صحة وعلوم

الإجهاض في المغرب.. خلف اعتقال طبيب، نقاش لم يعد من الممكن تفاديه

أنور الشرقاوي (طبيب وخبير في التواصل الطبي والإعلام الصحي)
يوم الجمعة 4 شتنبر 2026، بالرباط، تم توقيف طبيب ومساعدته في حالة تلبس، بينما كانا يقومان، حسب ما أوردته وسائل الإعلام، بعمليات لإنهاء الحمل " إجهاض" لفائدة ثلاث نساء داخل عيادة طبية.


من الناحية القانونية، تبدو الأمور واضحة .

أما من الناحية الإنسانية والطبية، فهي أكثر تعقيداً بكثير .


فالتشريع المغربي يمنع الإجهاض خارج الحالات التي يحددها القانون الجنائي.


وكون التدخل يُجرى على يد طبيب، داخل بيئة طبية، وفي ظروف صحية مناسبة، وبموافقة المرأة، لا يكفي لجعل هذا الفعل قانونياً.


فموافقة المرأة المقبلة على الإجهاض، بمفردها، لا تشكل ترخيصاً قانونياً لإجراء الإجهاض.


ومع ذلك، ينص القانون الجنائي على استثناء عندما يكون إنهاء الحمل ضرورياً للحفاظ على صحة الأم، ويتم وفق الشروط التي يحددها القانون.


هذا هو الجانب القانوني.


لكن ماذا تكشف لنا هذه القضية عن واقع الإجهاض في المغرب سنة 2026 ؟


خلف الملف القضائي... ثلاث نساء

حسب المعطيات التي نشرتها وسائل الإعلام، كانت ثلاث نساء داخل عيادة الطبيب، وقد طلبن، بإرادتهن، إنهاء حملهن.

نحن لا نعرف قصصهن الشخصية، ولا ظروفهن العائلية، ولا الأسباب الدقيقة التي دفعتهن إلى اتخاذ هذا القرار. 

ولذلك سيكون من غير الحكمة أن ننسب إليهن دوافع محددة.


لكن هناك حقيقة تستحق التذكير:

فالمرأة التي تقرر إنهاء حملها لا تفعل ذلك بالضرورة بدافع نزوة عابرة أو قرار مفاجئ.


فالأسباب قد تكون متعددة: ضائقة اقتصادية، حمل غير مرغوب فيه، عدم القدرة على تحمل أعباء طفل إضافي، صعوبات أسرية أو زوجية، مشكلة صحية، أو حمل ناتج عن عنف جنسي.


ولنتصور، على سبيل الافتراض، امرأة تعرضت للاغتصاب، ثم اكتشفت بعد أسابيع أنها حامل.

فهل ينبغي أن تُفرض عليها، بعد الصدمة النفسية التي خلفها الاغتصاب، مواصلة حمل لم تختره؟

إنه سؤال مؤلم.

لكنه يكشف، قبل كل شيء، أن الواقع الإنساني قد يكون أحياناً أكثر تعقيداً بكثير من التصنيفات القانونية.


مفارقة الطبيب


هنا تحديداً تبرز المفارقة.

فالطبيب الذي يجري عملية إجهاض خارج الإطار القانوني يرتكب فعلاً يعاقب عليه القانون، وبالتالي فإن توقيفه والمتابعة القضائية المحتملة في حقه تندرج ضمن تطبيق القانون.


لكن الطبيب نفسه هو أيضاً مهني في مجال الصحة، تلقى تكويناً يمكنه من الوقاية من المضاعفات، وتقييم المخاطر، وتقديم الرعاية في ظروف طبية ملائمة.


ومن هنا يبرز سؤال يستحق أن يُطرح من زاوية الصحة العامة:

عندما تقرر امرأة، رغم المنع القانوني، إنهاء حملها، هل الأفضل أن تلجأ إلى مهني صحي يعرف المخاطر الطبية المرتبطة بهذا التدخل، أم أن تُدفع نحو ممارسات سرية قد تكون خطيرة؟


هذا السؤال لا يعني، بطبيعة الحال، أن للطبيب الحق في تجاوز القانون.


بل يعني ببساطة أن المنع القانوني لا يؤدي بالضرورة إلى اختفاء الواقع الاجتماعي.


وعندما يكون هذا الواقع قائماً، يتعين على الصحة العامة أيضاً أن تتساءل عن المخاطر التي قد تتعرض لها النساء.

فإنهاء الحمل " الإجهاض" ليس إجراءً طبياً عادياً أو بسيطاً.


وعندما يكون مسموحاً به قانوناً، فإنه يتطلب تقييماً طبياً دقيقاً، وظروفاً تقنية ملائمة، ومتابعة طبية مناسبة.


المنع لا يكفي دائماً لاختفاء الواقع


عندما تعيش امرأة حملها باعتباره وضعاً يستحيل عليها الاستمرار فيه، فإنها قد تبحث عن حل، سواء كان هذا الحل قانونياً أم سرياً وغبر قانوني.


ويظهر الخطر عندما تقود السرية إلى ممارسات يجريها أشخاص غير مؤهلين، أو إلى استعمال غير مراقب للأدوية، أو إلى أساليب تقليدية قد تتسبب في مضاعفات صحية خطيرة.


وهنا يتحول الأمر إلى قضية صحة عامة.

كيف نقي؟

كيف نحمي؟

كيف نواكب ونرافق؟


لهذا السبب، لا ينبغي أن يختزل النقاش حول الإجهاض في مجرد مواجهة بين معسكرين: «مع» أو «ضد».


فيمكن للمرء أن يدافع عن حماية الحياة، وفي الوقت نفسه يرى أن المرأة التي تواجه وضعاً مأساوياً لا ينبغي أن تكون عرضة لمخاطر صحية يمكن تفاديها.


ويمكن احترام القانون، مع التساؤل في الوقت نفسه عن مدى ملاءمته لبعض الحالات الإنسانية المعقدة.


كما يمكن اعتبار الإجهاض ممارسة لا ينبغي أن تتحول إلى فعل عادي أو روتيني، مع الاعتراف في المقابل بأن بعض الظروف الاستثنائية قد تستدعي استجابة طبية وإنسانية وقانونية خاصة.


المغرب سبق أن فتح هذا النقاش


المغرب ليس غريباً عن هذا النقاش.

ففي سنة 2015، انطلق نقاش وطني حول إشكالية الإجهاض، قدم خلاله المجلس الوطني لحقوق الإنسان مقترحات تتعلق ببعض الحالات، من بينها حالات الحمل الناتج عن الاغتصاب أو زنا المحارم، والحالات التي يشكل فيها الحمل خطراً على صحة الأم، إضافة إلى بعض التشوهات الخطيرة أو الأمراض المستعصية التي تصيب الجنين.


وبعد أكثر من عقد من الزمن، تأتي قضية الرباط ( شتنبر 2026) لتذكر بأن هذا الموضوع لا يزال مطروحاً.


وماذا بعد؟


لذلك، لا ينبغي النظر إلى توقيف هذا الطبيب باعتباره مجرد واقعة قضائية عابرة.

بل ينبغي أن تكون القضية مناسبة لطرح سؤال مجتمعي أوسع:

هل يستجيب الإطار القانوني المغربي بما يكفي لجميع الحالات الإنسانية والطبية التي يمكن أن تواجهها النساء والأطباء في المغرب؟


إذا كانت الإجابة نعم، فينبغي تعزيز الوقاية من حالات الحمل غير المرغوب فيه، وتيسير الوصول إلى وسائل منع الحمل، وتقوية التوعية.


أما إذا كانت هناك حالات لا تزال غير مأخوذة بالقدر الكافي بعين الاعتبار، فينبغي امتلاك الشجاعة لفتح النقاش بشأنها.


لكن هذا النقاش يجب أن يتم في إطار احترام القانون المغربي، والدستور، وقيم المجتمع المغربي، والمرجعية الدينية للمملكة، وأخلاقيات الممارسة الطبية، ومتطلبات الطب الحديث.


ولا يتعلق الأمر بمطالبة الطبيب بأن يحل محل المشرّع.


كما لا يتعلق الأمر بالقول إن الإجهاض يصبح قانونياً لمجرد أنه أُجري من طرف مهني في مجال الصحة.


إن الأمر يتعلق، ببساطة، بالنظر إلى الواقع كما هو: هناك حالات إنسانية قائمة، حتى 3وإن كان القانون يمنع بعض الممارسات المرتبطة بها.


وعندما يلتقي هذا الواقع بالممارسة الطبية، فإن الصمت لم يعد كافياً.


فقضية الرباط في شتنبر 2026 تطرح في نهاية المطاف سؤالاً يتجاوز بكثير المصير القضائي لهذا الطبيب:

هل نحن مستعدون لإعادة فتح نقاش هادئ ومسؤول حول الإجهاض في المغرب، يجمع بين القانون والطب والأخلاق والدين والواقع الاجتماعي؟


لا ينبغي أن تكون الإجابة من اختصاص الطبيب وحده، ولا القاضي وحده، ولا المشرّع وحده.


إنها قضية تستحق نقاشاً مجتمعياً حقيقياً.