قبل أشهر من دخول فرنسا فعلياً في الاستحقاق الرئاسي المقرر في ربيع عام 2027، وفي وقت تتكاثر فيه أسماء المرشحين والمحتملين من مختلف التيارات السياسية وتبدأ ملامح الحملة بالظهور في وسائل الإعلام، يبدو أن شيئاً من الحنين الفرنسي إلى الجنرال شارل ديغول يعود إلى الواجهة؛ ليس فقط في الخطاب السياسي، حيث لا يزال اسمه مرجعاً يستدعيه سياسيون من اليمين والوسط وحتى من خارجهما، بل أيضاً في السينما والذاكرة والأماكن المرتبطة بحياته.
وفي هذا السياق، نشرت صحيفة لوفيغارو (Le Figaro) الفرنسية، في قسم السفر، في 25 أغسطس 2026، مقالاً للصحفية إيمان بن عثمان عن الإقبال المتزايد على البيت الذي ولد فيه شارل ديغول في مدينة ليل شمال فرنسا، بعد النجاح الكبير لفيلمين سينمائيين جديدين يتناولان مسيرته.
يقع البيت في الرقم 9 من شارع Princesse في حي Vieux-Lille التاريخي، وفيه ولد شارل ديغول في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 1890، في منزل جديه من جهة والدته. وقد فتح المنزل أمام الجمهور منذ عام 1983، وهو اليوم مصنف معلماً تاريخياً ويحمل علامة «Maison des Illustres»، وخضع لعملية ترميم واسعة عام 2020.
والزيارة هنا ليست لمتحف سياسي تقليدي بقدر ما هي دخول إلى العالم العائلي الذي نشأ فيه ديغول. فما زال البيت يحتفظ بالأثاث والأغراض العائلية ومهد الطفل شارل وثوب تعميده، إضافة إلى الحديقة الشتوية ذات السقف الزجاجي، حيث كان الصبي يلعب بالجنود الصغار مع إخوته وأبناء عمومته.
وقد اكتسب المكان زخماً جديداً بعد عرض فيلمي المخرج Antonin Baudry، L’Âge de fer وJ’écris ton nom، اللذين يتابعان مسيرة ديغول منذ رحيله إلى لندن عام 1940 وحتى تحرير فرنسا، وحققا، وفق الأرقام التي أوردها المقال نقلاً عن Pathé، أكثر من خمسة ملايين مشاهدة في دور السينما الفرنسية.
وانعكس ذلك على البيت نفسه: فمن الأول من يوليو/ حتى 19 أغسطس 2026 استقبل 8357 زائراً، مقابل 7680 في الفترة نفسها من العام السابق، بزيادة تقارب 11%، فيما وصلت الزيادة خلال يوليو وحده إلى نحو 19%. وأصبح الإقبال في بعض الأيام يقترب من الطاقة القصوى للمكان، المحددة بنحو 240 زائراً يومياً.
لكن نجاح الفيلم والفضول تجاه البيت قد يعكسان ظاهرة أعمق: لماذا لا يزال ديغول حاضراً بقوة في الذاكرة والخيال السياسي الفرنسيين بعد أكثر من نصف قرن على رحيله؟
جزء كبير من الإجابة يعود إلى عام 1940. فعندما انهارت فرنسا أمام القوات الألمانية وطلبت حكومة المارشال بيتان الهدنة، غادر ديغول إلى لندن. وفي 18 يونيو/حزيران 1940 أطلق عبر إذاعة BBC نداءه الشهير لمواصلة القتال، وهو النداء الذي أصبح لاحقاً أحد النصوص المؤسسة لذاكرة المقاومة الفرنسية. واعترف به ونستون تشرشل بعد أيام قائداً للفرنسيين الأحرار، قبل أن يعمل على توحيد قوى فرنسا الحرة وربطها بالمقاومة في الداخل.
ومع تحرير باريس في أغسطس 1944 عاد ديغول إلى قلب الدولة الفرنسية، ثم ترأس الحكومة المؤقتة للجمهورية الفرنسية من 1944 إلى يناير 1946، قبل أن يستقيل بسبب خلافه حول طبيعة النظام السياسي ومكانة السلطة التنفيذية.
لكنه عاد بقوة عام 1958، في خضم أزمة الجمهورية الرابعة والحرب الجزائرية. وفي عهده وُضعت دستور الجمهورية الخامسة، الذي أُقر بالاستفتاء في 28 سبتمبر 1958 ودخل حيز التنفيذ مع صدوره في 4 أكتوبر وانتُخب ديغول بعد ذلك أول رئيس للجمهورية الخامسة، وهو النظام الدستوري الذي ما زالت فرنسا تعيش في إطاره حتى اليوم.
لهذا لا يمثل ديغول في الذاكرة الفرنسية رئيساً سابقاً فحسب، بل يرتبط بثلاث صور متداخلة: قائد فرنسا الحرة والمقاومة، الرجل الذي أعاد لفرنسا موقعها بين القوى المنتصرة بعد الحرب العالمية الثانية، ومؤسس النظام السياسي للجمهورية الخامسة.
وربما يمكن، مع اختلاف الأزمنة والسياقات، وضع ديغول إلى جانب نابليون بونابرت باعتبارهما من أكثر الشخصيات حضوراً في المخيال التاريخي الفرنسي. فكلاهما ارتبط، بطريقته وفي عصره، بفكرة الدولة القوية وبمكانة فرنسا واستقلال قرارها وحضورها خارج حدودها. غير أن ديغول أضاف إلى ذلك إرث المقاومة والشرعية الجمهورية، ثم سعيه لاحقاً إلى تأكيد استقلالية القرار الفرنسي في العلاقات الدولية.
من هنا، فإن ارتفاع عدد زوار منزل صغير في أحد شوارع ليل القديمة بعد نجاح فيلم سينمائي قد يكون أكثر من مجرد ظاهرة سياحية. إنه مؤشر على أن «الأسطورة الديغولية» ما زالت حية في الذاكرة الفرنسية، وربما تزداد جاذبيتها في اللحظات التي تشعر فيها فرنسا بالقلق حيال مستقبلها ومكانتها ودورها في العالم.
وهكذا يصبح البيت الذي ولد فيه طفل اسمه شارل ديغول عام 1890، بما يحتفظ به من مهد وأثاث وذكريات عائلية، مدخلاً صغيراً إلى سؤال فرنسي أكبر بكثير: أي فرنسا يريد الفرنسيون أن يتذكروها، وأي صورة لفرنسا يبحثون عنها وهم يتجهون نحو انتخابات 2027؟






