مجتمع وحوداث

الرجل الذي باع ظله

محمد بنداحة
في سوقٍ لا يعرف أحدٌ متى افتُتح ولا متى يُغلق، وقف رجلٌ يبحث عن ظلّه. استيقظ صباحاً فلم يجده ممدوداً أمامه على الأرض، ولا ملتصقاً بقدميه كطفلٍ خجول. بحث تحت السرير، بين الكتب، في زوايا الغرفة المظلمة، فلم يجد إلا غباراً يشبه ملامح وجهه القديم. عندها أدرك أن ظلّه ليس ضائعاً، بل مرغوباً من أحد، أو ربّما مباعاً بثمنٍ لم يعرفه بعد.

دخل السوق. كان الهواء ثقيلاً برائحة الحبر والحديد والعرق. في الزاوية الأولى، جلست امرأةٌ تبيع ضحكاتها في قوارير زجاجية. قالت له: "اشترِ واحدة، فقد صار ثقلها أكثر من طاقتي." سألها عن ظلّه، فأشارت نحو العمق وقالت: "كل من فقد شيئاً هنا، وجده في مكان ما... أو باعه في مكان آخر."

مشى. رأى رجلاً يبيع ذاكرته ورقةً ورقة. كل ورقة تحمل اسماً وتاريخاً ومكاناً. سأله: "هل رأيت ظلاً يمرّ من هنا؟" قال الرجل: "الظلال لا تمرّ يا صاحبي، الظلال تُشترى. ومن يشتري ظلّك، يشتري حقيقتك كلها."

في الطرف الآخر من السوق، جلس شاب يبيع أسماءه. كان قد نسي اسمه الأول، فصار يخترع أسماءً جديدة كل يوم. سأله الرجل: "لماذا تبيع اسمك؟" قال الشاب: "لأن اسمي القديم كان يثقلني. كلما نادتني أمي به، تذكرتُ أنني كنت شيئاً آخر، شيئاً لم أعد أريده."

ثم مرّ بشابٍة تبيع وطنيتها. لم تكن شيئاً ملموساً، بل شيئاً في صدرها، تبيعه بالقطعة. قالت له الشابة: "اشترِ، فقد صارت ثقيلة. الوطن الذي في صدري لم يعد يحتملني، وأنا لم أعد أحتمله." سأله الرجل: "وكيف تبيعين شيئاً لا يُرى؟" قالت الشابة: "كما يبيع الناس كرامتهم، وكما تبيع النساء ضحكاتهن، وكما تبيع أنت نفسك منذ سنوات دون أن تدري."

ارتجف الرجل. لم يفهم كيف عرفت الشابة أنه أيضاً باع نفسه، لكنه أدرك أن السوق لا يدخله أحد إلا وهو يحمل في جيبه شيئاً قد تخلى عنه. سأل الشابة: "ومن يشتري الوطنية؟" قالت: "الذين لا يملكونها. يشترونها ليتباهوا بها في المجالس، ثم يرمونها في أول طريق."

تقدم الرجل نحو منصة خشبية في وسط السوق. فوقها رجلٌ عجوز يمسك بميزان لا يعرف أحد من أي شيء صُنع. سأله: "أنا أبحث عن ظلّي." نظر العجوز في عينيه طويلاً، ثم ابتسم ابتسامةً فيها شيء من الشفقة أو الاعتراف، وقال: "أنت لا تبحث عن ظلّك. أنت تبحث عنك."

صمت الرجل. أخرج العجوز من تحت المنصة مرآةً مغطاةً بقماش أسود. قال: "هذه مرآة السوق. انظر فيها." رفع الغطاء. رأى الرجل وجهاً يشبهه، لكنه كان أكبر، أكثر تعباً، وفي عينيه فراغٌ لم يملأه شيء. قال العجوز: "ظلّك ليس شيئاً ضاع. ظلّك هو ما كنت عليه، وما تخليت عنه. أنت بعت ظلّك منذ سنوات. بعته حين بعت حقيقتك. واليوم، السوق يحتفظ به عند من اشتراه."

سأل الرجل بصوت مرتجف: "ومن اشتراه؟"

قال العجوز: "أنت."

خرج الرجل من السوق عند الفجر. كان الهواء بارداً، وكان ظلّه، للمرة الأولى منذ سنوات، ممدوداً أمامه. لكنه لم يكن ظلّه القديم، بل ظلّاً جديداً، صنعه من وعيه بأنه كان يبيع نفسه. مشى، والظل يسير أمامه، لا خلفه. وكأنه، أخيراً، يقود نفسه، لا يُقاد.

لكن السوق لا يترك من دخل إليه يخرج سالماً. عند بوابة الخروج، وقف حارسٌ طويل، بلا ملامح، بلا عينين. مدّ يده وقال بصوتٍ يشبه صوت الريح حين تعبر المقابر: "ثمن الخروج."

قال الرجل: "لقد استعدت ظلّي، ولم آخذ شيئاً."

قال الحارس: "أنت أخذت نفسك. وهذا أغلى ما في السوق. من يأخذ نفسه، عليه أن يدفع."

مدّ الرجل يده ليدفع، فلم يجد في جيبه إلا ورقةً صغيرة. كان قد اشترى بها ضحكةً من المرأة في الزاوية الأولى، قبل أن يعرف الحقيقة. نظر إلى الورقة، فوجد مكتوباً عليها اسمه القديم، الذي كان قد نسيه هو أيضاً.

قال الحارس: "ادفع الورقة، أو ادفع ظلّك."

سكت الرجل. نظر إلى الظل الجديد الذي يسير أمامه. كان جميلاً، كان حقيقياً، كان أول شيء يملكه منذ سنوات. ثم نظر إلى الورقة في يده، إلى اسمه القديم، إلى الطفل الذي كانه قبل أن يبيع نفسه، ثم فعل ما يفعله كل من دخل السوق قبله.

سلّم الورقة.

قال الحارس: "اذهب. لكن اعلم أنك خرجت بجسدك، لا بظلك. الظلّ الجديد كان وهماً صنعه السوق ليريك ما كنت ستكون عليه لو لم تبع. أما أنت، فقد بعت مرتين: مرة حين بعت حقيقتك، ومرة حين ظننت أنك استعدتها."

مشى الرجل. كان الظل يسير خلفه هذه المرة، لا أمامه. كان يسير خلفه ككلبٍ عجوز، يتعب كلما تعب، ويتوقف كلما توقف. وعند أول منعطف، اختفى.

وقف الرجل وحده في ضوء الفجر. لا ظلّ له، لا اسم، لا حقيقة. في تلك اللحظة، تذكر جملة العجوز: "الظلال لا تمرّ، الظلال تُشترى."، وأدرك أن من يبيع شيئاً من نفسه، يبيع ظلّه، ثم يبقى وحده، في ضوء لا ينتمي إليه، في مدينة لا تعرفه، في وطنٍ صار غريباً عنه.

وأقصر الطرق إلى الذات ليست تلك التي نبحث فيها عن الأشياء المفقودة، بل تلك التي نتوقف فيها عن بيعها. ومن لم يتوقف، فلا هو وجد نفسه، ولا هو استعاد ظلّه، ولا هو ربح شيئاً من الدنيا سوى خيط دخان.