالة لم تكن رسالة موت، بل كانت درساً كاملاً في الحب.
فالحب الحقيقي ليس أن نحب من نحب ما دام أمام أعيننا فقط؛ الحب أن يبقى الإنسان وفياً بعد أن يصبح الطرف الآخر ذكرى، وأن تتحول العِشرة بعد الرحيل إلى دعاء، وأن يمتزج الحنين بالرضا حتى لا يعرف القلب أهو يبكي من الفقد أم يحمد الله على ما كان.
واليوم، بعد أكثر من نصف قرن، أفهم أبي أكثر مما كنت أفهمه يوم قرأنا رسالته.
وأفهم أمي أكثر.
وأفهم لماذا بقي ذلك المشهد في داخلي كل هذه السنين.
لقد كبرتُ يا أمي.
مرت بي الحياة بما فيها، ورأيت وجوهاً كثيرة، وودعت أحبة، وعرفت أن الزمن يستطيع أن يغيّر أشياء كثيرة في الإنسان.
لكنه لم يستطع أن يغيّر شيئاً واحداً:
أنني ما زلت ابن فاطمة الشاوي.
وكلما تقدم بي العمر، صرت أشعر أنني أقترب من طفولتي من جديد، وأن صورة الأم التي ظننت أن السنين ستأخذها مني أصبحت أوضح.
فالأم، بعد رحيلها، لا تبقى مجرد صورة في الذاكرة.
تصبح شيئاً من تكويننا.
تعيش في طريقة كلامنا، وفي بعض حركاتنا، وفي خوفنا على أبنائنا، وفي رحمتنا بالآخرين، وفي دعاء يخرج منا من غير موعد، وفي دمعة تفاجئنا بعد خمسين سنة فنكتشف أن القلب لا يعترف بالتقويم.
أكثر من نصف قرن يا أمي…
ومع ذلك، ما زال اسمك حين يمر على لساني يعيدني طفلاً.
وما زلت أتمنى، لو أن الله منحني دقيقة واحدة فقط، أن أجلس إليك دون أن أطلب شيئاً، ودون أن أحكي لك كل ما وقع بعدك.
فكل ما حدث في نصف قرن يمكن اختصاره أمام الأم في كلمة واحدة:
اشتقت إليك.
اشتقت إليك لا كما يشتاق الإنسان إلى ماضٍ جميل، بل كما يشتاق المرء إلى جزء منه لا يمكن استعادته.
ولو سألتني اليوم ماذا بقي من كل تلك السنوات، لقلت:
بقيتِ أنتِ.
وبقي أبي.
وبقي محمد يقرأ الرسالة.
وبقينا نحن الأبناء منصتين.
وبقيت تلك العبارة تعبر أكثر من نصف قرن حتى وصلت إليّ اليوم كما قالها أبي أول مرة:
«أبنائي… لي ولكم الله الذي لن تخيب ودائعه.»
رحمك الله يا أبي.
ما أعظمك في تلك اللحظة.
كنت مكسور القلب، ومع ذلك كنت تسند أبناءك.
كنت تودع امرأة أحببتها وصاحبتها أربعين عاماً، ومع ذلك كنت تعلمنا أن الإيمان ليس ألا نحزن، وإنما أن نحزن ونعرف إلى من نرفع حزننا.
ورحمك الله يا أمي، فاطمة الشاوي.
رحم الله امرأة خرجت من بيتها إلى الديار المقدسة ولم تعد، وكأن الله أراد أن تكون آخر رحلاتها إليه.
سلام عليك في البقيع.
سلام على جسدك الذي احتضنه تراب المدينة المنورة.
سلام على الأربعين عاماً التي عشتها إلى جانب أبي.
سلام على الأبناء الذين تركتِ في كل واحد منهم شيئاً منك.
وسلام على تلك الرسالة التي أبقت أبي وأمي معاً في ذاكرتنا، حتى بعد أن غاب الاثنان.
واليوم، لم يعد أبي هنا ليكتب إلينا، ولم تعد أمي هنا لتسمعنا، ولكنني أستعيد عبارته وأردها إليه وإليها بعد كل هذه السنين:
يا أبي… يا أمي… لنا ولكما الله الذي لا تخيب ودائعه.
وإذا كان الموت قد فرّق بين الأجساد، فإن المحبة أحياناً تكون أقوى من الزمن، والذاكرة أوفى من الغياب، والدعاء جسرٌ لا يستطيع الموت أن يهدمه.
نمِي بسلام يا أمي في جوار مدينة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
ونم بسلام يا أبي، فقد حفظنا وصيتك، وما زالت كلماتك حية بيننا.
أما أنا، فسأظل ما حييت أحملكما معي:
أماً غابت منذ أكثر من نصف قرن ولم تغب عن القلب،
وأباً علّمني يوم رحيلها أن أشد لحظات الفقد يمكن أن تكون أيضاً أشد لحظات اليقين.
رحم الله فاطمة الشاوي، ورحم أبي، وجمعهما الله في دار لا تصل إليها يد الفراق، ولا تُكتب فيها رسائل الوداع، ولا يقول فيها حبيب لحبيبه: إلى اللقاء






