مجتمع وحوداث

في نقد سياسة الفرح: لماذا نفشل في الفرح؟ (الحلقة 1)

سعيد ناشيد (كاتب)

ما من رذيلة إلّا وهي ضربٌ من الشقاء. فالشماتةُ شقاءٌ يستعير ثوب الفرح، والحسدُ شقاءٌ يوقظه فرحُ الغير، والحقدُ شقاءٌ مدَّخر، والغضبُ شقاءٌ يغلي، والنفاقُ شقاءٌ يبتسم، ووسواسُ المؤامرة شقاءٌ يتذاكى، والمظلوميّةُ شقاءٌ يحمل صكَّ براءته في يده. رذائلُ شتّى، وتربةٌ واحدة: الشقاء. لذلك فالجماعة التي تريد أن تُقلّل الرذائل بين أفرادها بالوعظ والنهي والعقاب وحدها تشبه من يضرب اللهبَ بالعصا ليطفئه. إنّما تُجفَّف الرذائل بتجفيف الينابيع التي تغذيها، وتُبنى المواطنةُ الإيجابية على ما بنى عليه سبينوزا الفضيلةَ كلَّها: على الفرح.

لكنّ الفرح لا ينبت وحده، بل يُزرع، ونحن لا نُحسن زراعته. لماذا؟ لأنّنا لا نفهم معناه ابتداءً، ولا ندرك قوانينه. نحسبه طربًا صاخبًا، أو ضحكًا عابرًا، أو مهرجانًا يُقام على عجل ويُطوى على عجل، ثمّ نقيس نجاحنا بحشود الشباب التي تملأ الساحات والملاعب. غير أنّ الإحصاءات تشهد بأنّ الاكتئاب وسائر الاضطرابات النفسيّة والعقلية في ارتفاع مطّرد بين هؤلاء الشباب أنفسهم. فكيف يجتمع الأمران: ساحاتٌ صاخبة ونفوسٌ مريضة؟

والحقّ أنّنا لا نصنع الفرح، بل نصنع مظاهره ونخالها الفرح نفسه؛ نصنع الضجيج ونحسبه بهجة، ونصنع التفاهة ونسمّيها ترفيهًا. والفرح حالةٌ تسكن الوجدان وتدوم، أمّا مظاهره فحركةٌ تجري في الخارج وتمضي سريعًا. وبين الفرح ومظاهره فرقُ ما بين الغذاء والمنشّط: الأوّل يبني القوّة على مهلٍ ويُبقيها، والثاني يستعير القوّة من الغد ويستهلكها في ساعة، ثمّ يترك بعده خواءً أشدّ ممّا كان قبله؛ فيعود صاحبه يطلب جرعةً أكبر ليسدّ خواءً هو الذي صنعه.

من ذلك الخواء تندلع موجات العنف عقب انتهاء الفرجة مباشرة: شغبٌ في المدرّجات، وتكسيرٌ في الشوارع، وعراكٌ بلا سبب ظاهر. كان المنتظَر من الفرجة أن تكون تفريغًا لما تراكم في الصدور، فإذا بها شحنٌ جديد يُضاف إلى القديم. فالضجيج لا يُفرغ الغضب بل يوقظه ويمنحه لغة، والحشد لا يذيب العزلة بل يؤجّلها إلى لحظة التفرّق، حيث يعود كلّ واحد إلى خوائه محمَّلًا بشحنةٍ لم تجد أين تُفرَّغ.

نفشل في صناعة الفرح لا لقلّةٍ في الإنفاق ولا لضعفٍ في الإرادة، بل لأنّنا لا نعرف كيف يُصنع؛ ولا نعرف كيف يُصنع لأنّنا لا نعرف ما هو. 

تلك هي المسألة.