بعد الدينامية الفكرية التي خلقها في نسخته التأسيسية، عاد الصالون الثقافي للدكتورة مريم أيت أحمد ليعقد لقاءه التواصلي الثاني، متخذا من تخليد اليوم الوطني للمرأة المغربية الموافق لـ 10 أكتوبر موعدا لفتح نقاش مجتمعي عميق. واحتضن مقر مركز إنماء للأبحاث والدراسات المستقبلية بمدينة القنيطرة هذا الموعد الفكري، الذي اختار مقاربة موضوع مسارات المرأة المغربية: تحولات في المجتمع والأدوار والقيم، عبر حوار مفتوح يجمع بين استحضار المنجزات ورصد التحديات لاستشراف آفاق المستقبل.
وانطلقت أشغال هذه الجلسة العلمية بنفحات روحانية عبر أذكار وأمداح نبوية قدمتها ثلة من الطلبة الإندونيسيين الوافدين، لتتولى بعد ذلك المشرفة على الصالون، الدكتورة مريم آيت أحمد، تأطير اللقاء بكلمة افتتاحية شخصت من خلالها الوضع الحالي للمرأة المغربية بأبعاده الاجتماعية والإنسانية والقيمية. وتلا هذا التقديم تدخل الدكتور أبرباش، الإطار بوزارة العدل، الذي أشاد بالقفزة النوعية التي حققتها النساء المغربيات، لاسيما في مجال التحصيل العلمي الذي بات يشهد تفوقا نسويا واضحا، مبرزا قدرة المرأة على مواكبة التحولات الكونية والتكيف مع التحديات المستقبلية الواعدة.
وفي غوص تاريخي وقانوني، استحضر الأستاذ نعيم اشماعو، المحامي والقاضي السابق، المحطات الفكرية التي بلورت مكانة المرأة، منطلقا من الأدوار الطلائعية لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى رأسهن السيدة عائشة رضي الله عنها في نشر العلم. ولم يفوت المتحدث الفرصة للتنويه بالمسار العلمي لمديرة المركز، قبل أن يستعرض عصارة إصداراته الفكرية ككتابي لا عليك سيدتي والمرأة فوق القانون. من جهتها، تكفلت أستاذة التاريخ سعاد زبيطة بتشريح المشاركة السياسية للمرأة المغربية، عارضة شريطا زمنيا يبتدئ من أدوار كنزة الأوربية وزينب النفزاوية والسيدة الحرة، مرورا بالانخراط الفعلي في مقاومة الاستعمار منذ انطلاق شرارة الرفض بفاس ومواجهة الظهير البربري سنة 1930، وصولا إلى اقتحام قبة البرلمان وتقلد الحقائب الوزارية، متوجة بتبوء شخصيات نسائية كفاطمة الزهراء المنصوري مناصب قيادية في الهرم الحكومي والسياسي.
ولامست الأستاذة الجامعية فاطمة حسيني العصب الحساس للأسرة بتسليطها الضوء على الدور التربوي للمرأة في مواجهة رياح الثورة الرقمية والتفكك الأسري، داعية إلى تسليحها بالتعليم لتأطير الأجيال، قبل أن تعرج في تدخل لاحق على استراتيجيات وزارة التشغيل، مشددة على ضرورة إشراك الرجل في مسار التغيير واعتماد مقاربة الكفاءة. وفي السياق الاقتصادي، نوه الخبير المالي الأمين بن جلون بالتراكم الإيجابي لحضور المرأة في مراكز القرار، مستذكرا الثقة المولوية التي وضعها الملك الراحل الحسن الثاني في كفاءة النساء لتولي الحقائب الوزارية. من زاوية أخرى، فككت المرشدة الدينية زينب العاطي الله النظرة الذكورية النمطية، معتمدة على المرجعية الإسلامية التي أقرت مبدأ النساء شقائق الرجال، ومذكرة بالإسهامات الكبرى للعالمات والمحدثات في حفظ التراث الإسلامي.
وتوسع النقاش ليشمل البعد الحقوقي والمؤسساتي، حيث حذر المحامي مصطفى المانوزي من مغبة تغييب المرأة عن الحقل السياسي، مستدلا بدينامية حركة 20 فبراير، وداعيا إلى إدماج أعمق للمرأة الأمازيغية تكريسا للهوية المتعددة، معتبرا تولي النساء لمسؤوليات عليا امتدادا لتاريخ حافل يمتد لاثني عشر قرنا. وتناغمت هذه الرؤية مع طرح الأستاذة الجامعية نوال التي اعتبرت قضية المرأة شأنا مجتمعيا يستوجب تضافر جهود كل الفاعلين، مقترحة إرساء شراكات عملية مع مركز إنماء، وهو ما زكاه الدكتور أبرباش في تعقيب ثان نوه فيه بمردودية ونزاهة المرأة العاملة في قطاع العدل.
واختتمت أشغال هذا اللقاء بكلمة توجيهية عميقة للبروفيسورة مريم آيت أحمد، فككت خلالها المفارقة التي تحكم نظرة المجتمع للمرأة بين ثنائية التقديس والتدنيس، منتقدة التعامل معها كمجرد موضوع للإصلاح أو ديكور لتأثيث المشهد عبر نظام المحاصصة، ومطالبة بإشراكها كفاعل أساسي في صناعة القرار. وبعد تفاعل واسع من لدن الطلبة والباحثين الحاضرين، دعت مديرة الصالون إلى استثمار خلاصات هذا اللقاء في أبحاث أكاديمية رصينة، ليظل التمكين الحقيقي للمرأة رهينا بترسيخ وعي مجتمعي يتجاوز الشعارات نحو الاعتراف الفعلي بالكفاءات وإنصاف المجهودات.









