يمر المشهد السياسي المغربي بمرحلة استثنائية بسبب مجموعة من التطورات التي تعرفها الساحة الوطنية، وبموازاة كذلك مع إكراهات إقليمية ودولية. حيث يطرح السؤال المركزي نفسه، فيما إذا كان المغرب سيجتاز المرحلة الحالية بكل تحدياتها الداخلية والخارجية، محققا نجاحا في كل القطاعات بسرعة موحدة، أم أنه سيظل يركض بقدم عرجاء، مسجلا تقدما هنا وإخفاقا هناك؟
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقرر إجراءها في 23 شتنبر المقبل، وبالتازامن مع صعود مشاكل مزمنة على السطح، مثل الهجرة والبطالة وغلاء الأسعار والتذمر من مستوى الخدمات الاجتماعية. تتوجه الأنظار إلى الأحزاب السياسية، بصفتها حاملة مفاتيح الأقفال، كل حزب يتحدى الآخر على حلبة السباق ببرامج انتخابية تتعهد للمواطن المغربي بحياة كريمة ومستقبل زاهر.
على أرض الواقع يتابع الرأي العام تصريحات وتسريبات قياديين حزبيين بامتعاض كبير، بسبب ما تتركه من انطباعات سيئة عن العمل السياسي وعن النوايا الحقيقية للمترشحين للانتخابات المقبلة. فهل سيكون موعد 23 شتنبر المقبل منعطفا جديدا في المشهد السياسي، أم أنه سيكون تاريخا للخروج من قاعة الامتحان والدخول فورا إلى قاعة الإنعاش؟
لا حياة سياسية دون أحزاب سياسية
ثمة أمر أساسي يجب التأكيد عليه، وهو أنه لا يمكن أن يكون المغرب بلدا ديموقراطيا، وتكون له حياة سياسية نشطة دون وجود أحزاب سياسية. فالأحزاب لها دورها الأساسي في تمثيل شرائح المجتمع على اختلاف توجهاتها وتطلعاتها. لكن يبقى السؤال المطروح هو أي نوع من الأحزاب يحتاجها المجتمع المغربي لتكون مرآته الحقيقية، ويكون مناضلوها ممثلين حقيقيين للجماهير الشعبية، وفي الوقت نفسه يكونون بمستوى التحديات التي تواجهها البلاد وهي كثيرة ومتعددة؟
لا غرابة في شعور الأحزاب السياسية المغربية بأنها تخوض اليوم غمار الحملة الانتخابية بنسبة ضعيفة من المتابعين، ولا عجب في أن عزوف الشباب عن الانخراط فيها يشكل أحد مؤشرات الخطر الظاهرة على لوحات القيادة في مكاتبها السياسية، ولعل نسب المشاركة تؤكد هذه الحقيقة المرة في كل المحطات الانتخابية.
لكن في هذه المرة يبدو الأمر أكثر خطورة بسبب مستجدات وطنية تتزامن مع تطورات إقليمية ودولية متصلة بالمغرب، بعضها بشكل مباشر والبعض الآخر بشكل غير مباشر، مشكلة مناخا جيوسياسيا لا يسمح للمغرب بأن يعيش حالة التناقض الصارخ، وهي حالة قد تدفع الذين يوجدون في أسفل السفينة إلى إحداث ثقب فيها فيغرقون الجميع.
فرصة أخيرة للأحزاب السياسية
بما أن الأحزاب السياسية ضرورية للحياة السياسية، ودورها أساسي في السلطة كما في المعارضة. فمن الأجدر بها أن تكون بمستوى هذه الضرورة، وتعمل لتكون قاطرة على سكة النمو بدل أن تكون مقطورة على سكة المصالح الفئوية والحسابات الشخصية، يقودها انتهازيون ونرجيسيون ومتطفلون.
بكل أسف تكرست هذه الصورة لدى الرأي العام المغربي، وتزداد رسوخا خلال الحملات الانتخابية إما في شكل تصريحات مستفزة أو من خلال تسريبات كارثية لقياديين حزبيين. على سبيل المثال لا الحصر، ما يروج حاليا في مواقع التواصل الاجتماعي عن قيادي بارز في حزب التجمع الوطني للأحرار ضد إطار في الأصالة والمعاصرة، وهما حليفان لخمس سنوات في الحكومة الحالية، يتهمه بسرقة مناضلي حزبه ويقسم بأغلض الأيمان أن يتم حرمانه من.حقيبة وزارة المالية.
وفي حالة حزب آخر (الاتحاد الاشتراكي)، تتهم مناضلة من داخل الحزب قيادتها بالاتجار في التزكيات بمبالغ تجاوزت المليون درهم للتزكية الواحدة. وفي الحركة الشعبية يتذمر مناضلون قدامى بالاستغناء عنهم مقابل استقدام وافدين أكثر نفودا بغض النظر عن ماضيهم وسمعتهم.
عندما يكون الاستعداد للاقتراعات المقبلة بهذا الشكل، ويجري حبك السيناريوهات بهذه الطريقة، يتأكد عمق الحفرة التي يقبع فيها العمل الحزبي. ويتضح أن ما بعد 23 شتنبر 2026 سيظل مثل ما قبله. بينما التحدي الذي يمر به المغرب لا يترك خيارا للأحزاب السياسية بأن تتحمل مسؤوليتها، وأن هذه فرصتها الأخيرة لطي كتاب السلبيات في حياتها وتمزيقه إلى الأبد.
عملية التنظيف الداخلي
لا تكون الفرصة ممكنة إلا مع إرادة حقيقية بإحداث تغيير حقيقي يشمل التصورات، وطرق العمل والتواصل، والأشخاص وخلفياتهم. لكن يبدو أن الأحزاب السياسية المغربية تخوض الانتخابات التشريعية المقبلة بالتصور الكلاسيكي المعتاد، وبالطريقة القديمة نفسها، وبالوجوه ذاتها.
في مجمل الخراجات التي تنفذها الأحزاب السياسية للتواصل مع الرأي العام، لا يوجد ما يؤكد أنها قامت بعملية تحيين لأفكارها وطريقة عملها، فمعظم ما يصدر عنها يبقى مجرد وعود تم تحريرها بأساليب تعبيرية تفتقد إلى الجاذبية ولا تحمل مؤشرات عن المصداقية ولا عن الكفاءة.
سواء تعلق الأمر بالأحزاب التي كانت في الحكومة خلال الولاية الحالية (التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة، الاستقلال) أو الأحزاب التي كانت في المعارضة وفي مقدمتها الاتحاد الاشتراكي والعدالة والتنمية والحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية والاتحاد الدستوري، لم تقم بأي عملية تنظيف داخلي، رغم أن حملات قضائية طالت العشرات من منتسبي بعض الأحزاب، وصدرت في حقهم أحكام تؤكد تورطهم في الفساد والعمل الإجرامي.
لم تقم الأحزاب أو على الأقل بعضها أو أحدا منها بما يجعل الرأي العام يشعر بأن الحزب الفلاني أجرى عملية تطهير في صفوفه الداخلية، بدافع الإصلاح والتطوير واستقطاب الكفاءات وإتاحة الفرصة للشباب وإتخاذ المواقف والقرارات التي تكون في صالح الطبقات الشعبية.
لقد لعبت حالة الاستقرار المميت داخل الأحزاب دورا سلبيا في مسيراتها، وجعلت من قاعدة "الحالة على ما هي عليه"، حقنة تخذير في الجسم السياسي المغربي.
استثناءات مفاجئة تقلب الحسابات
ظل المشهد الحزبي المغربي مستقرا في ليل طويل هادئ، حتى سقط حجر نيزكي في 12 يناير 2026 في بركة حزب التجمع الوطني للأحرار، وأعلن عزيز أخنوش أنه لن يقود الحزب في الانتخابات المقبلة، تاركا شخصا يدعى محمد شوكي خلف المقود.
لم يكن الأمر يحتاج إلى تحليل سياسي ليعرف الرأي العام ماذا يجري، فالحزب الذي قضى 5 سنوات يقود الحكومة، وأكثر من ثلاثة عقد في السلطة دون أن يشغل مقاعد في المعارضة، لم يعد ورقة قابلة لامتصاص سخط الشارع، بغض النظر عن إخفاقاته أو إنجازاته إن كانت له إنجازات.
في 25 يوليوز 2026، سقط حجر نيزكي آخر في بركة حزب الأصالة والمعاصرة، ففي تجمع مثير أعلنت القيادية فاطمة الزهراء المنصوري، التحاق فوزي القجع بالحزب مبدية ترحابها به، لكن حركات جسدها كانت تقول شيئا آخر.
أحدث التحاق القجع ب"البام" ما يشبه الزلزال الداخلي، وبسبب خلفيته جعل الكثيرين من داخل الحزب يتحسسون رقابهم، خاصة الجالسون في المقاعد القيادية.
من جهة أخرى، التقط "منادلون" في أحزاب أخرى الإشارة حسب فهمهم بأن لقجع صار "الحصان" المرشح لكسب السباق والتحقوا بالمئات بحزب الجرار يجرون خلفهم تاريخا طويلا من الترحال بحثا عن الماء والكلاء.
تغيير محرك "البام" وتعديل هيكله
يظهر أن ما حدث في حزبي "الحمامة" و"الجرار"، يمهد لرسم خارطة انتخابية يظل الأمل فيها إعطاء المشهد السياسي بعض البريق، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن معظم الأحزاب السياسية المتصدرة لنتائج الانتخابات خلال العقود الثلاث الماضية جربت قيادة الحكومة باستثناء حزب الأصالة والمعاصرة.
لكن الحزب في شكله الراهن وبتركيبته الحالية لا يختلف عن غيره من الأحزاب الأخرى، خصوصا عن غريمه التجمع الوطني للأحرار. وشعبيته مرتبطة بأسماء أشخاص تناوبوا على قيادته لم يتركوا انطباعات جيدة حتى أن بعضهم لم يعد يذكر الرأي العام اسمه.
لذلك يبدو أن الجرار دخل فعلا إلى مرآب الإصلاح، وأن عمليات التعديل بدأت بقدوم فوزي لقجع، وأن ثمة تغيير للمحرك قيد الدرس مع بعض التعديل في الهيكل. فيما يبدو تحويل الجرار إلى جرافة أو ما شابه ذلك.
يحتاج المشهد السياسي المغربي إلى الدبنامية حتى يجذب المواطنين، لكن عملية الجذب تلك لا تتم بالطرق الفاشلة التي تم تجريبها من قبل، ولا بواسطة الاشخاص اتفسهم الذين تسببوا في نفور المواطن من الحياة السياسية، معرضين ملايين الشباب إلى اللامبالاة.
قد تكون هذه فرصة حقيقية لطي صفحة من الماضي الذي تميز بالعبثية والشعبوية ومنح الفرصة للمتسلقين والمتملقين وأصحاب المصالح الشخصية على حساب مصلحة الوطن والمواطن.
خطوات لا بد منها
إن إنقاذ الحياة الحزبية المغربية لا يمر عبر تغيير الوجوه فقط، بل عبر إعادة بناء الثقة بين الأحزاب والمواطن. ويبدأ ذلك بتنظيف داخلي حقيقي يقطع مع منطق الولاءات والمصالح الشخصية، ويفتح المجال أمام الشباب والكفاءات، ويجعل التزكية والاختيار الحزبي أكثر شفافية، مع ربط المسؤولية السياسية بالمحاسبة. كما تحتاج الأحزاب إلى مراجعة خطابها وأدوات تواصلها، والانتقال من الوعود الانتخابية العامة إلى برامج واقعية قابلة للتنفيذ، تلامس المشاكل اليومية للمواطن وتقدم أجوبة واضحة عن البطالة وغلاء المعيشة والخدمات الاجتماعية.
وفي المقابل، لا يمكن تحميل الأحزاب وحدها مسؤولية أزمة السياسة، فالمطلوب أيضا إعادة الاعتبار للعمل السياسي نفسه، حتى يصبح الانخراط الحزبي وسيلة للمشاركة وصناعة القرار وليس مجرد طريق إلى المناصب. وإذا أرادت الأحزاب استعادة ثقة المغاربة، فعليها أن تبدأ الإصلاح من داخلها قبل أن تطلب من المواطن أن يثق بها عند صناديق الاقتراع. أما تغيير الأشخاص دون تغيير قواعد اللعبة والثقافة التنظيمية، فلن يكون سوى نقل للأزمة من زمن إلى آخر.
والفرصة الحالية قد تكون مناسبة لفتح صفحة جديدة، أحزاب أكثر ديمقراطية من الداخل، أكثر كفاءة في إنتاج الأفكار، وأكثر صرامة في محاربة الفساد والانتهازية، وأقرب إلى المجتمع وأقل ارتهانا للأشخاص. عندها فقط يمكن أن تتحول الانتخابات من مجرد سباق على المقاعد إلى محطة حقيقية لإعادة بناء الحياة السياسية المغربية.






