قضايا

البهلوانية السياسية.. معطى جديد في السيرك السياسي المغربي

منير الطاهري
في السياسة المعاصرة أصبح مضمون الخطاب السياسي اليوم وسيلة لصناعة الرأسمال الانتخابي للمتدافعين السياسيين. بالشكل الذي أصبحت معه السياسة المؤداة أو الممسرحة، كما تناولها Benjamin Moffitt وSimon Tormey، عنوانا لتصريف الظاهرة في التجربة «الشعبوية» المغربية. 

والشعبوية هي أسلوب سياسي يستثمر الأزمة والصراع والاستفزاز والمباشرة والأصالة لإنتاج الحضور. وفي ذلك يضيف Lone Sorensen، في تحليله للعصر الرابع للتواصل السياسي، أن البيئة الرقمية جعلت التعطيل الرمزي والمباشرة و«الأصالة المؤداة» أدوات مركزية في إنتاج الشرعية السياسية.

من هنا أنتج الخطاب السياسي في الحملة الانتخابية الأخيرة لسنة 2026 شكلا من البهلوانية السياسية انفصل فيه الأداء والانفعال عن الواقع المادي للسياسة، وأصبح وقع العبارة وصناعة المشهد أهم من اختبار مضمونها في الواقع. وتكمن خطورة هذا الانفصال من منظور حنة أرندت، في أن السياسة تفقد صلتها بعالم الوقائع ويصبح الخطاب قادرا على إنتاج مضمون سياسي حماسي ونفسي يقاس بقدرته على الإقناع والتكرار والتعبئة. البهلوانية السياسية هي القدرة على المبالغة الخطابية إلى المستوى الذي يصبح فيه الخطاب بديلا عن الواقع والحقيقة بما يجعل الحملة الانتخابية تصبح مكونا خطابيا جديدا لتثبيت التوتاليتارية في استعارة حنة أرندت المحدرة من قابلية الجمهور لأن يعيش سياسيا داخل عالم تصنعه الكلمات والصور أكثر مما تصفه الوقائع. البهلوانية السياسية هي صناعة المشهد الخطابي المبتذل والمبالغة في السخرية والاستفزاز وتحويل الخلاف بين الحلفاء إلى مادة للاستهلاك الجماهيري. 

البهلوانية السياسية هي القدرة على إفشاء الأسرار أو تفاصيل ما دار خلف الأبواب المغلقة للتحالف الحكومي السابق لتحويل الخلاف الداخلي إلى عرض سياسي مبهر ولا علاقة لذلك، بطبيعة الحال بنية لممارسة الشفافية حول كواليس تدبير الشأن العام . 

وهكذا يمكن رصد انتقال السياسي في التجربة المغربية، من الكاريزما القيادية إلى البهلوانية السياسية في ملامحه المختلفة والخاصة. فالكاريزما، في التصور الفيبرِي، هي نمط من السلطة يقوم على اعتقاد الأتباع بصفات استثنائية في القائد تمنحه قدرة على التعبئة والقيادة أي إن مركز الثقل فيها هو القدرة على إحداث الفعل السياسي. وهو مفهوم مختلف عن مفهوم البهلوانية السياسية الذي لا يسترشد باستثنائية القائد يقدر ما يركز على قدرته على إنتاج الانتباه والمشهد واللحظة السياسية وهو قريب من مفهوم «الأسلوب السياسي» الذي اعتمدناه في هذا المقال من خلال دراسات Benjamin Moffitt وSimon Tormey، اللذين يربطان السياسة المعاصرة بالأداء والتوسط الإعلامي والسمات الأدائية للفاعل السياسي والفارق جوهري بين المفهومين فالكاريزما تسعى إلى قيادة الجمهور، أما البهلوانية فتسعى أولا إلى احتلال انتباهه وقدرة السياسي على إنتاج المشهد القابل للتداول. وهنا نكون قد انتقلنا إلى سياسة المؤدي السياسي المبهر القادر على تسريب الخلافات بين الحكومة وتبادل الاتهامات لأن البهلوانية السياسية هي فن جديد لإظهار من يربح المشهد عندما تفشل الحكومة في الظهور كجسد سياسي واحد وعن تقديم حصيلة أدائها .

فهل أصبح الشعب المغربي، في النهاية، واعيا بهذا الأداء؟ أمام انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتعدد مصادر المعلومات وسرعة مقارنة التصريحات بالوقائع وهل أصبح المواطن أكثر قدرة على ملاحظة التناقض بين الصورة والحصيلة وبين الوعود الانتخابية والممارسة أم أنه مازال يصوت لاعتبارات تقوم على الهوية والثقة والمصلحة والعاطفة والانتماء أيضا.

تكشف الحملة الانتخابية لسنة 2026 أن البهلوانية السياسية أصبحت تقنية لإنتاج الحضور السياسي بعد الانهيار الكامل لمفهوم الكاريزما السياسية وهو ما ظهر بوضوح في الصراع بين الأحرار والأصالة والمعاصرة والذي تحول فيه الصراع من تنافس على البرامج إلى تراشق حول الأشخاص والانتقالات السياسية واستثمار الرموز الرياضية ، بعد واقعة انتقال فوزي لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة وما أعقبها من ردود أفعال أخنوش والطالبي العلمي ومكونات أخرى من التجمع، تراشق يقدم نموذجا منحطا في مفهوم البهلوانية السياسية المغربية، لأن الاستعانة بمعجم «الميركاتو» الرياضي في توصيف الانتقال السياسي حول السياسة إلى مشهد تداولي تتنافس فيه الأحزاب على احتكار الصورة واللحظة وبلغ هذا المشهد ذروته حين دخلت قضية استضافة نهائي كأس العالم 2030 نفسها في الخطاب الانتخابي، بما جر أخنوش إلى التجرؤ في بهلوانيته السياسية إلى مستوى انتقاد تقديم لقجع لمشروع دولة وتبنيه له كإنجاز شخصي أو حزبي للأصالة والمعاصرة، علما أن أخنوش ، رئيس الحكومة، لم يعلق بأي شكل من الأشكال عن واقعة الهروب الجماعي لأكثر من 80 ألف مغربي نحو الثغرين المحتلين ولم يقدم ولو تعزية لضحايا هذا الهروب المأسوف عنه.

كذلك، يطرح التسجيل المنسوب إلى رشيد الطالبي العلمي دليلا واضحا على الانتقال إلى البهلوانية السياسية عند Moffitt وTormey: والثي يتبين من خلالها أن الأزمة والصراع والاستفزاز مجرد أدوات وفدلكة إعلامية لإنتاج البهلوانية قبل أن تكون موضوعا سياسيا.

وفي الحالة نفسها يمكن رصد شكل آخر من البهلوانية لدى فوزي لقجع في سعيه لاستثمار تداخل الرأسمال الرياضي مع الرأسمال السياسي والذي ردت عنه الفيفا FIFA بأن مكان النهائي لم يكن قد حسم ولا يجب استغلاله في حملات انتخابية- بهلوانية.

أما عبد الإله بنكيران، فإن حالته أكثر أهمية لفهم مفهوم البهلوانية لأنه بنى جزءا كبيرا من حضوره على اللغة اليومية والسخرية وكسر قواعد الخطاب الرسمي وتحويل الانفعال إلى وسيلة للتواصل المباشر. وهي بهلوانية مقصودة تصبح فيها شخصية القائد الكاريزمي نفسها جزءاً من المنتج السياسي. وهو ما حاول فيبر بيانه عند محاولة رصده للانتقال نحو ما فوق الكاريزما باستثمار الجاذبية السياسية الكاريزمية والانتقال نحو صناعة الانتباه سواء بالسخرية أوالاستفزاز أو بالوعود ذات الأرقام الكبيرة.

موقع اليسار في هذا المشهد يجب معالجته بحدر كبير خصوصا بسبب ضعف إمكاناته التنظيمية والمالية والانتخابية والتي قد لا تسمح له أصلاً بإنتاج البهرجة والبهلوانية السياسية بالحجم الذي تستطيع الأحزاب ذات الموارد والشبكات والقدرة على صناعة الأحداث أن تنتجها. لكن المفارقة أن هذا الضعف قد يتحول إلى بهلوانية أشد فقرا لأن اليسار سيتبنى شعارات أكبر من القدرة على الإنجاز بأرقام غير مسندة ووعود بلا دراسات قطاعية وكذا بمواقف عامة تختزل، بشكل لا يفهمه الناخب، الأزمة في قضايا الحريات والحقوق والمراجعة الدستورية وفصل السلط والملكية البرلمانية وكأننا أمام برامج انتخابية للاستمرار في المعارضة وأن وعوده للناخب هي وعود من اجل الاستمرار في الدفاع عن المطلبية الشعبية داخل البرلمان وفقط.

اليسار، بطبيعة الحال، لا يحتاج إلى أرقام «بهلوانية» لإثبات جدارته، وإنما إلى أرقام قابلة للتحقق ودراسات قطاعية متخصصة في الصحة والتعليم والتشغيل والجباية والسكن والحماية الاجتماعية والاستثمار. لذلك نجد نفسنا في السرك السياسي المغربي أمام فقرة أكثر إثارة للجمهور تتعلق ببرنامج الترابيز أو الأرجوحة الهوائية والتي تجعل البرنامج اليساري يحمل احلاما طائرة دون أن يستطيع أن يبين كلفة سياسته ومصدر تمويلها وآثارها الاجتماعية والجهة المسؤولة عن تنفيذها ومؤشرات قياس نتائجها. وهو العرض الانتخابي الذي لا يغري الجمهور كثيرا، لأننا أمام جمهور مسلوب بفقات معينة من السيرك السياسي المغربي، أي البهلوان على وجه الخصوص والمروض الذي يروض حيواناته المفترسة بدكاء وحكمة والساحر الماكر في افتراء الصور وصناعة الغرائب ... أغلب الجمهور يفضل النوم لحظة الترابيز لأنها قد تكون لحظة غير مغرية له.

اليسار، إذا أراد أن يستعيد وظيفته التاريخية دون أن يتحول إلى بهلوان سياسي، أو مروض اجتماعي، أو مجرد ساحر نزق، عليه أولا أن ينتج المعرفة السياسية التي تسبق المشهد وأن يستمر في تقديم التشخيص الملموس للواقع الملموس وأن يجعل البرنامج نفسه أداة للمحاسبة.

وتبدو مسؤولية اليسار في هذه المحطة بالغة الأهمية، فهل ينخرط اليسار في لعبة البهلوانية نفسها ويحاول إنتاج نسخة «شعبوية» من ذاته أم يواصل تمسكه بمحاولة استعادة السياسة باعتبارها تفسيراً ومشروعا ومصلحة اجتماعية قابلة للدفاع والمحاسبة. لذلك ينبغي أن تكون مقارنته مع بقية الفاعلين قائمة على البرامج، والحجج، والاتساق بين الموقف والممارسة، ووضوح المصالح الاجتماعية التي يمثلها أي أن يقدم بديلا مرئيا للجمهور ولشريحته الناخبة المهتمة بعرضه وهي شريحة عريضة من الطبقات الوسطى والكادحة في السيرك السياسي المغربي.