تحليل

المغرب في الحسابات الإسبانية.. الجغرافيا والتاريخ والمصالح الاستراتجية

الأمين مشبال (كاتب صحفي)

يمكن‭ ‬القول،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مبالغة،‭ ‬إن‭ ‬المغرب‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬ملف‭ ‬من‭ ‬ملفات‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬الإسبانية،‭ ‬بل‭ ‬يمثل‭ ‬أحد‭ ‬المكونات‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬الوعي‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬لإسبانيا‭. ‬فهو‭ ‬حاضر‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار‭ ‬معاً،‭ ‬وإن‭ ‬اختلفت‭ ‬زوايا‭ ‬مقاربته‭ ‬وطرائق‭ ‬توظيفه‭. ‬

تنبُع‭ ‬خصوصية‭ ‬العلاقة‭ ‬المغربية-الإسبانية‭ ‬في‭ ‬كونها‭ ‬ليست‭ ‬علاقة‭ ‬تعاون‭ ‬مكتمِل،‭ ‬ولا‭ ‬علاقة‭ ‬صراع‭ ‬مستدام،‭ ‬وإنما‭ ‬علاقة‭ ‬اعتماد‭ ‬متبادل‭ ‬تتجاور‭ ‬فيها‭ ‬الضرورة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬مع‭ ‬إرث‭ ‬التاريخ‭ ‬وحسابات‭ ‬السياسة‭ ‬الداخلية‭. ‬فالمغرب‭ ‬حاضر‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬الإسباني‭ ‬باستمرار،‭ ‬وإن‭ ‬اختلفت‭ ‬طريقة‭ ‬حضوره‭ ‬بين‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار،‭ ‬وبين‭ ‬الحكومة‭ ‬والمعارضة،‭ ‬وبين‭ ‬لحظات‭ ‬التوتر‭ ‬ومراحل‭ ‬التقارب‭.‬

ولا‭ ‬يكفي‭ ‬تفسير‭ ‬هذا‭ ‬الحضور‭ ‬بالجغرافية‭ ‬وحدها‭. ‬فالمغرب‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬إسبانيا‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬جارٌ‭ ‬مباشر،‭ ‬وشريك‭ ‬أمني،‭ ‬وسوق‭ ‬اقتصادي،‭ ‬وفاعل‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬الهجرة،‭ ‬وبلد‭ ‬يرتبط‭ ‬بتاريخ‭ ‬استعماري‭ ‬ترك‭ ‬آثاره‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬السياسية‭ ‬الإسبانية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬العلاقة‭ ‬معه‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬معادلة‭ ‬أوسع‭ ‬تتصل‭ ‬بموقع‭ ‬إسبانيا‭ ‬داخل‭ ‬أوروبا‭ ‬وبعلاقتها‭ ‬بإفريقيا‭ ‬والبحر‭ ‬المتوسط‭.‬

جغرافيا‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬التغيير

لا‭ ‬يمكن‭ ‬فصل‭ ‬الجغرافيا‭ ‬الإسبانية‭ ‬عن‭ ‬محيطها‭ ‬المغربي‭. ‬فمضيق‭ ‬جبل‭ ‬طارق،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬المسافة‭ ‬بين‭ ‬أضيق‭ ‬نقطتيه‭ ‬نحو‭ ‬14‭ ‬كيلومتراً،‭ ‬يجعل‭ ‬البلدين‭ ‬متجاورين‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة،‭ ‬فيما‭ ‬تضفي‭ ‬سبتة‭ ‬ومليلية‭ ‬على‭ ‬العلاقة‭ ‬بعداً‭ ‬إضافياً،‭ ‬باعتبارهما‭ ‬مدينتين‭ ‬مغربيتين‭ ‬تحت‭ ‬الاحتلال‭ ‬الاسباني،‭ ‬تقعان‭ ‬داخل‭ ‬القارة‭ ‬الافريقية،‭ ‬بينما‭ ‬تظل‭ ‬إسبانيا،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬أحزابها‭ ‬اليسارية‭ ‬متمسكة‭ ‬بسيادتها‭ ‬عليهما،‭ ‬في‭ ‬وفاء‭ ‬لإرثها‭ ‬الاستعماري‭. ‬

من‭ ‬هنا‭ ‬يحتل‭ ‬المغرب،‭ ‬بحكم‭ ‬موقعه‭ ‬الجغرافي،‭ ‬مكانة‭ ‬مركزية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة،‭ ‬لا‭ ‬باعتباره‭ ‬مجرد‭ ‬جار‭ ‬جنوبي،‭ ‬وإنما‭ ‬بوصفه‭ ‬طرفاً‭ ‬أساسياً‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬إسبانيا،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬تدبير‭ ‬الحدود‭ ‬الجنوبية‭ ‬للاتحاد‭ ‬الأوروبي‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬بعدة‭ ‬ملفات‭ ‬حساسة‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬ملف‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬النظامية‭ ‬والإرهاب‭. ‬

‭ ‬ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬أهمية‭ ‬المدينتين‭ ‬على‭ ‬رمزيتهما‭ ‬السيادية؛‭ ‬فهما‭ ‬أيضاً‭ ‬فضاءان‭ ‬اجتماعيان‭ ‬واقتصاديان‭ ‬تتداخل‭ ‬فيهما‭ ‬المصالح‭ ‬الإنسانية‭ ‬والتجارية‭ ‬والأمنية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬تدبير‭ ‬العلاقة‭ ‬بشأنهما‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬تبرز‭ ‬مبادرة‭ ‬الملك‭ ‬الراحل‭ ‬الحسن‭ ‬الثاني‭ ‬حينما‭ ‬دعا‭ ‬إلى‭ ‬إنشاء‭ ‬خلية‭ ‬تفكير‭ ‬مشتركة‭ ‬مغربية‭ ‬إسبانية‭ ‬للنظر‭ ‬في‭ ‬مستقبل‭ ‬المدينتين‭ ‬المحتلتين‭ ‬باعتبارها‭ ‬دعوة‭ ‬لفتح‭ ‬أفق‭ ‬للحوار‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬الشائك،‭ ‬كما‭ ‬تفرض‭ ‬الجغرافية‭ ‬نفسها‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬ملفات‭ ‬أخرى:‭ ‬مكافحة‭ ‬الإرهاب‭ ‬والجريمة‭ ‬المنظمة،‭ ‬مراقبة‭ ‬الحدود،‭ ‬تدبير‭ ‬الهجرة،‭ ‬أمن‭ ‬الملاحة،‭ ‬والتعاون‭ ‬الأمني‭ ‬والاستخباراتي‭.

التاريخ‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬سياسة

منذ‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬ثم‭ ‬بصورة‭ ‬مؤسسية‭ ‬مع‭ ‬فرض‭ ‬الحماية‭ ‬الإسبانية‭ ‬على‭ ‬شمال‭ ‬المغرب‭ ‬سنة‭ ‬1912،‭ ‬أصبح‭ ‬المغرب‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬المشروع‭ ‬الاستعماري‭ ‬الإسباني‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬الاستعماري‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬المركز‭ ‬الإسباني،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬للتجارب‭ ‬العسكرية‭ ‬والسياسية‭ ‬التي‭ ‬تركت‭ ‬آثاراً‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬إسبانيا‭ ‬المعاصر‭.‬

فقد‭ ‬شكلت‭ ‬حرب‭ ‬الريف،‭ ‬وما‭ ‬رافقها‭ ‬من‭ ‬خسائر‭ ‬وصدمات‭ ‬سياسية‭ ‬وعسكرية،‭ ‬أحد‭ ‬العوامل‭ ‬المؤثرة‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬المؤسسة‭ ‬العسكرية‭ ‬الإسبانية‭. ‬كما‭ ‬انطلقت‭ ‬انتفاضة‭ ‬الجنرال‭ ‬فرانكو‭ ‬سنة‭ ‬1936‭ ‬من‭ ‬المغرب‭ ‬الخاضع‭ ‬آنذاك‭ ‬للحماية‭ ‬الإسبانية،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬أهلية‭ ‬أفضت‭ ‬إلى‭ ‬قيام‭ ‬نظامه‭ ‬الديكتاتوري‭.‬

من‭ ‬هذا‭ ‬المنظور،‭ ‬لا‭ ‬يحضر‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الإسبانية‭ ‬باعتباره‭ ‬فضاءً‭ ‬جغرافياً‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬باعتباره‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭ ‬الاسبانية‭ ‬ومن‭ ‬تاريخ‭ ‬الجيش‭ ‬الإسباني،‭ ‬ومن‭ ‬التجربة‭ ‬الاستعمارية،‭ ‬ومن‭ ‬المسار‭ ‬الذي‭ ‬قاد‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‭ ‬الأهلية‭.‬

ولا‭ ‬تكتمل‭ ‬قراءة‭ ‬هذه‭ ‬الذاكرة‭ ‬التاريخية‭ ‬قراءة‭ ‬هذه‭ ‬الذاكرة‭ ‬التاريخية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬استحضار‭ ‬الوجود‭ ‬الإسلامي‭ ‬في‭ ‬الأندلس،‭ ‬الذي‭ ‬امتد‭ ‬قروناً‭ ‬وأسهم‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬جانب‭ ‬مهم‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬شبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬الإيبيرية‭ ‬وحضارتها‭. ‬فقد‭ ‬تركت‭ ‬الحضارة‭ ‬الأندلسية‭ ‬آثاراً‭ ‬جلية‭ ‬في‭ ‬العمارة‭ ‬والعلوم‭ ‬والفكر‭ ‬واللغة،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬سقوط‭ ‬غرناطة‭ ‬سنة‭ ‬1492،‭ ‬وما‭ ‬أعقبه‭ ‬من‭ ‬سياسات‭ ‬التنصير‭ ‬القسري‭ ‬وطرد‭ ‬المسلمين‭ ‬واليهود‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬لاحقة،‭ ‬أفرز‭ ‬جرحاً‭ ‬تاريخياً‭ ‬ظل‭ ‬حاضراً‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭ ‬على‭ ‬ضفتي‭ ‬المتوسط‭. ‬ولا‭ ‬يعني‭ ‬استحضار‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬اختزال‭ ‬التاريخ‭ ‬الإسباني‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬الديني،‭ ‬بل‭ ‬الإقرار‭ ‬بأن‭ ‬الذاكرة‭ ‬المشتركة‭ ‬بين‭ ‬المغرب‭ ‬وإسبانيا‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الاستعمار‭ ‬الحديث،‭ ‬وتستبطن‭ ‬طبقات‭ ‬تاريخية‭ ‬أقدم،‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬عناصر‭ ‬التعايش‭ ‬والصراع‭ ‬والتبادل‭ ‬الحضاري‭.‬

علاوة‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬يضاف‭ ‬ملف‭ ‬الصحراء‭ ‬المغربية،‭ ‬الذي‭ ‬ارتبط‭ ‬بالوجود‭ ‬الاستعماري‭ ‬الإسباني‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تنهي‭ ‬إسبانيا‭ ‬إدارتها‭ ‬الاستعمارية‭ ‬سنة‭ ‬1975،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬المسيرة‭ ‬الخضراء‭ ‬واتفاق‭ ‬مدريد‭. ‬وقد‭ ‬خلف‭ ‬هذا‭ ‬الانسحاب‭ ‬تداعيات‭ ‬سياسية‭ ‬وقانونية‭ ‬لم‭ ‬تُحسم‭ ‬جميع‭ ‬جوانبها،‭ ‬وظل‭ ‬موضوعاً‭ ‬للتجاذب‭ ‬داخل‭ ‬إسبانيا‭ ‬وخارجها‭.‬

ضمن‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬جاءت‭ ‬المصادقة‭ ‬الأخيرة‭ ‬لمجلس‭ ‬النواب‭ ‬الاسباني‭ ‬على‭ ‬مبادرة‭ ‬تشريعية‭ ‬تتيح‭ ‬للصحراويين‭ ‬المزدادين‭ ‬في‭ ‬الصحراء‭ ‬المغربية‭ ‬إبان‭ ‬حقبة‭ ‬الإدارة‭ ‬الاسبانية،‭ ‬ولأبنائهم‭ ‬وفق‭ ‬شروط‭ ‬محددة،‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬الجنسية‭ ‬الاسبانية‭. ‬وقد‭ ‬أثارت‭ ‬هاته‭ ‬الخطوة‭ ‬نقاشا‭ ‬قانونيا‭ ‬وسياسيا‭ ‬واسعا،‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬خلفياتها‭ ‬التاريخية‭ ‬وتداعياتها‭ ‬المحتملة‭ ‬على‭ ‬العلاقات‭ ‬المغربية‭ ‬الاسبانية‭.‬

المغرب‭ ‬في‭ ‬مرآة‭ ‬التنافس‭ ‬الحزبي

من‭ ‬الخطأ‭ ‬حصر‭ ‬الاهتمام‭ ‬السياسي‭ ‬الإسباني‭ ‬بالمغرب‭ ‬في‭ ‬أحزاب‭ ‬اليمين‭ ‬أو‭ ‬اليسار‭ ‬وحدها‭. ‬فالمغرب‭ ‬يحضر‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬مختلف‭ ‬القوى‭ ‬السياسية،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬زوايا‭ ‬متباينة،‭ ‬تتأثر‭ ‬بمرجعياتها‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬وبمواقعها‭ ‬داخل‭ ‬الحكومة‭ ‬أو‭ ‬المعارضة،‭ ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الاختلاف‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬وجود‭ ‬تناقض‭ ‬جذري‭ ‬في‭ ‬نظرتها‭ ‬للمصالح‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬لاسبانيا‭. ‬فقد‭ ‬أظهرت‭ ‬الأزمات‭ ‬المتعاقبة‭ ‬أن‭ ‬القضايا‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالسيادة‭ ‬الإسبانية‭ ‬والأمن‭ ‬القومي‭ ‬تظل‭ ‬حاضرة‭ ‬بقوة‭ ‬لدى‭ ‬مختلف‭ ‬الأحزاب،‭ ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬تختلف‭ ‬مواقفها‭ ‬بشأن‭ ‬سبل‭ ‬إدارة‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬المغرب‭.‬

وتقدم‭ ‬أزمة‭ ‬مايو‭ ‬2021‭ ‬مثالاً‭ ‬دالاً‭ ‬على‭ ‬ذلك؛‭ ‬إذ‭ ‬أثارت‭ ‬أحداث‭ ‬دخول‭ ‬آلاف‭ ‬المهاجرين‭ ‬إلى‭ ‬سبتة‭ ‬توتراً‭ ‬حاداً‭ ‬بين‭ ‬البلدين،‭ ‬كما‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬موضوع‭ ‬للتجاذب‭ ‬بين‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسبانية‭ ‬والمعارضة‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬ظل‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬السيادة‭ ‬الإسبانية‭ ‬على‭ ‬سبتة‭ ‬ومليلية‭ ‬من‭ ‬الثوابت‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يكاد‭ ‬يختلف‭ ‬بشأنها‭ ‬التياران‭ ‬الرئيسيان‭.‬

وهنا‭ ‬تبرز‭ ‬مفارقة‭ ‬أساسية:‭ ‬فالمغرب‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬موضوعاً‭ ‬للخلاف‭ ‬والمزايدة‭ ‬بين‭ ‬الأحزاب‭ ‬الإسبانية،‭ ‬لكنه‭ ‬يتحول‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬الأزمات‭ ‬الكبرى،‭ ‬حين‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالمصالح‭ ‬السيادية‭ ‬والأمنية‭ ‬للدولة‭ ‬الاسبانية‭ ‬إلى‭ ‬مجال‭ ‬للتوافق‭ ‬ما‭ ‬بينها‭. ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬المواقف‭ ‬الحزبية‭ ‬متطابقة،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬التنافس‭ ‬يدور،‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬حول‭ ‬كيفية‭ ‬تدبير‭ ‬العلاقة،‭ ‬وحول‭ ‬مدى‭ ‬التشدد‭ ‬أو‭ ‬المرونة‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الرباط،‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬ضرورة‭ ‬استمرار‭ ‬العلاقة‭ ‬ذاتها‭.‬

ملفات‭ ‬شائكة

يظل‭ ‬ملف‭ ‬الصحراء‭ ‬المغربية‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬الاختبارات‭ ‬دلالة‭ ‬على‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬المغرب‭ ‬والوعي‭ ‬السياسي‭ ‬الإسباني‭. ‬فقد‭ ‬أظهر‭ ‬التحول‭ ‬الذي‭ ‬أعلنته‭ ‬حكومة‭ ‬بيدرو‭ ‬سانشيز‭ ‬سنة‭ ‬2022،‭ ‬بدعمها‭ ‬مبادرة‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬المغربية‭ ‬باعتبارها‭ ‬أساساً‭ ‬جدياً‭ ‬وواقعياً‭ ‬لتسوية‭ ‬النزاع،‭ ‬أن‭ ‬تدبير‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬الرباط‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يدفع‭ ‬مدريد‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬مواقف‭ ‬دبلوماسية‭ ‬ظلت‭ ‬قائمة‭ ‬لعقود‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬كشف‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬حدود‭ ‬التوافق‭ ‬الداخلي‭ ‬بشأن‭ ‬هذا‭ ‬الاختيار؛‭ ‬فبينما‭ ‬اعتبرته‭ ‬حكومة‭ ‬سانشيزخطوة‭ ‬لتعزيز‭ ‬الشراكة‭ ‬والاستقرار‭ ‬الإقليمي،‭ ‬رأت‭ ‬فيه‭ ‬الأطراف‭ ‬السياسية‭ ‬الأخرى‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬الحزب‭ ‬الشعبي‭ ‬قراراً‭ ‬يستوجب‭ ‬نقاشاً‭ ‬حول‭ ‬مضمونه‭ ‬وتداعياته‭. ‬

وتكمن‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬السجال‭ ‬في‭ ‬أنه‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬التوتر‭ ‬بين‭ ‬منطقين:‭ ‬منطق‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬بوصفها‭ ‬أداة‭ ‬لحماية‭ ‬المصالح‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬للدولة،‭ ‬ومنطق‭ ‬السياسة‭ ‬الداخلية‭ ‬التي‭ ‬تخضع‭ ‬لمنطق‭ ‬التنافس‭ ‬الحزبي‭ ‬والانتخابي‭.‬

فملف‭ ‬الصحراء‭ ‬المغربية‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬قضية‭ ‬خارجية،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬مرآة‭ ‬للتوتر‭ ‬بين‭ ‬المصالح‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬والحسابات‭ ‬الحزبية‭ ‬داخل‭ ‬إسبانيا،‭ ‬كما‭ ‬أضحى‭ ‬اختباراً‭ ‬لقدرة‭ ‬الحكومة‭ ‬على‭ ‬التوفيق‭ ‬بين‭ ‬اختياراتها‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬ومتطلبات‭ ‬التوافق‭ ‬الداخلي‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬الحضور‭ ‬الدائم‭ ‬للمغرب‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬الإسباني‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬التوقف‭ ‬عند‭ ‬المصالح‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬البلدين‭. ‬فالعلاقة‭ ‬التجارية‭ ‬تطورت‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬باعتبارها‭ ‬علاقة‭ ‬هامشية‭ ‬أو‭ ‬ظرفية‭.‬

صحيح‭ ‬أن‭ ‬العلاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬قد‭ ‬تطورت‭ ‬وبلغت‭ ‬المبادلات‭ ‬التجارية‭ ‬مستوى‭ ‬قياسياً‭ ‬ناهز‭ ‬22.7‭ ‬مليار‭ ‬يورو‭ ‬سنة‭ ‬2024،‭ ‬وفق‭ ‬معطيات‭ ‬حكومية‭ ‬إسبانية‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬عمق‭ ‬التشابك‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬كما‭ ‬يكشف‭ ‬أن‭ ‬المغرب‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬سوق‭ ‬مجاورة،‭ ‬بل‭ ‬شريك‭ ‬تجاري‭ ‬مهم‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الإسباني‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ينفي‭ ‬ذلك‭ ‬وجود‭ ‬ملفات‭ ‬اقتصادية‭ ‬تثير‭ ‬الجدل‭ ‬داخل‭ ‬الأوساط‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسياسية‭ ‬الإسبانية‭. ‬فالطماطم‭ ‬والحوامض‭ ‬والفواكه‭ ‬والخضر‭ ‬المغربية‭ ‬أصبحت‭ ‬حاضرة‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬الأوروبية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يدفع‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬التنظيمات‭ ‬المهنية‭ ‬الفلاحية‭ ‬الإسبانية‭ ‬إلى‭ ‬المطالبة‭ ‬بتشديد‭ ‬مراقبة‭ ‬الواردات‭ ‬وضمان‭ ‬احترام‭ ‬قواعد‭ ‬المنافسة‭.‬

أما‭ ‬الملف‭ ‬الأكثر‭ ‬حساسية‭ ‬وحضورا‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬فيتعلق‭ ‬بالهجرة‭. ‬فالوجود‭ ‬المغربي‭ ‬في‭ ‬إسبانيا‭ ‬يمثل‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬أبعاد‭ ‬العلاقة‭ ‬اتصالاً‭ ‬بالحياة‭ ‬اليومية‭ ‬للمجتمع‭ ‬الإسباني‭. ‬فوفق‭ ‬المعهد‭ ‬الوطني‭ ‬الإسباني‭ ‬للإحصاء،‭ ‬بلغ‭ ‬عدد‭ ‬المقيمين‭ ‬في‭ ‬إسبانيا‭ ‬من‭ ‬الجنسية‭ ‬المغربية‭ ‬968,999‭ ‬شخصاً‭ ‬في‭ ‬فاتح‭ ‬يناير‭ ‬2025،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬المغاربة‭ ‬أكبر‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المقيمين‭ ‬الأجانب‭ ‬بحسب‭ ‬الجنسية‭ ‬في‭ ‬إسبانيا‭. ‬ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬الحضور‭ ‬على‭ ‬الأرقام؛‭ ‬إذ‭ ‬ترتبط‭ ‬به‭ ‬قضايا‭ ‬العمل،‭ ‬والتعليم،‭ ‬والاندماج‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬ولمّ‭ ‬الشمل‭ ‬الأسري،‭ ‬ومكافحة‭ ‬التمييز،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬التحويلات‭ ‬المالية‭ ‬والروابط‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والثقافية‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭..‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تظل‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬النظامية‭ ‬موضوعاً‭ ‬حساساً‭ ‬في‭ ‬النقاش‭ ‬السياسي‭ ‬الإسباني،‭ ‬خصوصاً‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الحدودية‭. ‬وقد‭ ‬تستثمر‭ ‬بعض‭ ‬القوى‭ ‬السياسية‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬لتوسيع‭ ‬خطابها‭ ‬المتعلق‭ ‬بأمن‭ ‬الحدود،‭ ‬فيما‭ ‬تشدد‭ ‬قوى‭ ‬أخرى‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬مراقبة‭ ‬الهجرة‭ ‬واحترام‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭.‬

ما‭ ‬بعد‭ ‬خطاب‭ ‬التوتر

إن‭ ‬استمرار‭ ‬حضور‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬الإسباني‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تفسيره‭ ‬بمجرد‭ ‬التنافس‭ ‬الحزبي‭ ‬أو‭ ‬المزايدات‭ ‬الانتخابية،‭ ‬رغم‭ ‬أهمية‭ ‬هذين‭ ‬العاملين‭. ‬فمركزية‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬الحسابات‭ ‬الإسبانية‭ ‬لا‭ ‬تنبع‭ ‬من‭ ‬اعتبارات‭ ‬جغرافية‭ ‬وتاريخية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬شبكة‭ ‬متنامية‭ ‬من‭ ‬المصالح‭ ‬المتبادلة‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬استقرار‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬ضرورة‭ ‬استراتيجية‭ ‬للطرفين:‭ ‬فإسبانيا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬الحدود‭ ‬ومواجهة‭ ‬الجريمة‭ ‬المنظمة،‭ ‬كما‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬الشراكة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتجارية‭ ‬معه‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يمثل‭ ‬الفضاء‭ ‬الأوروبي،‭ ‬عبر‭ ‬إسبانيا،‭ ‬مجالاً‭ ‬أساسياً‭ ‬للصادرات‭ ‬والاستثمارات‭ ‬المغربية،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬أهمية‭ ‬التعاون‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬النقل‭ ‬والطاقة‭ ‬والتبادل‭ ‬الاجتماعي‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬العلاقة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اختزالها‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬الضغط‭ ‬والتوترات،‭ ‬بل‭ ‬بعلاقة‭ ‬محكومة‭ ‬بواقع‭ ‬جغرافي‭ ‬لا‭ ‬يتزحزح‭ ‬وبمصالح‭ ‬مشتركة‭ ‬يصعب‭ ‬تجاهلها‭.‬

في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬إن‭ ‬العلاقة‭ ‬المغربية‭ ‬الإسبانية‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬انعكاس‭ ‬للتاريخ‭ ‬أو‭ ‬للجغرافيا،‭ ‬بل‭ ‬اختبار‭ ‬لقدرة‭ ‬دولتين‭ ‬متجاورتين‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬الاختلافات‭ ‬التاريخية‭ ‬والسياسية‭ ‬إلى‭ ‬شراكة‭ ‬متوازنة‭. ‬فالمغرب‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬إسبانيا‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬ملف‭ ‬خارجي،‭ ‬وإسبانيا‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬المغرب‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬بوابة‭ ‬أوروبية:‭ ‬فإسبانيا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬ملفات‭ ‬الأمن‭ ‬والهجرة‭ ‬والاستقرار‭ ‬الإقليمي،‭ ‬كما‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬علاقاتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬معه،‭ ‬والمغرب‭ ‬يحتاج‭ ‬بدوره‭ ‬إلى‭ ‬إسبانيا‭ ‬بوصفها‭ ‬شريكاً‭ ‬أوروبياً‭ ‬رئيسياً‭ ‬وبوابة‭ ‬اقتصادية‭ ‬ولوجستية‭ ‬مهمة‭ ‬نحو‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي‭.‬

وبين‭ ‬إرث‭ ‬الماضي‭ ‬ورهانات‭ ‬المستقبل،‭ ‬تظل‭ ‬المسألة‭ ‬الجوهرية‭ ‬هي‭ ‬قدرة‭ ‬البلدين‭ ‬على‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬تدبير‭ ‬الأزمات‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬بناء‭ ‬الثقة،‭ ‬ومن‭ ‬استثمار‭ ‬الخلافات‭ ‬في‭ ‬المنافسة‭ ‬السياسية‭ ‬إلى‭ ‬إدارة‭ ‬الاختلاف‭ ‬ضمن‭ ‬شراكة‭ ‬تحفظ‭ ‬المصالح‭ ‬المشروعة‭ ‬للبلدين‭.‬