ربما لا تكون أزمة سبتة الأخيرة هي الموضوع الحقيقي الذي يستحق النقاش، بقدر ما تكون مجرد مناسبة جديدة كشفت شيئاً أعمق في العلاقات المغربية الإسبانية: البلدان يتغيران، وموازين المصالح والقوة بينهما تتحرك، لكن جزءاً مهماً من الصور الذهنية التي يحملها كل طرف عن الآخر لم يتحرك بالسرعة نفسها. ولهذا، كلما وقع حادث على الحدود، أو عاد ملف الصحراء إلى الواجهة، أو اشتد النقاش حول سبتة ومليلية، لا نناقش الواقعة وحدها؛ تستيقظ معها دفعة واحدة ذاكرة طويلة من التاريخ والجغرافيا والهجرة والاستعمار والأمن والسيادة، وتعود إلى السطح تصورات كان يفترض أن تكون العلاقات الجديدة بين البلدين قد تجاوزت جزءاً كبيراً منها.
وهذا ما يجعلني أعتقد أن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه في المغرب ليس فقط: لماذا تتعامل بعض الأوساط الإسبانية معنا بهذه الطريقة؟ وإنما أيضاً: هل نفهم إسبانيا فعلاً؟ فنحن نعرف إسبانيا جيداً باعتبارها بلداً جاراً، وشريكاً تجارياً، ووجهة للهجرة والسياحة والاستثمار، لكن المعرفة الاستراتيجية بدولة ما شيء مختلف تماماً. إسبانيا التي نتعامل معها ليست حكومة مدريد وحدها، وليست بيدرو سانشيز، وليست الملك فيليبي السادس، وليست الجيش، ولا صحيفة El País أو El Mundo أو ABC، ولا اليمين أو اليسار. إنها منظومة سياسية ومؤسساتية واجتماعية شديدة التركيب، تتقاطع داخلها الحكومة المركزية مع جهات الحكم الذاتي، والقصر مع الحكومة، والأحزاب مع مؤسسات الدولة، ومراكز الدراسات مع الإعلام، والمصالح الاقتصادية مع الحسابات الانتخابية، والذاكرة التاريخية مع المصالح الجديدة.
ومن هنا يمكن فهم جانب من الضجيج الذي رافق أزمة سبتة الأخيرة. ففي أيام قليلة فقط، انتقل الموضوع بين مستويات متعددة: تحقيقات قضائية، وثائق أمنية واستخباراتية رفعت عنها السرية، مواجهة سياسية قاسية داخل البرلمان، اجتماع للملك مع وزيرة الدفاع والقيادة العسكرية لدراسة الوضع في سبتة من زاوية الدفاع، نقاش إعلامي واسع حول «التهديد المغربي»، ومحاولة لإعطاء الأزمة بعداً أوروبياً. وبالتوازي مع ذلك، صادق الكونغرس الإسباني على مقترح يتعلق بمنح طريق خاص للحصول على الجنسية الإسبانية لفئات من الصحراويين المولودين خلال فترة الإدارة الإسبانية، وهو نص لم يستكمل بعد مساره التشريعي، لكنه يحمل في ذاته حمولة سياسية وتاريخية تتجاوز بكثير مسألة تقنية مرتبطة بالجنسية. هذه الأحداث لا تعني أن المؤسسات الإسبانية تتحرك جميعها وفق خطة واحدة ضد المغرب، ولكنها تؤكد أن ملف المغرب يستطيع، بمجرد اندلاع أزمة، أن يحرك طبقات مختلفة وعميقة داخل الدولة والمجتمع الإسباني.
والأهم بالنسبة إلي ليس البحث عن «مؤامرة» إسبانية، فهذا تفسير مريح أكثر مما هو مفيد، وإنما فهم لماذا يجد خطاب الخوف من المغرب أرضاً جاهزة لاستقباله في أجزاء من المجتمع والنخبة الإسبانية. فعندما يصبح ممكناً أن يقدم المغرب في بعض النقاشات باعتباره تهديداً أمنياً، وأن تستعمل بشأنه مفردات «العدوان» و«الحرب الهجينة»، وأن تستحضر المقارنات مع أزمات جيوسياسية بعيدة تماماً عن طبيعة العلاقة المغربية الإسبانية، فنحن لم نعد أمام خلاف دبلوماسي عابر، بل أمام صورة ذهنية لها جذور أعمق. والصورة الذهنية في العلاقات الدولية ليست مسألة ثانوية، لأنها قد تتحول مع الزمن إلى رأي عام، والرأي العام يتحول إلى ضغط انتخابي، والضغط الانتخابي يؤثر في الحكومات، ثم تتحول السردية بالتدريج إلى جزء من السياسة الخارجية.
ولهذه الصورة تاريخ لا يمكن تجاهله. فالمغرب يحتل مكانة خاصة في الذاكرة السياسية والعسكرية الإسبانية، من حروب القرن التاسع عشر إلى الـAfricanismo، ومن حرب الريف إلى مرحلة الحماية، ومن الدور الذي لعبه الجيش الإفريقي في التاريخ السياسي الإسباني إلى إرث نظام فرانكو. ولا يعني استحضار هذا التاريخ أن إسبانيا الديمقراطية اليوم هي إسبانيا فرانكو؛ مثل هذا الاستنتاج سيكون اختزالاً لا يخدم أي تحليل جدي. لكنه يعني أن المؤسسات والدول لا تبدأ تاريخها من الصفر كلما تغير النظام السياسي، وأن بعض التصورات الاستراتيجية والثقافية يمكن أن تعيش أطول من الظروف التي أنتجتها، خصوصاً عندما تجد أحداثاً جديدة تعيد تنشيطها.
لكن ثمة تفسيراً آخر أعتقد أنه أكثر أهمية بالنسبة إلى المستقبل: المغرب نفسه تغير. وربما توجد هنا العقدة الحقيقية في جزء من العلاقة. فقد اعتادت قطاعات من النخبة الأوروبية، وليس الإسبانية وحدها، على مغرب يؤدي وظائف محددة في محيطه: شريك أمني، حاجز أمام الهجرة غير النظامية، متعاون في مكافحة الإرهاب والمخدرات، سوق قريب للمنتجات الأوروبية، ومجال للاستثمار والإنتاج منخفض التكلفة. غير أن المغرب خلال السنوات الأخيرة أصبح يتحدث بلغة مختلفة عن موقعه: منصة صناعية ولوجستيكية، بوابة نحو إفريقيا، فاعل أطلسي ومتوسطي، شريك في الطاقة والأمن، ودولة تسعى إلى تنويع تحالفاتها وعلاقاتها مع الولايات المتحدة والصين ودول الخليج وإفريقيا وإسرائيل وغيرها، وتريد أن تنتقل في علاقتها بأوروبا من منطق المساعدة والجوار إلى منطق المصالح المتبادلة والشراكة.
وهنا تبدأ المشكلة التي تستحق فعلاً الدراسة. فصعود قوة جار قريب لا يثير دائماً الارتياح، حتى بين الدول الصديقة. وإسبانيا التي اعتادت لعقود تفوقاً اقتصادياً واستراتيجياً واضحاً جنوب المضيق تجد أمامها اليوم جاراً ما زال أقل منها في مؤشرات كثيرة، ولكنه يقلص بعض الفوارق ويكتسب أوراقاً جديدة للقوة والتفاوض. ميناء طنجة المتوسط، الصناعية والطيران، الربط اللوجستي، الاستثمار الإفريقي، الطاقة المتجددة، التحالفات الأمنية، المشاريع الأطلسية، والاستعدادات المرتبطة بمونديال 2030، كلها عناصر تغير تدريجياً صورة المغرب ووظيفته في المنطقة. وهذا لا يعني أننا أصبحنا قوة مكافئة لإسبانيا، ولا ينبغي أن نقع في خطاب انتصاري مبالغ فيه، ولكنه يعني ببساطة أن العلاقة القديمة لم تعد قادرة وحدها على تفسير العلاقة الجديدة.
ولهذا فإن جزءاً مما نراه اليوم قد يكون صراعاً حول إعادة تعريف الأدوار أكثر منه صراعاً حول حادثة حدودية. هل المغرب مجرد حارس للحدود الجنوبية لأوروبا، أم شريك استراتيجي له مصالحه ومطالبه؟ هل تنظر مدريد إلى الرباط باعتبارها شريكاً ضرورياً ينبغي التفاوض معه على أساس توازن المصالح، أم باعتبارها جاراً يجب احتواؤه كلما اكتسب أدوات قوة إضافية؟ وفي الاتجاه المقابل، هل ننظر نحن إلى إسبانيا باعتبارها خصماً تاريخياً ينبغي تفسير كل تحركاته بمنطق العداء، أم قوة أوروبية جارة تجمعنا بها مصالح هائلة وخلافات حقيقية ينبغي إدارتها بعقل استراتيجي؟ أعتقد أن الخطأ يوجد في الاختزالين معاً.
وهنا تحديداً ينبغي أن يبدأ النقد من الداخل أيضاً. فليس كافياً أن نشتكي في المغرب من أن بعض الإعلام الإسباني لا يفهمنا، بينما حضورنا الفكري والإعلامي داخل إسبانيا ضعيف. وليس كافياً أن ننتقد مراكز الدراسات الإسبانية عندما تنتج تصورات لا تعجبنا، إذا لم تكن لدينا مراكز قادرة على إنتاج معرفة دقيقة بالمجتمع الإسباني وصناعة القرار داخله. ولا يكفي أن تتحرك الدبلوماسية عندما تقع الأزمة. نحن بحاجة إلى خبرة إسبانية مغربية بالمعنى الحقيقي للكلمة: باحثون متخصصون في السياسة الإسبانية، في اقتصادها، في جهاتها، في إعلامها، في المؤسسة العسكرية والفكر الاستراتيجي، في القضاء، في المجتمع المدني، وفي التحولات التي يعرفها اليمين واليسار والرأي العام. وأن نعرف، عندما يصدر موقف معاد للمغرب، من صاحبه؟ وما وزنه؟ ومن يخاطب؟ وأي تيار يمثله؟ وهل يعبر عن الدولة أم عن حزب أم عن مؤسسة أم عن حساب انتخابي عابر؟
كما نحتاج إلى أن نكون حاضرين باللغة الإسبانية نفسها. فمن غير المعقول أن تكون إسبانيا أحد أهم شركائنا التجاريين وأقرب جيراننا الأوروبيين، وأن تظل معرفتنا المتخصصة بها وحضور نخبنا داخل نقاشها العمومي دون مستوى هذه الأهمية. المعركة هنا ليست معركة دعاية مضادة، ولا نحتاج إلى إعلام يرد على الصراخ بالصراخ؛ نحتاج إلى جامعيين ومحامين واقتصاديين ورجال أعمال وصحافيين ومراكز تفكير يستطيعون مخاطبة الإسبان بلغتهم وبمنطقهم، والكتابة في صحفهم، والحضور في جامعاتهم ومنتدياتهم، وبناء علاقات داخل مجتمعهم المدني ومؤسساتهم الاقتصادية والفكرية. الدولة التي تريد الدفاع عن مصالحها في القرن الحادي والعشرين لا تنتظر الأزمة لكي تصدر بلاغاً؛ إنها تبني قبل الأزمة شبكة معرفة وتأثير تجعل روايتها موجودة عندما يبدأ النقاش.
وفي المقابل، على إسبانيا أيضاً أن تختار أي مغرب تريد أن يكون على حدودها الجنوبية. فمن مصلحتها الاستراتيجية أن يكون إلى جوارها مغرب مستقر، مزدهر، منفتح وقادر على التعاون معها، لا مغرب ضعيفاً كما قد تتخيل بعض العقليات القديمة. إسبانيا والمغرب لا تجمعهما فقط ملفات الهجرة والإرهاب والمخدرات والحدود؛ تجمعهما التجارة والاستثمار والطاقة والصناعة والثقافة والجامعات والسياحة، وملايين الروابط الإنسانية، ومشروع كأس العالم 2030 الذي سيجعل البلدين، إلى جانب البرتغال، أمام واحدة من أكبر تجارب التعاون المشترك في تاريخهما الحديث. ومن المفارقات أن نتحدث عن بناء ملاعب وطرق وشبكات نقل ومشاريع مشتركة لاستقبال العالم بعد أربع سنوات، بينما تسمح بعض الخطابات على الضفتين بإعادة إنتاج صور متبادلة تعود إلى قرن مضى.
لذلك لا أرى في الأزمة الحالية سبباً لإعادة إنتاج خطاب العداء مع إسبانيا، بل سبباً إضافياً لكي نفهمها أكثر. ولا أعتقد أن الرد على الصور النمطية الإسبانية عن المغرب يكون بصناعة صور نمطية مغربية عن الإسبان. القوة الحقيقية تبدأ حين تستطيع أن تميز داخل البلد الآخر بين من يختلف معك ومن يعاديك، وبين موقف الدولة وموقف الحكومة، وبين حساب انتخابي وعقيدة استراتيجية، وبين صحيفة ومؤسسة، وبين خوف تاريخي ومصلحة راهنة. وعندها فقط نستطيع أن نعرف متى نفاوض، ومتى نحتج، ومتى نتجاهل، ومتى نبني التحالفات.
فالجغرافيا حسمت أمراً واحداً منذ البداية: المغرب وإسبانيا سيظلان جارين. أما نوعية هذا الجوار فلم تحسمها الجغرافيا، ولن يحسمها التاريخ وحده. سيحسمها ما يفعله البلدان اليوم بالمسافة القصيرة التي تفصل بينهما. يمكن تحويل المضيق إلى خط تماس دائم تستيقظ عنده أشباح الماضي مع كل أزمة، ويمكن تحويله إلى واحد من أكثر فضاءات التعاون ازدهاراً بين أوروبا وإفريقيا.
الجغرافيا ثابتة، أما موازين القوة والصور الذهنية والمصالح فتتغير. ولعل أكبر تحدٍّ أمام المغرب وإسبانيا اليوم هو أن تتغير طريقة تفكيرهما في بعضهما بالسرعة نفسها التي يتغير بها الواقع على ضفتي المضيق.






