فقد شهدت المنطقة، خلال أواخر يوليوز الماضي، واحدة من أكبر موجات العبور الجماعي نحو سبتة، شارك فيها آلاف الأشخاص، بينهم شباب وقاصرون ونساء، قبل أن تتدخل السلطات المغربية لمنع استمرارها. وبحسب المعطيات المتوفرة، فقد تصاعدت الظاهرة منذ منتصف يونيو، وتداخل فيها تأثير شبكات التواصل الاجتماعي مع تأويلات خاطئة لقرار قضائي إسباني، فضلاً عن نشاط شبكات الاتجار بالبشر، فيما أعلنت وزارة الداخلية المغربية أن نحو 40 ألف شخص حاولوا التوجه نحو سبتة، وأن الأحداث خلفت 11 وفاة.
لكن الأرقام، مهما كانت صادمة، لا تجيب وحدها عن السؤال الحقيقي: لماذا يريد هذا العدد من الشباب أن يعبر إلى سبتة، ولو سباحة، ولو مخاطرا بحياته؟ ولماذا تحولت مدينة لا تبعد عن مدن الشمال المغربي سوى بضعة كيلومترات إلى صورة مكثفة لحلم بالوصول إلى أوروبا؟
هنا بالضبط يستعيد التاريخ حضوره.
فسبتة ليست بالنسبة للمغربي مجرد نقطة على الخريطة، كما أن الجزر والصخور المنتشرة قبالة السواحل المغربية ليست مجرد تفاصيل جغرافية. إنها بقايا تاريخ استعماري لم يغلق ملفه بالكامل، وظل حاضرا في شكل حدود غير طبيعية، ومناطق عسكرية، ومنافذ حدودية، ومياه متنازَعٌ حول كيفية احتسابها.
وعلى مقربة من سواحل الناظور توجد جزر إشفارن، أو الجزر الجعفرية كما تسمى في العربية، والتي احتفظت في الإسبانية باسم Chafarinas. والتسمية الأمازيغية «إشفارن» تحيل، في الذاكرة المحلية، إلى معنى اللصوص أو القراصنة، وهي تسمية ارتبطت بتاريخ المنطقة وما عرفته من حركة بحرية وملاحقين كانوا يجدون في الجزر والمغاور والمواقع البحرية ملاذا آمنا.
لم تكن هذه الجزر في الذاكرة المغربية مجرد صخور وسط البحر، بل كانت جزءا.من المجال الجغرافي والحيوي للمنطقة الشرقية المغربية. غير أن القرن التاسع عشر حمل معه تحولا في وضعها، ففي سياق التنافس الاستعماري الأوروبي على شمال إفريقيا، وبعد وصول فرنسا إلى الجزائر وتقدمها نحو الحدود الشرقية للمغرب، سارعت إسبانيا إلى تثبيت وجودها في الجزر الجعفرية، فاحتلتها سنة 1848. ومنذ ذلك التاريخ أصبحت إشفارن جزءاً من ذلك الأرخبيل الصغير من الأراضي المغربية التي بقيت تحت السيطرة الإسبانية، إلى جانب سبتة ومليلية وجزر وصخور أخرى على الساحلين المتوسطي والأطلسي.
وهنا تبدأ المفارقة.
فإسبانيا التي تتحدث اليوم، وبحق، عن احترام القانون الدولي والسيادة والوحدة الترابية عندما يتعلق الأمر بمصالحها، لا تزال تدير هذه المناطق باعتبارها امتدادا لسيادتها، بينما لا يعترف المغرب بالسيادة الإسبانية عليها. ولم تعد القضية اليوم مرتبطة فقط بمن يرفع العلم فوق جزيرة صغيرة، فقد انتقل الصراع، تدريجيا، إلى البحر نفسه، وإلى الموارد البحرية، والمشاريع الاقتصادية، وتحديد المجالات التي يمكن لكل طرف أن يمارس فيها صلاحياته.
ومن هنا يمكن فهم حساسية مدريد تجاه أي نشاط مغربي قريب من الجزر الجعفرية. فالمسألة بالنسبة لإسبانيا ليست اقتصادية فقط؛ إنها تتصل أيضا بالخوف من أن يؤدي تثبيت النشاط المغربي في محيط هذه الجزر إلى تكريس واقع جغرافي وسيادي لا ترغب مدريد في الاعتراف به.
وهنا تبرز مرة أخرى المفارقة الإيبيرية: كيف يمكن لإسبانيا أن تتمسك بحقوقها التاريخية والقانونية في جبل طارق، وأن تعتبر استمرار الوجود البريطاني فيه وضعا استعماريا غير مقبول، ثم تطلب من المغرب أن يتعامل مع سبتة ومليلية والجزر والصخور المغربية باعتبارها جزءا نهائيا من السيادة الإسبانية؟
السؤال لا يحتاج إلى كثير من الشرح.
لكن التطور الأخطر في القضية أن التاريخ عاد هذه المرة من بوابة مختلفة تماما: بوابة الهجرة.
ففي أواخر يوليوز 2026، لم يكن المشهد في الفنيدق مشهدا عاديا لمهاجرين يبحثون عن قارب أو عن مهرب. كان آلاف الأشخاص يتجهون نحو مدينة توجد على مرمى حجر منهم، لكنها بالنسبة إليهم كانت تعني شيئا آخر: العبور نحو أوروبا، العمل، المستقبل، وربما مجرد فرصة أخرى للحياة.
وقد تصاعدت التعبئة حسب التأويلات المتداولة بعد انتشار خبر لقرار المحكمة العليا الإسبانية، وأن مجموعات واسعة على شبكات التواصل لعبت دورا في تنظيم الدعوات وتبادل المعلومات وتحديد نقاط التجمع. لكن اختزال ما حدث في «المعلومات المضللة» أو «عصابات الاتجار بالبشر» وحدها، مهما كانت أهمية هذين العاملين، سيكون تبسيطا مخلا.
فالمعلومة الكاذبة تستطيع أن تفتح الباب، لكنها لا تستطيع أن تخلق الرغبة في العبور من العدم.
السؤال الحقيقي هو: ماذا يقول لنا شاب مغربي يقرر أن يقطع البحر سباحة للوصول إلى سبتة؟ إنه يقول، قبل كل شيء، إنه لم يعد يرى مستقبله حيث يعيش. وقد يكون هذا الشاب عاطلا، أو حاصلا على شهادة لا يجد لها منفذا، أو عاملا بأجر لا يكفيه، أو شابا يعيش في مدينة أو قرية لا يرى فيها أفقا اجتماعيا واضحا. وقد يكون ببساطة شابا.يريد أن يعيش حياة أفضل.
وهنا تكمن خطورة الظاهرة.
لأن الهجرة لا تصبح جماعية بهذا الشكل عندما يكون المجتمع واثقا من مستقبله. لقد كانت الهجرة المغربية إلى أوروبا، لعقود طويلة، مرتبطة أساسا بالفقر والحاجة والعمل. أما اليوم، فإن جزءا من الظاهرة يرتبط أيضاً بأزمة التوقعات؛ شباب يرى عبر هاتفه كل يوم مستوى آخر من الحياة، يقارن، ويشعر أن المسافة بينه وبين ذلك العالم لا تتجاوز بضعة كيلومترات، بينما هي في الحقيقة مسافة اجتماعية واقتصادية وسياسية هائلة.
ولهذا فإن سبتة بالنسبة إلى هؤلاء لم تعد مجرد مدينة محتلة.
لقد تحولت، في المخيال الجديد، إلى أقرب صورة لأوروبا.
وهنا تكتمل المفارقة.
قبل قرابة قرنين، كانت إسبانيا تعبر البحر لاحتلال جزر مغربية. واليوم يعبر مغاربة البحر سباحة للوصول إلى مدينة مغربية تحت السيطرة الإسبانية. في الحالتين، البحر نفسه حاضر، والجغرافيا نفسها حاضرة، والحدود الوهمية نفسها حاضرة، لكن الأدوار انقلبت.
كان العابر في القرن التاسع عشر جنديا.يحمل السلاح ويأتي لفرض السيطرة، أما العابر اليوم فهو، في الغالب، شاب يحمل هاتفا.وحلما وخوفا، وربما حقيبة صغيرة.
وبين المشهدين قرابة قرنين من التاريخ لم يستطيعا أن يمحوا سؤال السيادة، ولا سؤال العدالة، ولا سؤال العلاقة بين الضفتين.
ولعل المفارقة التاريخية الأعمق أن العلاقة بين المغرب وإيبيريا ليست علاقة حدود فقط، إنها علاقة شعوب وحضارات وهجرات متبادلة. فقد كان المغرب، عبر مراحل تاريخية مختلفة، ملاذا لمجموعات اضطهدت في شبه الجزيرة الإيبيرية، من المسلمين واليهود الذين وجدوا في المدن المغربية ملجأ بعد موجات الطرد والاضطهاد.
لقد كان المغرب، في لحظات تاريخية قاسية، ضفة استقبال لمن طردتهم إيبيريا.
واليوم أصبح المغرب، بفعل الجغرافيا والسياسات الأوروبية، جزءا أساسيا من منظومة حماية الحدود الجنوبية لأوروبا، الدركي المثالي، وهذه مفارقة تستحق التأمل. فالمغرب مطلوب منه أن يحمي أوروبا من الهجرة، وأن يمنع شبابا أفارقة ومغاربة من الوصول إلى حدودها، وأن يتحمل جزءا كبيرا من كلفة مراقبة هذه الحدود، لكن عندما يتعلق الأمر بالمجال الترابي والبحري المغربي، فإن منطقا آخر يظهر فجأة.
ربما لا توجد صورة أكثر وضوحا لهذه الازدواجية من جبل طارق. فإسبانيا تعتبر استمرار السيطرة البريطانية على جبل طارق مسألة استعمارية وتطالب باسترجاعه، والشعب المغربي بدوره يرى في سبتة ومليلية والجزر والصخور المحتلة امتدادا لأراضيه، ويعتبر أن تصفية آثار الاستعمار في شمال المغرب لم تكتمل بعد.
قد تختلف الحالتان في تفاصيلهما القانونية والتاريخية، لكن السؤال السياسي الذي تطرحه المقارنة يظل مشروعا: لماذا يكون مبدأ إنهاء الاستعمار صالحا عندما يتعلق الأمر بجبل طارق، ثم يصبح غير صالح عندما يتعلق الأمر بالأراضي المغربية الواقعة تحت السيطرة الإسبانية؟
إن احترام القانون الدولي لا يمكن أن يكون انتقائيا، ولا يمكن أن تتغير مبادئ السيادة بحسب موقع الجغرافيا ومصالح القوة.
لقد قطع المغرب وإسبانيا خلال السنوات الأخيرة أشواطاً مهمة في التعاون الاقتصادي والأمني والهجرة، وهذا أمر لا يمكن إنكاره. لكن العلاقة الاستراتيجية الحقيقية لا تقوم فقط على المصالح المشتركة، وإنما تقوم أيضا على القدرة على مناقشة الملفات الصعبة دون أقنعة.
وإذا كانت الدولة المغربية قد أصبح شريكا أساسيا لإسبانيا وأوروبا في تدبير الهجرة، فإن من حق الشعب المغربي أن يطرح في المقابل قضايا السيادة والتراب والمياه والذاكرة الاستعمارية. كما أن من حق إسبانيا أن تدافع عن مصالحها، ولكن ليس من حقها أن تطلب من المغرب أن يتعامل مع واقع الاحتلال وكأنه حقيقة نهائية لا تقبل النقاش.
لقد أظهرت أحداث سبتة شيئا آخر أكثر أهمية: أن المقاربة الأمنية تستطيع أن تمنع العبور، لكنها لا تستطيع أن تمنع الرغبة في العبور.
يمكن وضع الحواجز، ونشر القوات، ومراقبة الشواطئ، وإيقاف الحافلات، ومحاربة المهربين، وإغلاق الحدود. لكن لا يمكن اعتقال حلم، ولا يمكن وضع سياج حول مستقبل الشباب.
ولهذا فإن معالجة ظاهرة الهجرة الجماعية تبدأ من مكان آخر: من داخل المجتمع نفسه، من المدرسة العمومية، من الجامعة، من الشغل، من العدالة الاجتماعية، من الصحة، من النقل، ومن المدن التي تمنح شبابها سببا للبقاء، لا مجرد تعليمات بعدم الرحيل.
وهنا لا يعود السؤال: كيف نمنع الشباب من الوصول إلى سبتة؟
بل يصبح السؤال الأكثر إزعاجا: لماذا أصبح الوصول إلى سبتة بالنسبة إلى بعض شبابنا أكثر جاذبية من البقاء في وطنهم؟
إشفارن ليست مجرد جزر نطالب باستعادة أسمائها، وسبتة ليست مجرد مدينة نختلف حول وضعها القانوني. إنهما مرآتان لجزء من تاريخنا المعاصر: جزر احتلت وغيرت أسماؤها، ومدن فصلتها الحدود عن محيطها الطبيعي، وشباب يقف اليوم أمام سياج أو بحر، لا لأنه يجهل المخاطر، بل لأنه يعتقد أن المخاطر أقل من كلفة البقاء.
وهنا تلتقي قضيتان تبدوان في الظاهر منفصلتين: قضية السيادة وقضية الهجرة.
فالسيادة ليست فقط استرجاع الأرض، وإنما أيضا بناء مجتمع يجعل المواطن يشعر أن الأرض التي يعيش عليها هي وطن المستقبل، وليست مجرد مكان ينتظر منه فرصة للرحيل.
من إشفارن إلى سبتة، يبدو أن التاريخ لم يغلق ملفه بعد.
فالجزر لا تزال هناك، والمدن لا تزال هناك، والحدود لا تزال هناك.
لكن السؤال الجديد الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: متى تنتهي آخر بقايا الاستعمار الإيبيري في شمال المغرب؟
بل أيضاً: متى يصبح المغرب وطنا لا يريد شبابه الهروب منه؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن نسمعه خلف ضجيج الحدود، وخلف أخبار المهاجرين، وخلف الأسلاك والحواجز.
لأن الذين حاولوا العبور إلى سبتة ذات صيف لم يكونوا يعبرون البحر فقط.
كانوا يعبرون، في الحقيقة، المسافة الفاصلة بين وطن يحلمون به، ووطن يشعر بعضهم أنه لم يعد يجد فيه مكانا لحلمه.
ملحوظة لها علاقة بما سبق:
إن البيان الأخير لتحالف اليسار يكثف هاته المقاربة الدقيقة بين الرهانات الاجتماعية للداخل وأزمة موجات الهجرة.
ونستحضر أغنية وليد ميمون بالريفية "نشين سا" = "نحن من هنا".






