تحليل

من سؤال المرجعية إلى سؤال الإضافة.. تحوّل الخطاب الانتخابي المغربي

مريم مكرم (باحثة في البلاغة وتحليل الخطاب والتواصل السياسي)
لم يكن الخطاب الانتخابي المغربي منفصلًا، في مختلف مراحله، عن المرجعيات التي شكلت هوية الأحزاب ومواقعها داخل المشهد السياسي. فمنذ عقود، عرفت الحياة الحزبية تعددًا في الاتجاهات والتصورات، بين اليسار والاشتراكية والليبرالية والمحافظة وغيرها، وكانت الأحزاب تقدم نفسها للناخب انطلاقًا من رؤى مختلفة للدولة والمجتمع والاقتصاد والديمقراطية. لذلك كانت المرجعية، في جانب مهم من الخطاب السياسي، مدخلًا أساسيًا للتعريف بالحزب وتحديد موقعه داخل المنافسة.

وظل هذا البعد حاضرًا بصور مختلفة مع تطور الحياة السياسية، إلى أن برز بصورة لافتة في الانتخابات التشريعية لسنة 2016. فقد اتخذ التنافس بين حزب العدالة والتنمية وحزب الأصالة والمعاصرة آنذاك طابعًا سياسيًا ومرجعيًا قويًا، وحضرت في الخطاب مفاهيم من قبيل الإسلام والحداثة والديمقراطية و«التحكم» و«الأخونة». ولم تكن هذه المفردات مجرد عناوين متداولة، بل أسهمت في تحديد المواقع السياسية، وبناء صورة الخصم، وتوجيه قراءة الناخب لطبيعة الاختلاف. لذلك شكلت انتخابات 2016 لحظة كاشفة لقوة المرجعية في رسم حدود المنافسة الانتخابية.

أما اليوم، فقد تغيّر مركز الثقل في الخطاب الانتخابي. فتقدمت إلى الواجهة قضايا الشغل والقدرة الشرائية والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية وفرص الشباب وجودة الخدمات والقدرة على التدبير، بينما تراجع حضور المرجعية الحزبية المعلنة بوصفها مدخلًا أساسيًا للإقناع. ولم تنقطع صلة الناخب بها، غير أن الإعلان عنها لم يعد كافيًا لتقديم الحزب وتمييز خطابه؛ إذ أصبح الاهتمام يتجه أكثر إلى التصور الذي يحمله، وإلى الطريقة التي يحوله بها إلى اختيارات والتزامات.

يرتبط هذا التحول، في جانب أساسي منه، بتغير في طريقة تلقي الناخب للخطاب السياسي. فقد باتت التجربة الانتخابية المتراكمة تتيح له قراءة أكثر وعيًا لتعدد الأحزاب واختلاف منطلقاتها، مع إدراك أن هذا التعدد يتحرك داخل مرجعية وطنية جامعة، تتقاطع فيها أبعاد دينية وقيمية ومجتمعية راسخة. ومع اتساع هذه الأرضية المشتركة، لم يعد الانتماء إليها، أو الإعلان عنها، كافيًا لاستمالة الناخب؛ إذ أصبح يبحث عما يميز كل حزب داخلها، وعن المعنى الذي يمنحه لما يطرحه من قضايا واختيارات.

ومن هنا يبرز سؤال الإضافة بوصفه مدخلًا أساسيًا لفهم الخطاب الانتخابي الراهن، إذ يتجه النظر إلى ما يضيفه الحزب إلى المشهد السياسي، وإلى ما يميز اختياراته حين تتقاطع الأحزاب في كثير من القيم والمبادئ العامة.

ويظهر أثر هذا التحول بوضوح في الطريقة التي يتشكل بها الخطاب بحسب موقع الحزب داخل المشهد السياسي. فالأغلبية تتحدث من موقع مسؤولية التدبير، ولذلك يتقدم في خطابها ما يتصل بالحصيلة والاستمرارية وما تحقق وما يمكن استكماله. ويبرز ذلك في خطاب حزب التجمع الوطني للأحرار من خلال التركيز على الحصيلة وربطها باستمرار العمل الحكومي، كما يحضر في خطاب حزب الأصالة والمعاصرة من خلال استحضار برنامجه والتزاماته من داخل موقعه في الأغلبية. أما حزب الاستقلال، فيجمع بين موقعه الحكومي ومرجعيته الحزبية، مستعيدًا مفهومي «الاستقلالية» و«التعادلية» في وصل قضايا القرار الوطني والمستقبل بموقعه السياسي الراهن. وهكذا تصبح المرجعية، في خطاب الأغلبية، جزءًا من بناء صورة الحزب بوصفه طرفًا مسؤولًا عن التدبير وما يترتب عليه من حصيلة واختيارات.

وعلى الضفة الأخرى، تمنح المعارضة خطابها وظيفة مختلفة؛ إذ ينصرف بدرجة أكبر إلى تشخيص الاختلال، وإبراز مواطن القصور، وتقديم البديل. وفي هذا السياق، يربط حزب العدالة والتنمية موقعه المعارض بمرجعياته السياسية والحزبية، ويستحضرها في بناء صورة مختلفة عن الاختيارات القائمة. ويصوغ حزب الاتحاد الاشتراكي خطابه من منطلق مرجعيته الاشتراكية الديمقراطية، مستندًا إلى مفاهيم الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، بينما يقدم حزب التقدم والاشتراكية نفسه بوصفه «بديلًا يساريًا تقدميًا». وهنا تصبح المرجعية وسيلة لتحديد موقع الحزب من السياسات القائمة، ولتقديم رؤية بديلة لها، لا مجرد إعلان للانتماء.

وبذلك، تكشف تحولات الخطاب الانتخابي المغربي عن تغير في الطريقة التي تُستثمر بها المرجعيات داخل المنافسة السياسية. فالمرجعيات لم تختفِ، لكنها أصبحت أقل بروزًا بوصفها محورًا صريحًا للمنافسة مقارنة بما كانت عليه في لحظات سياسية سابقة، بينما اتجه الخطاب بدرجة أكبر نحو المواقف والاختيارات والبرامج وما يمكن أن تنتجه في الواقع.

في النهاية، يبدو أن جانبًا من الخطاب الانتخابي الراهن يخاطب ناخبًا أصبح أقل انشغالًا بسؤال «من تكونون؟» وأكثر اهتمامًا بما يمكن أن ينتج عن هذا الانتماء من أثر: «ماذا ستضيفون؟»، وما الذي سيتغير في حياة الناس؟ فالهويات والمرجعيات تظل جزءًا من صورة الحزب، لكن قيمتها السياسية تتحدد بما تنتجه من اختيارات، وما تتحول إليه من التزامات، وما تتركه من أثر. وهنا ينتقل مركز الإقناع من تقديم الذات إلى إثبات القدرة على صناعة الفرق.