صدر في باريس في 17 سبتمبر 2026 عن دار Max Milo كتاب «غداً هو الأمس: الحياة والموت والسعي إلى السلام في إسرائيل/فلسطين» (Demain, c’est hier – Vie, mort et quête de la paix en Israël/Palestine)، للباحث الفلسطيني حسين آغا والدبلوماسي والباحث الأميركي روبرت مالي، مع مقدمة للباحث الفرنسي في العلاقات الدولية والجيوسياسة باسكال بونيفاس، مؤسس ومدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية IRIS في باريس.
وكان الكتاب قد صدر أولاً باللغة الإنكليزية عام 2025 بعنوان Tomorrow Is Yesterday: Life, Death, and the Pursuit of Peace in Israel/Palestine.
لا يقدم آغا ومالي تاريخاً تقليدياً للمفاوضات الفلسطينية–الإسرائيلية، وإنما قراءة نقدية لمسار امتد أكثر من ثلاثة عقود، ويحاولان من خلاله الإجابة عن سؤال أساسي: كيف انتقلت عملية سلام بدأت بآمال كبيرة إلى واقع أكثر عنفاً وبعداً عن التسوية؟
ويستند الكتاب إلى تجربة المؤلفين ومعرفتهما المباشرة بمراكز القرار والمفاوضات والاتصالات الفلسطينية والإسرائيلية والأميركية. وينتقد الطريقة التي أُديرت بها عملية السلام، ولا سيما التركيز على الخرائط والترتيبات الأمنية والمراحل الانتقالية، في مقابل عدم إعطاء الوزن الكافي لقضايا أعمق، مثل التاريخ والذاكرة والهوية واللجوء والنكبة والدين وعلاقة الشعبين بالأرض.
ومن هنا أيضاً يأتي معنى عنوان الكتاب «غداً هو الأمس»: فالحاضر، في قراءة المؤلفين، لا يمكن فصله عن تاريخ طويل من الصراع والذاكرة والفرص الضائعة، وكأن أحداث اليوم تعيد إلى الواجهة أسئلة الماضي التي لم تنجح عقود من العملية السياسية في حسمها.
وًيُعد حسين آغا من الباحثين الفلسطينيين المخضرمين في قضايا الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. ارتبط لأكثر من خمسة وعشرين عاماً بـSt Antony’s College في جامعة أكسفورد، وعمل أيضاً باحثاً مشاركاً أول في Chatham House في لندن.
وله دراسات وأعمال حول القضية الفلسطينية والأمن القومي الفلسطيني وسوريا وإيران ودبلوماسية «المسار الثاني».
أما روبرت مالي Robert Malley، المولود عام 1963، فهو دبلوماسي وباحث أميركي متخصص في الشرق الأوسط. درس في ييل وهارفارد وأكسفورد، وحصل على الدكتوراه في الفلسفة السياسية من جامعة أكسفورد.
وقد عمل في إدارة الرئيس بيل كلينتون مساعداً خاصاً للرئيس للشؤون العربية–الإسرائيلية، وكان عضواً في الفريق الأميركي الذي شارك مباشرة في قمة كامب ديفيد في يوليو 2000، ولذلك كان مطلعاً من الداخل على المحادثات الفلسطينية–الإسرائيلية التي جرت تحت إشراف الرئيس كلينتون.
وعاد لاحقاً إلى الإدارة الأميركية في عهد الرئيس باراك أوباما، وتولى مسؤوليات تتعلق بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا والخليج، كما ترأس International Crisis Group، ثم عُيّن في إدارة الرئيس جو بايدن مبعوثاً أميركياً خاصاً إلى إيران. ويعمل حالياً في المجال الأكاديمي في Jackson School of Global Affairs بجامعة ييل.
وتمنح هذه الخلفية الكتاب أهمية خاصة: حسين آغا يأتي من معرفة عميقة بالجانب الفلسطيني وبكواليس العملية السياسية، وروبرت مالي من تجربة داخل صناعة القرار الأميركي، وقد تابع الاثنان على مدى سنوات طويلة مسار عملية السلام وإخفاقاتها وتحولاتها.
من «مأساة الأخطاء» إلى «غداً هو الأمس»
ويرتبط صدور الكتاب الجديد بعمل فكري مشترك سابق ومهم لآغا ومالي. ففي 9 أغسطس 2001، وبعد نحو عام من قمة كامب ديفيد، نشرا في The New York Review of Books ورقتهما الشهيرة:
“Camp David: The Tragedy of Errors” – «كامب ديفيد: مأساة الأخطاء».
وتكتسب هذه الورقة أهمية خاصة لأنها قدمت، في وقت مبكر، رواية مختلفة عن الرواية التي أصبحت رائجة بعد فشل قمة كامب ديفيد، والتي اختُصرت في أن رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك قدم للرئيس ياسر عرفات «عرضاً سخياً» أو «فرصة تاريخية»، وأن عرفات رفض العرض وتحمل بالتالي مسؤولية انهيار القمة.
هذه الصورة، التي تبنتها إلى حد بعيد الرواية الأميركية في عهد الرئيس كلينتون وروجتها لاحقاً الرواية الإسرائيلية، هي تحديداً ما أعادت ورقة مالي وآغا النظر فيه. فقد أظهرت أن ما جرى في كامب ديفيد كان أكثر تعقيداً بكثير، وأن الحديث عن «عرض سخي» ونهائي وضعه باراك أمام عرفات فرفضه الأخير لا يعكس حقيقة المسار التفاوضي كما جرى.
ولا تحمل الورقة باراك وحده مسؤولية الفشل، كما أنها لا تقول إن الجانب الفلسطيني لم يرتكب أخطاء، لكنها تنسف عملياً الرواية المبسطة التي حمّلت الرئيس عرفات وحده مسؤولية فشل كامب ديفيد، وتوضح أن الإخفاق كان نتيجة أخطاء وسوء حسابات ومواقف تعود إلى الأطراف المختلفة، وبشكل خاص الطرفان الإسرائيلي والأميركي.
وأثارت الورقة عند صدورها جدلاً واسعاً، خصوصاً أن روبرت مالي كان عضواً في الفريق الأميركي في كامب ديفيد ومطلعاً بصورة مباشرة على المفاوضات. وقد رد عليها دينيس روس Dennis Ross، أحد أبرز المسؤولين الأميركيين عن عملية السلام في تلك المرحلة، معترضاً على قراءة مالي وآغا لمسؤولية عرفات. ورد حسين آغا وروبرت مالي بدورهما على روس، موضحين أن هدفهما لم يكن تبرئة الجانب الفلسطيني من أخطائه، وإنما الاعتراض على اختزال فشل كامب ديفيد في رواية تقول إن عرفات رفض ببساطة عرضاً إسرائيلياً سخياً. ونُشر هذا السجال في The New York Review of Books في سبتمبر 2001.
ومن هنا يمكن النظر إلى «غداً هو الأمس»، بعد نحو ربع قرن، باعتباره امتداداً أوسع لذلك النقاش الذي بدأه المؤلفان حول أسباب فشل عملية السلام والطريقة التي رُويت بها قصتها.
من كامب ديفيد إلى زيارة شارون
وثمة واقعة لاحقة تكتسب أهميتها عند استعادة تلك المرحلة. فقد بقيت قنوات الاتصال مفتوحة بين القيادة الفلسطينية والإسرائيلية بعد كامب ديفيد، والتقى الرئيس ياسر عرفات رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك قبل أيام قليلة من الزيارة التي قام بها أرييل شارون إلى الحرم القدسي الشريف في 28 سبتمبر 2000.
وكان الرئيس عرفات يردد أمام العديد من ضيوفه ومحدثيه أنه طرح على باراك في هذا اللقاء سؤالاً مباشراً: لماذا تسمح الآن لشارون بالذهاب إلى المسجد الأقصى والحرم القدسي، وتكسر واقعاً ظل قائماً منذ احتلال إسرائيل للقدس الشرقية عام 1967؟
وكان عرفات يستحضر في هذا السياق ما حدث بعد أن احتلت قوات الاحتلال الإسرائيلي الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية عام 1967، عندما كان موشيه دايان وزيراً للدفاع الإسرائيلي. ودايان، الذي كان قد شغل سابقاً منصب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي بين عامي 1953 و1958، أدرك حساسية الحرم القدسي وخطورة المساس بطابعه الديني والإداري، وأقر بعد احتلال القدس الشرقية ترتيبات أبقت إدارة الحرم والشؤون الدينية فيه بيد الأوقاف الإسلامية، وامتنعت إسرائيل بموجبها عن فرض إدارة دينية يهودية للموقع والسماح لاي مسؤول سياسي او عسكري اسرائيلي التوجه إلى الحرم القدسي وأصبحت هذه الترتيبات أساساً لما عُرف لاحقاً ب" الوضع القائم»في الحرم القدسي.
ومن هنا كان السؤال الذي ظل عرفات يطرحه أمام محدثيه: إذا كان دايان نفسه، وهو وزير الدفاع الذي احتلت قوات الاحتلال الإسرائيلي القدس الشرقية في عهده، قد أدرك خطورة المساس بالحرم القدسي وحساسيته الدينية والسياسية، فلماذا يسمح باراك الآن لشارون بكسر هذا التقليد؟ وما الذي يريده من خطوة كهذه؟ وإلى أين يمكن أن تقود؟
وفي 28 سبتمبر 2000 قام شارون، وكان آنذاك زعيم المعارضة الإسرائيلية، بزيارة الحرم القدسي الشريف برفقة وفد من أعضاء الليكود وتحت حماية أمنية إسرائيلية واسعة. وكانت تلك الزيارة الصاعق المباشر الذي فجّر الاحتجاجات والمواجهات التي ارتبطت بانطلاق الانتفاضة الفلسطينية الثانية.
سيمون مالي… صحفي في زمن حركات التحرر
والشيء بالشيء يذكر أن روبرت مالي هو نجل الصحفي المعروف سيمون مالي Simon Malley (1923–2006)، وهو شخصية بارزة في تاريخ الصحافة السياسية الفرنكوفونية المرتبطة بأفريقيا وآسيا والعالم الثالث.
ولد سيمون مالي في القاهرة لأسرة من أصول سورية، وبدأ مسيرته الصحفية في مصر، ثم عمل في نيويورك وغطى نشاطات الأمم المتحدة، قبل أن يستقر في فرنسا. وعُرف باهتمامه الكبير بقضايا التحرر الوطني ومناهضة الاستعمار، وكان قريباً من العديد من حركات التحرر في أفريقيا والعالم العربي.
وارتبط بعلاقات واسعة مع عدد من قادة حركات التحرر والشخصيات السياسية في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية. ومن بين الشخصيات التي التقاها وأجرى معها حوارات مطولة الزعيم الكوبي فيدل كاسترو، كما أجرى مقابلات مع أوليفر تامبو، أحد أبرز قادة المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا، واهتم بصورة خاصة بنضال جبهة التحرير الوطني الجزائرية من أجل استقلال الجزائر.
وكانت تربطه كذلك علاقة طيبة بالرئيس ياسر عرفات، والتقاه وأجرى معه حوارات صحفية مطولة، في إطار اهتمامه بالقضية الفلسطينية وحركات التحرر الوطني.
وفي باريس أسس مجلة Africasia، التي أصبحت لاحقاً Afrique Asie، وتحولت إلى منبر صحفي معروف بمتابعة قضايا أفريقيا وآسيا والعالم الثالث وحركات التحرر ومناهضة الاستعمار. ولم تقتصر شبكة علاقات سيمون مالي على الصحافة، بل أتاحت له التواصل المباشر مع عدد كبير من قادة تلك المرحلة وإجراء مقابلات وحوارات معهم.
وقد أدت مواقفه السياسية وانتقاداته للسياسة الفرنسية، ولا سيما في أفريقيا، إلى قيام السلطات الفرنسية في عهد الرئيس فاليري جيسكار ديستان بطرده من فرنسا عام 1980. وبعد انتخاب فرانسوا ميتران رئيساً للجمهورية عام 1981، تمكن من العودة إلى فرنسا واستئناف نشاطه.
وبالتالي نشأ روبرت مالي في بيئة كان فيها النقاش حول الاستعمار وحركات التحرر وأفريقيا والعالم العربي والقضية الفلسطينية جزءاً من الحياة الفكرية والصحفية اليومية، قبل أن يسلك هو نفسه لاحقاً مساراً أكاديمياً ودبلوماسياً داخل الولايات المتحدة.






