في بلجيكا، حيث تشكل البيرة، إلى جانب الشوكولاتة والبطاطا المقلية وطبق بلح البحر، أحد مكونات الصورة الثقافية والهوية الناعمة للبلاد، تتمتع صناعة البيرة بتاريخ طويل وتنوع كبير، وقد أدرجت اليونسكو عام 2016 «ثقافة البيرة البلجيكية» ضمن التراث الثقافي غير المادي للإنسانية، فيما تحتضن بروكسل متاحف ومساحات مخصصة لهذا التراث.
لكن كلمة واحدة، هي «الإفراط»، أصبحت اليوم محور جدل سياسي واقتصادي وصحي في بلجيكا. فبحسب ما أوردته صحيفة «لوموند» الفرنسية في عددها الصادر في 2 سبتمبر 2026، قررت الحكومة البلجيكية تعديل التحذير الموجود على إعلانات المشروبات الكحولية من «الإفراط في تناول الكحول مضر بالصحة» إلى العبارة الأكثر مباشرة: «الكحول مضر بالصحة».
وتوضح الصحيفة أن حذف كلمة «الإفراط» أثار اعتراضاً قوياً لدى اتحاد صانعي البيرة وقطاعي الفنادق والمطاعم، الذين يعتبرون أن الصيغة الجديدة لم تعد تميز بين الإفراط في الشرب والاستهلاك المعتدل والمسؤول، وأنها تضع قطاعاً اقتصادياً وثقافياً كاملاً في موضع الاتهام.
ومن جهتها، تنقل مراسلة «لوموند» في بروكسل، أليكس لو بوردون، موقف الحكومة التي تبرر القرار باعتبارات الصحة العامة، مشيرة إلى ارتباط الكحول بمخاطر الإصابة ببعض أنواع السرطان والإدمان وآثاره الاجتماعية والعائلية. وتشمل الخطة كذلك فرض قيود على إعلانات الكحول في وسائل الإعلام التي يشكل القاصرون نسبة مهمة من جمهورها، ومنع توزيع المشروبات الكحولية مجاناً.
ويكشف تقرير الجريدة أن الجدل وصل أيضاً إلى داخل الائتلاف الحاكم نفسه، إذ وقف بعض نواب الأغلبية إلى جانب صانعي البيرة، محذرين مما يعتبرونه سياسة صحية تتدخل أكثر من اللازم في الخيارات الفردية، ومدافعين في الوقت ذاته عن المكانة الثقافية والاقتصادية للبيرة في المجتمع البلجيكي.
أما على الصعيد الاقتصادي، فتورد الصحيفة، استناداً إلى أرقام اتحاد صانعي البيرة، أن القطاع يوفر نحو 7 آلاف وظيفة مباشرة ويمثل قرابة 1% من الناتج المحلي الإجمالي، في وقت تراجع فيه استهلاك البيرة بنسبة 3.2% عام 2025.
وفي مقابل هذه الاعتبارات الاقتصادية والثقافية، يشير المقال إلى أن الكحول يرتبط بنحو 10 آلاف وفاة سنوياً في بلجيكا، ليكون ثاني أبرز أسباب الوفاة التي يمكن الوقاية منها بعد التبغ. كما تنقل مراسلة الجريدة عن طبيب الإدمان توماس أوربان أن نحو 80% من مبيعات الكحول تتركز لدى 20% من المستهلكين، في سياق دفاعه عن ضرورة التعامل مع المسألة باعتبارها قضية صحة عامة.






