في ليلة 30 إلى 31 يوليوز 2026، كانت سبتة المحتلة قد شهدت عبور أكثر من 40 ألف مهاجر للحدود. وسارع بيدرو سانشيز، رئيس الحكومة الإسبانية، إلى وصف الحدث بأنه «هجوم» و«انتهاك للسلامة الإقليمية لإسبانيا». وخلال ساعات قليلة، تبلور السرد الإسباني حول ثلاثية واضحة: الحدود، والسيادة، وأمن أوروبا.
اختارت الرباط ألا ترد باللغة نفسها. أما الرد، إن كان هناك رد، فجاء لاحقاً.
ففي يوم الاثنين 24 غشت 2026، خلال ليلة إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف، التي ترأسها الملك محمد السادس، خصص أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، جزءاً من عرضه للحديث عن عالمين جليلين وُلدا في سبتة، وهما القاضي عياض وأبو العباس العزفي. كما تطرق إلى دعاء الإمام الجزولي من أجل تحرير المدن المحتلة على الواجهة الأطلسية.
لم يتضمن ذلك أي إشارة إلى أزمة يوليوز. ومع ذلك، فإن السياق يمنح هذه الإشارة صدى خاصاً.
يجب الحذر من إسناد نية دبلوماسية إلى أحمد التوفيق لم يعبّر عنها. لكن يجب أيضاً تقبل حقيقة أن السياق، في السياسة، قد يمنح كلمات معينة معنى خاصاً، قد لا تكون لها بالضرورة الدلالة نفسها إذا أُخذت بمعزل عن سياقها.
فإذا كانت مدريد قد قدمت، دون تأخير، مادة لحملة إعلامية مناهضة للمغرب، بدت الرباط وكأنها تركت للزمن الطويل أن يتحدث.
القاضي عياض ليس تفصيلاً عابراً من تاريخ سبتة. فقد وُلد في المدينة في القرن الحادي عشر، ودرس فيها وتولى بها منصب القضاء. إن التذكير بذلك، بعد قرون، لا يغير بطبيعة الحال الوضع الحالي للمدينة المحتلة. ولا ينقل أي حدود، ولا يحل محل أي معاهدة.
لكن الدبلوماسية لا تُدار أبداً من خلال النصوص القانونية وحدها. فهي تُمارس أيضاً من خلال التمثلات والسرديات والقدرة على فرض إطار معين لقراءة الأحداث.
إسبانيا تتحدث عن الحدود. والمغرب يستحضر التاريخ.
مدريد تنطلق في مقاربتها من الحاضر القانوني، بينما تستدعي الرباط عمقاً تاريخياً يسبق بقرون عديدة التشكيلة السياسية الحالية لشبه الجزيرة الإيبيرية.
وهذان السجلان لا يندمجان في سجل واحد. ولهذا تحديداً، سيكون من غير الحذر تحويل الإحالة التاريخية إلى عقيدة دبلوماسية.
فالذاكرة، مهما كانت قوية، لا تشكل وحدها سياسة خارجية. يمكنها أن تغذي مطالبة، وأن تحافظ على استمرارية تاريخية، وأن تؤطر تمثلاً وطنياً. بل يمكنها حتى أن تهيئ الأرضية لعقيدة سياسية. لكنها لا يمكن أن تقوم مقامها.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي بالنسبة إلى الرباط. فإذا كانت الإشارة إلى القاضي عياض مجرد تذكير بالتراث، فستظل رمزاً من بين رموز أخرى. أما إذا كانت تشكل جزءاً من تفكير أوسع حول الأراضي المغربية الخاضعة للإدارة الإسبانية، فإنها تصبح عنصراً في سرد سياسي أوسع.
ولا يمكن لمدريد أن تتجاهل هذه الخطاب. فهي تدرك تماماً أن تاريخ الأراضي هو أيضاً تاريخ للسيادات والانقطاعات والذاكرات المتنافسة.
كما أنها تدرك أن الرباط لم تتخلَّ، من حيث المبدأ، عن قضية سبتة ومليلية.
فلماذا العلماء والمخطوطات والذاكرة، بدلاً من إصدار تصريح رسمي؟
ربما لأن التصريحات تستجيب للحدث، بينما تستقر السرديات في الزمن الطويل. فالأزمة تنتهي في نهاية المطاف من واجهة الأخبار. أما الشخصية التاريخية فتقاوم الزمن.
لكن الذاكرة لا تستعيد مدينة ولا تعيد رسم حدود. إنها تذكّر فقط بأن للمدينة تاريخاً، وأن هذا التاريخ لا يزال من الممكن روايته.
وفي الرباط، بات يتعين الآن تحديد ما إذا كان ينبغي الاكتفاء برواية هذا التاريخ، أم أنه يمكن أن يتحول إلى مقدمة لمطالبة سياسية.






