رأي

إدريس الأندلسي: دخول برلماني نسائي من أبواب مختلفة

حقق الحضور النسائي في المؤسسة التشريعية قفزة كبيرة تطلبت عقودا من الزمن السياسي. يجب التأكيد على أن المحافظين ذوي الخطابات الحداثية وضعوا المتاريس لتغييب المرأة عن عدة مؤسسات، بما فيها الحكومة لعقود. و كانت أول الاصوات النسائية التي سمعت تحت قبة البرلمان صوت لطيفة بناني سميرس و صوت بديعة الصقلي و ذلك سنة 1993 ، أي حوالي 37 سنة بعد الاستقلال. و انتظرت النساء أكثر من أربعين سنة قبل تسجيل أسماء أربعة منهن في لائحة الوزراء. و هكذا تم دخول نساء تميزن بمستوى تكوينهن و مسارهن المهني الكبير، و هن الراحلة زليخة نصري و أمينة بن خضراء و نوال المتوكل و عزيزة بناني. و توالت فترات زيادة عدد البرلمانيات و الوزيرات بشكل مؤسساتي و بإرادة الدولة في أعلى مستوياتها . 

 و كانت أغلب النساء اللواتي فتحن مسلسل الدخول إلى المؤسسة التشريعية من ذوي الحضور السياسي داخل الأحزاب الوطنية أولا و بنسبة أقل داخل ما اعتدنا على تسميتهم بالأحزاب الإدارية، و التي احتضنتها السلطات لمواجهة مد كانت تصنعه أحزاب الكتلة و حتى حزب الحركة الشعبية في زمن مضى. أمام هذا التاريخ، و نظرا لما تتيحه اللوائح الإقليمية و الجهوية للنساء المنتخبات قبل الإقتراع، و نظرا للتكلفة الكبيرة لاحتلال مراكز متقدمة في هذه اللوائح عبر تزكيات قيل عن تكلفتها الكثير و يحق للمتتبع للشأن السياسي أن يؤكد أن نسبة كبيرة من البرلمانيات يدخلن إلى المؤسسة التشريعية عبر بوابة أو مصعد " دار الورثة" . و يظل مستوى الالتزام السياسي و المسار النضالي و الكفاءة المهنية مقياسا مهما بالنسبة لبرلمانيات تحالف اليسار و حزب العدالة والتنمية و بعض مرشحات ما كان يعرف بالكتلة الديمقراطية.

تسلطت الكاميرات على النساء أكثر من الرجال خلال الدخول إلى البرلمان من بابه الخلفي. ذكرتني بعض المشاهد بالدخول المدرسي. برلمانية شابة تمسك بيد أبيها بكثير العفوية و الشعور بتلك الرهبة التي يشعر بها التلاميذ الملتحقون بالمدرسة لأول مرة. شابة أخرى تتمايل مشيا بجانب أبيها المتعود على الكرسي البرلماني. استأثرت هذه الشابة التي كانت تبدو مرتاحة و تخطو بدلال بتركيز الكاميرات لتسجيل خطواتها و طريقة تعاملها مع الجلباب المفتوح و شعرها المسدول ، قبل أن يتم ستر ما لا يجب أن يظهر داخل قبة البرلمان. و استمر التوافد على الباب الخلفي لتلتقط الكاميرات شابات تتهادى بسرور و دلال في إتجاه الباب الخلفي. و لم تركز الكاميرات على أغلب النساء البرلمانيات لأن الأهم بالنسبة لتجار " التواصل الاجتماعي " هو " البوز" و الصور التي ستحصد أكثر المشاهدات. و المهم في الموضوع هو أن الممارسة البرلمانية في اللجان و الجلسات العامة هي مقياس التميز النسائي. و قد برزت نساء تجاوزت قيمة عملهن البرلماني كثيراً من رجال السياسة خلال الدورات السابقة للبرلمان داخل فرق اليسار و العدالة و التنمية بالخصوص. و ينتظر أن يكون الحضور النسائي كبيراً داخل البرلمان مغايرا للفترة السابقة التي كانت المعارضة خلالها قليلة العدد بالمقارنة مع ما حصلت عليه من وزن سياسي و عددي بعد 23 شتنبر. و لذلك ستصبح الجلسات المنقولة تلفزيونيا أكثر متابعة لأن إنتظارات المواطنين ، و وعود الأحزاب التي ستكون الحكومة ، كبيرة جدا و تتطلب كثيراً من الحضور . و ستظهر اولى تجليات الفرق بين البرلمانيات في أداء ادوارهن خلال مرحلة مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027 ، ثم بعد ذلك التفرغ الكلي للتنزيل القانوني لعدة سياسات كانت في صلب الخطاب الملكي عند افتتاح البرلمان.