يمكن القول، من دون مبالغة، إن المغرب ليس مجرد ملف من ملفات السياسة الخارجية الإسبانية، بل يمثل أحد المكونات الأساسية في تشكيل الوعي الجيوسياسي لإسبانيا. فهو حاضر في خطاب اليمين واليسار معاً، وإن اختلفت زوايا مقاربته وطرائق توظيفه.
تنبُع خصوصية العلاقة المغربية-الإسبانية في كونها ليست علاقة تعاون مكتمِل، ولا علاقة صراع مستدام، وإنما علاقة اعتماد متبادل تتجاور فيها الضرورة الاستراتيجية مع إرث التاريخ وحسابات السياسة الداخلية. فالمغرب حاضر في الوعي الجيوسياسي الإسباني باستمرار، وإن اختلفت طريقة حضوره بين اليمين واليسار، وبين الحكومة والمعارضة، وبين لحظات التوتر ومراحل التقارب.
ولا يكفي تفسير هذا الحضور بالجغرافية وحدها. فالمغرب بالنسبة إلى إسبانيا هو في الوقت نفسه جارٌ مباشر، وشريك أمني، وسوق اقتصادي، وفاعل أساسي في تدبير الهجرة، وبلد يرتبط بتاريخ استعماري ترك آثاره في الذاكرة السياسية الإسبانية. كما أن العلاقة معه أصبحت جزءاً من معادلة أوسع تتصل بموقع إسبانيا داخل أوروبا وبعلاقتها بإفريقيا والبحر المتوسط.
جغرافيا لا تقبل التغيير
لا يمكن فصل الجغرافيا الإسبانية عن محيطها المغربي. فمضيق جبل طارق، الذي لا تتجاوز المسافة بين أضيق نقطتيه نحو 14 كيلومتراً، يجعل البلدين متجاورين بصورة مباشرة، فيما تضفي سبتة ومليلية على العلاقة بعداً إضافياً، باعتبارهما مدينتين مغربيتين تحت الاحتلال الاسباني، تقعان داخل القارة الافريقية، بينما تظل إسبانيا، بما في ذلك أحزابها اليسارية متمسكة بسيادتها عليهما، في وفاء لإرثها الاستعماري.
من هنا يحتل المغرب، بحكم موقعه الجغرافي، مكانة مركزية في هذه المعادلة، لا باعتباره مجرد جار جنوبي، وإنما بوصفه طرفاً أساسياً في تدبير عدد من التحديات التي تواجه إسبانيا، وفي مقدمتها تدبير الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي في علاقة بعدة ملفات حساسة في مقدمتها ملف الهجرة غير النظامية والإرهاب.
ولا تقتصر أهمية المدينتين على رمزيتهما السيادية؛ فهما أيضاً فضاءان اجتماعيان واقتصاديان تتداخل فيهما المصالح الإنسانية والتجارية والأمنية، وهو ما يجعل تدبير العلاقة بشأنهما أكثر تعقيداً. وفي هذا السياق تبرز مبادرة الملك الراحل الحسن الثاني حينما دعا إلى إنشاء خلية تفكير مشتركة مغربية إسبانية للنظر في مستقبل المدينتين المحتلتين باعتبارها دعوة لفتح أفق للحوار حول هذا الملف الشائك، كما تفرض الجغرافية نفسها أيضاً في ملفات أخرى: مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، مراقبة الحدود، تدبير الهجرة، أمن الملاحة، والتعاون الأمني والاستخباراتي.
التاريخ يتحول إلى سياسة
منذ القرن التاسع عشر، ثم بصورة مؤسسية مع فرض الحماية الإسبانية على شمال المغرب سنة 1912، أصبح المغرب جزءاً من المشروع الاستعماري الإسباني. ولم يكن هذا المجال الاستعماري بعيداً عن المركز الإسباني، بل تحول إلى فضاء للتجارب العسكرية والسياسية التي تركت آثاراً عميقة في تاريخ إسبانيا المعاصر.
فقد شكلت حرب الريف، وما رافقها من خسائر وصدمات سياسية وعسكرية، أحد العوامل المؤثرة في مسار المؤسسة العسكرية الإسبانية. كما انطلقت انتفاضة الجنرال فرانكو سنة 1936 من المغرب الخاضع آنذاك للحماية الإسبانية، قبل أن تتحول إلى حرب أهلية أفضت إلى قيام نظامه الديكتاتوري.
من هذا المنظور، لا يحضر المغرب في الذاكرة الإسبانية باعتباره فضاءً جغرافياً فحسب، بل أيضاً باعتباره جزءاً من الذاكرة الجماعية الاسبانية ومن تاريخ الجيش الإسباني، ومن التجربة الاستعمارية، ومن المسار الذي قاد إلى الحرب الأهلية.
ولا تكتمل قراءة هذه الذاكرة التاريخية قراءة هذه الذاكرة التاريخية من دون استحضار الوجود الإسلامي في الأندلس، الذي امتد قروناً وأسهم في تشكيل جانب مهم من تاريخ شبه الجزيرة الإيبيرية وحضارتها. فقد تركت الحضارة الأندلسية آثاراً جلية في العمارة والعلوم والفكر واللغة، غير أن سقوط غرناطة سنة 1492، وما أعقبه من سياسات التنصير القسري وطرد المسلمين واليهود في مراحل لاحقة، أفرز جرحاً تاريخياً ظل حاضراً في الذاكرة الجماعية على ضفتي المتوسط. ولا يعني استحضار هذه التجربة اختزال التاريخ الإسباني في الصراع الديني، بل الإقرار بأن الذاكرة المشتركة بين المغرب وإسبانيا تتجاوز حدود الاستعمار الحديث، وتستبطن طبقات تاريخية أقدم، تتداخل فيها عناصر التعايش والصراع والتبادل الحضاري.
علاوة على كل ذلك يضاف ملف الصحراء المغربية، الذي ارتبط بالوجود الاستعماري الإسباني في المنطقة، قبل أن تنهي إسبانيا إدارتها الاستعمارية سنة 1975، في سياق المسيرة الخضراء واتفاق مدريد. وقد خلف هذا الانسحاب تداعيات سياسية وقانونية لم تُحسم جميع جوانبها، وظل موضوعاً للتجاذب داخل إسبانيا وخارجها.
ضمن هذا السياق جاءت المصادقة الأخيرة لمجلس النواب الاسباني على مبادرة تشريعية تتيح للصحراويين المزدادين في الصحراء المغربية إبان حقبة الإدارة الاسبانية، ولأبنائهم وفق شروط محددة، الحصول على الجنسية الاسبانية. وقد أثارت هاته الخطوة نقاشا قانونيا وسياسيا واسعا، بالنظر إلى خلفياتها التاريخية وتداعياتها المحتملة على العلاقات المغربية الاسبانية.
المغرب في مرآة التنافس الحزبي
من الخطأ حصر الاهتمام السياسي الإسباني بالمغرب في أحزاب اليمين أو اليسار وحدها. فالمغرب يحضر في خطاب مختلف القوى السياسية، لكن من زوايا متباينة، تتأثر بمرجعياتها الأيديولوجية وبمواقعها داخل الحكومة أو المعارضة، بيد أن هذا الاختلاف في الخطاب لا يعني بالضرورة وجود تناقض جذري في نظرتها للمصالح الاستراتيجية لاسبانيا. فقد أظهرت الأزمات المتعاقبة أن القضايا المرتبطة بالسيادة الإسبانية والأمن القومي تظل حاضرة بقوة لدى مختلف الأحزاب، حتى عندما تختلف مواقفها بشأن سبل إدارة العلاقة مع المغرب.
وتقدم أزمة مايو 2021 مثالاً دالاً على ذلك؛ إذ أثارت أحداث دخول آلاف المهاجرين إلى سبتة توتراً حاداً بين البلدين، كما تحولت إلى موضوع للتجاذب بين الحكومة الإسبانية والمعارضة. ومع ذلك، ظل الدفاع عن السيادة الإسبانية على سبتة ومليلية من الثوابت التي لا يكاد يختلف بشأنها التياران الرئيسيان.
وهنا تبرز مفارقة أساسية: فالمغرب قد يكون موضوعاً للخلاف والمزايدة بين الأحزاب الإسبانية، لكنه يتحول في لحظات الأزمات الكبرى، حين يتعلق الأمر بالمصالح السيادية والأمنية للدولة الاسبانية إلى مجال للتوافق ما بينها. بطبيعة الحال لا يعني ذلك أن المواقف الحزبية متطابقة، بل إن التنافس يدور، في كثير من الأحيان، حول كيفية تدبير العلاقة، وحول مدى التشدد أو المرونة في التعامل مع الرباط، أكثر مما يدور حول ضرورة استمرار العلاقة ذاتها.
ملفات شائكة
يظل ملف الصحراء المغربية أحد أكثر الاختبارات دلالة على طبيعة العلاقة بين المغرب والوعي السياسي الإسباني. فقد أظهر التحول الذي أعلنته حكومة بيدرو سانشيز سنة 2022، بدعمها مبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها أساساً جدياً وواقعياً لتسوية النزاع، أن تدبير العلاقة مع الرباط يمكن أن يدفع مدريد إلى مراجعة مواقف دبلوماسية ظلت قائمة لعقود. لكن هذا التحول كشف في الوقت نفسه حدود التوافق الداخلي بشأن هذا الاختيار؛ فبينما اعتبرته حكومة سانشيزخطوة لتعزيز الشراكة والاستقرار الإقليمي، رأت فيه الأطراف السياسية الأخرى وفي مقدمتها الحزب الشعبي قراراً يستوجب نقاشاً حول مضمونه وتداعياته.
وتكمن أهمية هذا السجال في أنه يكشف عن التوتر بين منطقين: منطق السياسة الخارجية بوصفها أداة لحماية المصالح الاستراتيجية للدولة، ومنطق السياسة الداخلية التي تخضع لمنطق التنافس الحزبي والانتخابي.
فملف الصحراء المغربية لم يعد مجرد قضية خارجية، بل أصبح مرآة للتوتر بين المصالح الاستراتيجية والحسابات الحزبية داخل إسبانيا، كما أضحى اختباراً لقدرة الحكومة على التوفيق بين اختياراتها الدبلوماسية ومتطلبات التوافق الداخلي.
من هنا لا يمكن فهم الحضور الدائم للمغرب في الخطاب السياسي الإسباني من دون التوقف عند المصالح الاقتصادية والاجتماعية التي تربط البلدين. فالعلاقة التجارية تطورت إلى مستوى يجعل من الصعب التعامل معها باعتبارها علاقة هامشية أو ظرفية.
صحيح أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين قد تطورت وبلغت المبادلات التجارية مستوى قياسياً ناهز 22.7 مليار يورو سنة 2024، وفق معطيات حكومية إسبانية مما يعكس عمق التشابك الاقتصادي، كما يكشف أن المغرب ليس مجرد سوق مجاورة، بل شريك تجاري مهم للاقتصاد الإسباني دون أن ينفي ذلك وجود ملفات اقتصادية تثير الجدل داخل الأوساط الاقتصادية والسياسية الإسبانية. فالطماطم والحوامض والفواكه والخضر المغربية أصبحت حاضرة بقوة في السوق الأوروبية، وهو ما يدفع عدداً من التنظيمات المهنية الفلاحية الإسبانية إلى المطالبة بتشديد مراقبة الواردات وضمان احترام قواعد المنافسة.
أما الملف الأكثر حساسية وحضورا ما بين البلدين فيتعلق بالهجرة. فالوجود المغربي في إسبانيا يمثل أحد أكثر أبعاد العلاقة اتصالاً بالحياة اليومية للمجتمع الإسباني. فوفق المعهد الوطني الإسباني للإحصاء، بلغ عدد المقيمين في إسبانيا من الجنسية المغربية 968,999 شخصاً في فاتح يناير 2025، ما يجعل المغاربة أكبر مجموعة من المقيمين الأجانب بحسب الجنسية في إسبانيا. ولا تقتصر أهمية هذا الحضور على الأرقام؛ إذ ترتبط به قضايا العمل، والتعليم، والاندماج الاجتماعي، ولمّ الشمل الأسري، ومكافحة التمييز، فضلاً عن التحويلات المالية والروابط الاقتصادية والثقافية بين البلدين..
وفي المقابل، تظل الهجرة غير النظامية موضوعاً حساساً في النقاش السياسي الإسباني، خصوصاً في المناطق الحدودية. وقد تستثمر بعض القوى السياسية هذا الملف لتوسيع خطابها المتعلق بأمن الحدود، فيما تشدد قوى أخرى على ضرورة الجمع بين مراقبة الهجرة واحترام حقوق الإنسان.
ما بعد خطاب التوتر
إن استمرار حضور المغرب في الخطاب السياسي الإسباني لا يمكن تفسيره بمجرد التنافس الحزبي أو المزايدات الانتخابية، رغم أهمية هذين العاملين. فمركزية المغرب في الحسابات الإسبانية لا تنبع من اعتبارات جغرافية وتاريخية فحسب، بل من شبكة متنامية من المصالح المتبادلة التي تجعل استقرار العلاقة بين البلدين ضرورة استراتيجية للطرفين: فإسبانيا تحتاج إلى التعاون مع المغرب في تدبير الحدود ومواجهة الجريمة المنظمة، كما تستفيد من الشراكة الاقتصادية والتجارية معه. وفي المقابل، يمثل الفضاء الأوروبي، عبر إسبانيا، مجالاً أساسياً للصادرات والاستثمارات المغربية، فضلاً عن أهمية التعاون في مجالات النقل والطاقة والتبادل الاجتماعي. ومن ثم، فإن العلاقة لا يمكن اختزالها في معادلة الضغط والتوترات، بل بعلاقة محكومة بواقع جغرافي لا يتزحزح وبمصالح مشتركة يصعب تجاهلها.
في نهاية المطاف إن العلاقة المغربية الإسبانية ليست مجرد انعكاس للتاريخ أو للجغرافيا، بل اختبار لقدرة دولتين متجاورتين على تحويل الاختلافات التاريخية والسياسية إلى شراكة متوازنة. فالمغرب بالنسبة إلى إسبانيا ليس مجرد ملف خارجي، وإسبانيا بالنسبة إلى المغرب ليست مجرد بوابة أوروبية: فإسبانيا تحتاج إلى المغرب في ملفات الأمن والهجرة والاستقرار الإقليمي، كما تحتاج إلى علاقاتها الاقتصادية معه، والمغرب يحتاج بدوره إلى إسبانيا بوصفها شريكاً أوروبياً رئيسياً وبوابة اقتصادية ولوجستية مهمة نحو الاتحاد الأوروبي.
وبين إرث الماضي ورهانات المستقبل، تظل المسألة الجوهرية هي قدرة البلدين على الانتقال من منطق تدبير الأزمات إلى منطق بناء الثقة، ومن استثمار الخلافات في المنافسة السياسية إلى إدارة الاختلاف ضمن شراكة تحفظ المصالح المشروعة للبلدين.






