مجتمع وحوداث

عز الدين أبو العيش يدعو بلجيكا إلى فتح أبوابها أمام طلبة غزة

حسان البلعاوي

في ظل الجدل السياسي والإعلامي القائم حالياً في بلجيكا، والذي وصل إلى داخل الحكومة نفسها، بشأن منح التأشيرات لـ13 طالباً فلسطينياً من قطاع غزة حصلوا على منح وقبولات لمتابعة دراستهم في جامعات بلجيكية، نشر الطبيب والأستاذ الفلسطيني-الكندي الدكتور عز الدين أبو العيش في صحيفة La Libre Belgique الناطقة بالفرنسية، في 9 سبتمبر 2026، مقال رأي يناشد فيه الحكومة البلجيكية تسهيل وصول هؤلاء الطلبة إلى جامعاتهم.

ويأتي مقاله في وقت تتباين فيه المواقف داخل الأوساط السياسية البلجيكية بشأن الملف، بين من يدعو إلى تمكين الطلبة من الاستفادة من المنح التي حصلوا عليها، ومن يبدي تحفظات ومخاوف بشأن منح التأشيرات وإخراجهم من غزة.

والدكتور عز الدين أبو العيش طبيب وأستاذ وباحث فلسطيني-كندي، ولد عام 1955 في مخيم جباليا للاجئين في قطاع غزة لأسرة فلسطينية لاجئة، ودرس الطب في القاهرة، قبل أن يتابع مسيرة طبية وأكاديمية دولية، عمل خلالها في مستشفيات فلسطينية وإسرائيلية، ثم انتقل إلى كندا حيث أصبح أستاذاً في جامعة تورنتو. كما حصل على عدد من شهادات الدكتوراه الفخرية، بينها دكتوراه فخرية من جامعة UCLouvain في بلجيكا. 

اكتسبت مسيرته بعداً عالمياً عقب مقتل ثلاث من بناته، بيسان وميار وآية، وابنة أخيه نور، بقصف إسرائيلي لمنزله في يناير 2009. لكنه اختار تحويل مأساته إلى دعوة إلى التعليم والحوار ومواجهة الكراهية، وأصدر كتابه المعروف «لن أكره» (I Shall Not Hate)، الذي يروي فيه مسيرة حياته منذ طفولته في مخيم جباليا وتجربة اللجوء والدراسة والعمل الطبي وصولاً إلى المأساة التي أصابت أسرته. وقد تُرجم الكتاب إلى نحو 25 لغة. 

وتجاوز تأثير الكتاب مجال النشر إلى المسرح والسينما. فقد اقتُبس في عمل مسرحي أداه الفنان الفلسطيني غسان عباس بالعربية والعبرية، ثم ظهرت له اقتباسات مسرحية في بلدان أخرى. وفي بلجيكا قدم Théâtre de Poche في بروكسل عملاً مسرحياً بالفرنسية مقتبساً من الكتاب، من إخراج المخرج البلجيكي Denis Laujol وأداء الفنانة البلجيكية Deborah Rouach.

كما تحولت سيرة أبو العيش وكتابه إلى الفيلم الوثائقي I Shall Not Hate، للمخرجة Tal Barda، وهو إنتاج كندي-فرنسي صدر عام 2024، ويتتبع مسيرته من مخيم جباليا إلى حياته الأكاديمية في كندا ونشاطه من أجل السلام والعدالة، وعُرض في مهرجانات وقاعات سينمائية دولية. 

وأسس أبو العيش في كندا مؤسسة «بنات من أجل الحياة» (Daughters for Life) تخليداً لذكرى بناته، وجعل من التعليم محوراً لعملها. وتعمل المؤسسة على توفير فرص التعليم والمنح للشابات من الشرق الأوسط، بصرف النظر عن الجنسية أو الانتماء، من خلال شراكات مع مؤسسات وجامعات في كندا وخارجها. 

وامتد نشاط المؤسسة إلى بلجيكا وأوروبا، حيث تطورت منذ عام 2017 علاقة تعاون بينها وبين بلدية سان جوس تن نود في بروكسل، وتبلورت عام 2019 فكرة إنشاء مقر للمؤسسة في بلجيكا. واستضافت البلدية لاحقاً نشاطات للمؤسسة، بينها حفل في أكتوبر 2024 بحضور أبو العيش لتكريم خريجات استفدن من برامجها التعليمية. 

وبفضل هذه المسيرة الطبية والأكاديمية والإنسانية، بنى أبو العيش شبكة واسعة من العلاقات في كندا وأوروبا، ومنها بلجيكا، وأصبح شخصية معروفة في الأوساط الجامعية والإنسانية والداعية إلى السلام. ومن هذه الخلفية تحديداً يأتي تدخله في قضية الطلبة الفلسطينيين الثلاثة عشر، وبينهم ثلاث طالبات تدعمهن مؤسسة «بنات من أجل الحياة».

«بلجيكا أمام لحظة اختبار»

يستهل أبو العيش مقاله بالقول إنه لا يكتب عن أرقام أو عناوين صحفية، وإنما بصفته إنساناً وطبيباً وأستاذاً جامعياً وباحثاً في الصحة العامة، أمضى جزءاً كبيراً من حياته في دراسة الطريقة التي ينتشر بها اليأس والخوف والكراهية داخل المجتمعات، كما ينتشر المرض، فتترك الأجيال التالية أكثر هشاشة.

ويرى أن هناك لحظات في التاريخ لا يُسأل فيها بلد عما يؤمن به فحسب، وإنما عما هو مستعد للقيام به دفاعاً عن تلك القيم، وأن بلجيكا تواجه اليوم إحدى هذه اللحظات.

فثلاثة عشر طالباً فلسطينياً من غزة قُبلوا في جامعات بلجيكية للعام الأكاديمي الجديد، بينهم ثلاث شابات تدعمهن مؤسسة «بنات من أجل الحياة». وقد حصل هؤلاء الطلبة على أماكنهم بفضل نتائجهم الدراسية وتفوقهم وإصرارهم، والجامعات والأساتذة ينتظرون وصولهم، لكن قبولهم الجامعي يصطدم بواقع الحدود المغلقة وصعوبة الخروج من غزة.

ويشير إلى أنهم عاشوا النزوح والجوع والفقدان وانهيار الظروف الطبيعية للحياة، ومع ذلك واصلوا الدراسة واجتازوا امتحاناتهم. وهذا، بالنسبة إليه، لا يعكس الموهبة فقط، وإنما رفضاً لأن يكون الدمار هو الذي يكتب الفصل الأخير من حياة هؤلاء الشباب.

التعليم بدلاً من الدمار

ويشدد أبو العيش على أن وراء رقم «13» ثلاثة عشر إنساناً، لكل منهم اسم وأسرة وأحلام وطموحات. يريدون أن يصبحوا أطباء وباحثين ومهندسين ومدرسين وعلماء ومتخصصين في الصحة.

لقد اختاروا، كما يقول، التعليم وسط الدمار. ولذلك فإن مساعدتهم ليست عملاً خيرياً، بل استثمار في المستقبل. فهم لا يغادرون فلسطين للتخلي عنها، وإنما للحصول على المعرفة التي تمكنهم مستقبلاً من المشاركة في إعادة بنائها.

ومن هنا يناشد بلجيكا تسهيل خروجهم الآمن من غزة ووصولهم إلى جامعاتها، معتبراً أن القضية بالنسبة إليه ليست موقفاً سياسياً بقدر ما هي واجب إنساني يتمثل في حماية حق شاب في أن تكون له فرصة للمستقبل.

فالتعليم، كما يكتب، ليس مكافأة تمنح للأكثر حظاً، وإنما هو «الأكسجين» بالنسبة إلى مجتمع يحاول استعادة قدرته على الحياة. وكل طبيب أو مهندس أو مدرس يحرم من فرصة التكوين يمثل جزءاً من مستقبل غزة الذي يمكن أن يضيع.

«إنهم سيعودون إلى غزة»

ويحرص أبو العيش على توضيح نقطة أساسية في الجدل البلجيكي: الدعوة لا تتعلق بتهجير سكان غزة أو إخراج هؤلاء الشباب بصورة دائمة، وإنما بثلاثة عشر طالباً معروفين ومقبولين بالفعل في جامعات بلجيكية.

ويشير إلى أن المستفيدات من منح مؤسسة «بنات من أجل الحياة»، وكذلك الطلبة الآخرين المعنيين، ملتزمون بالعودة إلى بلادهم بعد انتهاء دراستهم. فهم لا يغادرون غزة للهروب منها، بل لكي يعودوا حاملين شهاداتهم ومعارفهم وخبراتهم ويساهموا في إعادة بنائها.

وبالتالي، فإن بلجيكا لن تكون قد أخذت ثلاثة عشر طالباً من فلسطين، وإنما ساهمت في تكوين أطباء ومهندسين وباحثين ومتخصصين سيعودون إلى أرض تعرضت للدمار ومعهم أدوات تساعد في علاج جراحها. ويرى أبو العيش أن ذلك ليس عملاً خيرياً، وإنما استثمار في السلام نفسه.

التأشيرة باعتبارها رسالة أمل

ويربط أبو العيش القضية بمجال أبحاثه، موضحاً أنه أمضى سنوات في الدفاع عن فكرة أن الكراهية والعنف يمكن أن ينتشرا في المجتمعات مثل المرض، فيضعفان النسيج الاجتماعي ويجعلان الأجيال التالية أكثر عرضة لموجات جديدة من اليأس.

لكنه يؤكد أنه شاهد أيضاً الظاهرة المعاكسة: إمكانية بناء الأمل تدريجياً من خلال أعمال التضامن.

ومن هذا المنطلق، فإن منح تأشيرة بلجيكية لطالب من غزة يتجاوز مجرد وثيقة سفر. فهو رسالة إلى شاب أو شابة فقدا تقريباً كل شيء بأن العالم لا يزال يرى فيهما مستقبلاً، وليس مجرد رقم جديد في حصيلة الضحايا.

نداء مباشر إلى الحكومة البلجيكية

وفي الجزء الأخير من المقال، يوجه أبو العيش طلباً مباشراً إلى الحكومة البلجيكية، داعياً إلى إصدار التأشيرات وفق إجراءات سريعة، وتأمين ممر آمن بالتنسيق مع الشركاء الأوروبيين، واعتماد المرونة الإنسانية التي تفرضها الظروف الاستثنائية في غزة.

فالجامعات، كما يقول، فتحت أبوابها بالفعل، ويبقى على الدولة أن تجعل وصول الطلبة إليها ممكناً.

كما يناشد المجتمع المدني البلجيكي رفع صوته والتواصل مع ممثليه السياسيين، مؤكداً أن قبولاً جامعياً ومنحة دراسية ووعداً بالتعليم ينبغي أن تكون لها قيمة فعلية؛ فعندما تقول جامعة بلجيكية لشاب فلسطيني إن لديها مكاناً له، يجب ألا يتوقف هذا الوعد عند الحدود.

ويختم أبو العيش بالتأكيد أن هؤلاء الشباب لا يطلبون من بلجيكا اتخاذ موقف سياسي في الصراع، وإنما اختيار التعليم بدلاً من اليأس، والإنسانية بدلاً من اللامبالاة، والأمل بدلاً من الاستسلام. فهم لا يريدون مغادرة غزة للتخلي عنها، وإنما للدراسة ثم العودة والمساهمة في إعادة بنائها.

ويلخص نداءه إلى بلجيكا في كلمات مباشرة:

«امنحوهم الأمل بأنهم ليسوا وحدهم. دعوهم يدرسون. دعوهم يعودون. دعوهم يعيدون البناء.»