سياسة واقتصاد

التمثيل البرلماني ومعركة الديمقراطية والحرية والعدالة

المصطفى سكم
في لحظة الحسم السياسي، لا يكون الموقف مجرّد انحياز ظرفي أو حساب انتخابي ضيق، بل هو فعل وجودي يتأسّس على قناعة فلسفية بجدوى التمثيل البرلماني في علم السياسة. فالبرلمان ليس مجرّد مؤسسة تقنية لإنتاج القوانين، بل هو فضاء رمزي يجسّد العلاقة بين الفرد والجماعة، بين المواطن والدولة، بين الحرية والالتزام.

إن التمثيل يظل دوما ناقصا أمام الإرادة العامة، لكنّه مع ذلك يفتح المجال لتجسيدها في شكل مؤسسات. حيث تتحوّل الحرية الفردية إلى قانون عام. بهذا المعنى، المشاركة في الانتخابات ليست فقط اختيارا سياسيا، بل هي فعل وجودي يقرّر فيه المواطن أن يكون جزءا من الكل متشبتا بمواطنته بكل حرية ، أن يضع صوته في ميزان الجماعة، وأن يواجه سؤال: هل أظل متفرّجا أم أتحمّل مسؤولية الانخراط؟

في المغرب يجد الوعي الديمقراطي نفسه في و أمام أزمة مركبة. من جهة تجربة حكومية فاشلة سمتها :

• ارتفاع الأسعار بشكل متواصل، أدى إلى انهيار القدرة الشرائية لدى فئات واسعة.

• تراجع الطبقة الوسطى وضياع مكتسباتها التي كانت تمثل صمام الأمان الاجتماعي.

• تهميش المتقاعدين ومن هم في الشيخوخة، حيث يعيشون بلا حماية كافية.

• التدني المهول لمستوى التعليم، وهو ما يهدد مستقبل الأجيال القادمة.

• تدني مستوى الخدمات الاجتماعية عموما والصحية خاصة

• تغوّل الفساد وضياع المال العام، كما تشهد بذلك تقارير مؤسسات وطنية دستورية.إذ في قلب الحملة الانتخابية، نرى تبادل الاتهامات بين أعضاء الأغلبية، في غياب أي محاسبة سياسية حقيقية.

ومن جهة ثانية ، يجد نفسه أمام مشهد متشظي: أحزاب يسارية وديمقراطية تعاني من التشتت والانقسام، مقابل قوى محافظة أو شبكات نفوذ اقتصادي تستثمر في ضعف المشاركة. هنا يصبح السؤال الفلسفي أكثر إلحاحا: هل يترك المجال فارغا ليستغله من لا يؤمن بالعدالة الاجتماعية ولمن يسعى إلى إضفاء طابع المشروعية على النهب والفساد بالتشريع القانوني ؟ أم يظل وفيا لاستراتجية النضال الديمقراطي بالانخراط الواعي رغم هشاشة التنظيمات الديمقراطية وأزماتها الداخلية؟ ألا تشكل هذه الانتخابات المدخل الأول لمعركة الانتخابات الجماعية حيث الفقر والتهميش وكل قضايا وهموم المواطنين المحلية و الإقليمية ؟ 

إن التمثيل البرلماني، في جوهره، ليس ضمانة مطلقة لتحقيق العدالة، لكنه يظل أفقا ضروريا لتكريس المواطنة والاختيار الديمقراطي. فالمواطن الذي يختار الانحياز لقوى التقدّم والديمقراطية، حتى في لحظة ضعفها، إنما يعلن أنه يرفض أن يكون مجرد رقم صامت في معادلة الصراع على السلطة التشريعية. إنه يقرر أن يضع ذاته في خندق الفعل (المحاسبة ، العقاب) لا في خندق الانتظار والانقياد. بل يمنح قوى التغيير الحقيقية شعلة الأمل والاستمرارية و مقاومة اقتلاعها من الجذور,

من هنا، يصبح الاختيار الانتخابي فعلا وجوديا: أن تقول "نعم" للتمثيل رغم وعيك بنواقصه، لأن البديل هو الفراغ الذي تملؤه قوى الفساد والنهب. أن تختار الانحياز إلى مشروع العدالة الاجتماعية، حتى وإن بدا الطريق طويلا، لأنك تدرك أن التاريخ لا يُصنع إلا بتراكم المواقف الصغيرة وأن معركة التمثيل البرلماني لا تنفصل عن المعارك الاجتماعية اليومية,

في تجربتنا المغربية، نلاحظ كيف أن انعدام التنسيق بين القوى الديمقراطية جعلها عاجزة عن مواجهة الكتلة المحافظة، وكيف أن الشباب، رغم وعيه، غالبا ما يختار العزوف ويكفي أن نلاحظ نسبته في عدد المسجلين الجدد في اللوائح الانتخابية. لكن هذا العزوف نفسه فعل وجودي سلبي، يفرغ غالبا في مناحي لا ديمقراطية، يترك المجال مفتوحا أمام من يملكون المال والسلطة و يجمعون بينهما. لذلك، يصبح التصويت فعلا وجوديا، لا لأنه يغير المعادلة فورا بل لأنه يعلن أن هناك من يرفض الاستسلام.

تعلمنا الفلسفة السياسية أن الديمقراطية ليست حالة مكتملة، بل هي سيرورة دائمة. والتمثيل البرلماني، مهما بدا هشا وفسيفسائيا حسب قوانين الانتخاب المعتمد حاليا، هو أحد تجلّيات هذه السيرورة. لذلك، حين أختار الانحياز لخندق قوى التقدم واليسار، فأنا لا أختار حزبا أو تحالفا بعينه فقط، بل أختار بقناعة فلسفية وجودية أولا وسياسية أخلاقية ثانيا أن أكون جزءا من أفق أوسع: أفق الكرامة والحرية، العدالة الاجتماعية والمجالية، والمواطنة الحقة.

في لحظة الحسم لا يكون التصويت ورقة في صندوق، بل هو إعلان وجودي: أن نرفض الفراغ الذي يملؤه الفساد، وأن نمنح الوطن جرعات أمل في الإقلاع الممكن نحو الكرامة والحرية والعدالة والمواطنة. إن الانحياز لقوى التقدم واليسار، مهما كانت هشاشتها، هو مجرد سطر في ميثاق الديمقراطية المأمول، لكنه السطر الذي يحفظ الأمل من الانطفاء؛ بدءا من جعل معركة التمثيل البرلماني معركة محاسبة حصيلة من يتبادلون الآن تهمة الفساد ونهب المال العام ، لا أن تتحول إلى لحظات توهيم و تنفيس جماهيري في مسرح الاختناق السياسي العام