فن وإعلام

عندما تدخل الثقافة في قلب الاستثمار: المال السعودي والخيال الياباني على أرض فرنسية

حسان البلعاوي

قد يبدو إنشاء مجمع ترفيهي ضخم في ضواحي باريس خبراً اقتصادياً يتعلق بمليارات اليورو وآلاف فرص العمل وجذب ملايين السياح، لكن عندما يكون عالم ثقافي بحجم Dragon Ball في قلب المشروع، يكتسب الاستثمار بعداً آخر. فمدن الترفيه الحديثة لم تعد مجرد أماكن للألعاب، بل أصبحت فضاءات تقدم شخصيات وقصصاً وصوراً تساهم في تشكيل الخيال الجماعي، وخصوصاً لدى الأجيال الشابة.

 

في هذا السياق، كشفت صحيفة لوفيغارو الفرنسية (Le Figaro)، في 24 أغسطس 2026، بالتزامن مع زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا واستقباله من الرئيس إيمانويل ماكرون، عن مشروع سعودي ضخم لإنشاء مجمع يضم ثلاث حدائق ترفيهية في Cergy-Pontoise، غرب باريس، باستثمارات تقدر بنحو ستة مليارات يورو، ويتوقع، وفق المسؤولين الفرنسيين، أن يوفر حوالي 22 ألف فرصة عمل مباشرة.

 

وسيُقام المشروع في بلدية Courdimanche على أرض متنزه Mirapolis السابق، الذي افتتح عام 1987 وأغلق عام 1991. ولم تُكشف بعد بصورة نهائية موضوعات الحدائق الثلاث، لكن أحد المشاريع المطروحة بقوة يستند إلى عالم Dragon Ball، المانغا اليابانية الشهيرة التي تحولت خلال أربعة عقود إلى واحدة من أبرز ظواهر الثقافة الشعبية العالمية.

 

ابتكر الفنان الياباني أكيرا تورياما (Akira Toriyama) عالم Dragon Ball عام 1984، وتدور قصته في بدايتها حول Son Goku، الفتى ذي القدرات الخارقة الذي ينطلق مع رفاقه بحثاً عن سبع كرات سحرية يؤدي جمعها إلى ظهور التنين Shenron القادر على تحقيق الأمنيات. واستوحى تورياما جانباً من الفكرة الأصلية من الرواية الصينية الكلاسيكية «الرحلة إلى الغرب»، قبل أن يبني حولها عالماً مستقلاً امتد إلى مسلسلات وأفلام وألعاب فيديو ومنتجات تجارية.

 

وتحول Dragon Ball إلى أحد أنجح صادرات الثقافة الشعبية اليابانية، إذ بيعت من المانغا أكثر من 260 مليون نسخة عالمياً، منها قرابة 30 مليون نسخة في فرنسا وحدها. كما لعبت مسلسلات Dragon Ball وDragon Ball Z دوراً كبيراً منذ أواخر ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي في انتشار الأنيمي والمانغا بين الشباب الفرنسي. وفرنسا اليوم من أكبر أسواق المانغا خارج اليابان، ولذلك فإن الشخصية اليابانية التي يستثمر فيها السعوديون ليست غريبة عن الجمهور الفرنسي، بل ترتبط بذاكرة أجيال كاملة منه.

 

وللسعودية نفسها تجربة مباشرة وطموحة مع هذا العالم. فشركة القدية للاستثمار (Qiddiya Investment Company – QIC)، المملوكة بالكامل لـصندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF)، وهي إحدى الأدوات الرئيسية للمملكة في تطوير مشاريع الترفيه والرياضة والثقافة الكبرى ضمن «رؤية السعودية 2030»، تطور بالقرب من الرياض أول متنزه ضخم في العالم مخصص بالكامل لـDragon Ball. ويمتد المشروع على أكثر من نصف مليون متر مربع، ويضم أكثر من 30 لعبة وتجربة موزعة على سبع مناطق مستوحاة من شخصيات ومراحل السلسلة، ومن أبرز معالمه مجسم هائل للتنين Shenron يبلغ ارتفاعه نحو 70 متراً.

 

وتأتي هذه المشاريع ضمن توجه سعودي أوسع لجعل السياحة والترفيه والرياضة والسينما والألعاب الإلكترونية والصناعات الثقافية قطاعات جديدة لتنويع الاقتصاد وتقليص الاعتماد على النفط، وفي الوقت نفسه أدوات للجذب والحضور الدولي. ويشكل المشروع الفرنسي خطوة لافتة بالنسبة إلى «القدية»، إذ تنتقل من تطوير صناعة الترفيه داخل المملكة، بالتعاون مع علامات عالمية، إلى الاستثمار المباشر في مشروع ضخم في قلب أوروبا.

 

ويرحب الجانب الفرنسي بالمشروع من زاوية اقتصادية وسياحية واضحة. فقد وصف الرئيس إيمانويل ماكرون الإعلان بأنه غير مسبوق منذ إنشاء Disneyland Paris، معتبراً أنه سيخلق وجهة عالمية جديدة، فيما أوضحت رئيسة منطقة إيل دو فرانس فاليري بيكريس أن العمل على الملف استمر نحو 18 شهراً وأنه يمكن أن يعزز بصورة كبيرة الجاذبية السياحية والاقتصادية للمنطقة.

 

ويأتي المشروع أيضاً في سياق منافسة أوروبية متزايدة على صناعة الترفيه والسياحة الدولية. فـDisneyland Paris، الذي يستقبل نحو 16 مليون زائر سنوياً، سيواجه تحدياً جديداً من بريطانيا، حيث تستعد مجموعة Universal الأميركية لإنشاء أول مجمع ترفيهي كبير لها في أوروبا بالقرب من Bedford، شمال لندن، باستثمارات بمليارات الجنيهات. ومن المقرر افتتاحه عام 2031، مع توقع استقبال نحو 8.5 ملايين زائر في سنته الأولى. ولذلك يمكن قراءة الاستثمار السعودي غرب باريس أيضاً باعتباره جزءاً من المنافسة بين باريس ولندن على السياحة والاستثمارات ومدن الترفيه الكبرى.

 

لكن المشروع أثار في فرنسا نقاشاً آخر يتجاوز الأرقام الاقتصادية إلى الثقافة والهوية والسردية الوطنية.

 

فقد نشر نيكولا دو فيلييه (Nicolas de Villiers)، رئيس متنزه Puy du Fou، مقالاً في «لوفيغارو» في 8 أغسطس 2026، رأى فيه أن القضية تتصل بما يعتبره معركة عالمية حول الخيال والسردية الثقافية.

 

ونيكولا دو فيلييه ليس مسؤولاً حزبياً أو سياسياً منتخباً، لكنه يدير واحداً من أشهر المشاريع الثقافية والترفيهية الفرنسية، الذي بنى نجاحه على تحويل التاريخ والتراث والأساطير الوطنية إلى عروض جماهيرية. وهو ابن فيليب دو فيلييه (Philippe de Villiers)، الوزير والنائب والمرشح السابق للانتخابات الرئاسية وأحد أبرز وجوه اليمين السيادي والمحافظ الفرنسي. ورغم أن نيكولا يقدم Puy du Fou باعتباره مشروعاً ثقافياً وليس حزبياً، فإن رؤيته تعطي مكانة مركزية للتاريخ والذاكرة والهوية الفرنسية.

 

وتكتسب ملاحظته رمزية خاصة بسبب المكان نفسه الذي سيقام عليه المشروع السعودي. فعندما افتتح Mirapolis عام 1987، حاول أن يقدم نوعاً من «ديزني فرنسية»، وكان أحد أبرز رموزه العملاق Gargantua، الشخصية الشهيرة التي ابتكرها الكاتب والطبيب والمفكر الإنساني الفرنسي فرانسوا رابليه (François Rabelais).

 

ورابليه من كبار أدباء عصر النهضة الفرنسية في القرن السادس عشر وصاحب «Gargantua et Pantagruel»، ويحتل مكانة أساسية في التراث الأدبي الفرنسي لما أحدثه من تجديد في اللغة والسرد ولتجسيده روح النزعة الإنسانية في عصر النهضة. فقد استخدم السخرية والخيال للدفاع عن المعرفة والتعليم وحرية التفكير وانتقاد التعصب والحروب والجمود الفكري، حتى أصبحت شخصية Gargantua جزءاً من الذاكرة الثقافية الفرنسية.

 

وهنا تحديداً يجد نيكولا دو فيلييه المفارقة: فبعد نحو أربعين عاماً، قد يحل في المكان نفسه Son Goku، بطل Dragon Ball الياباني، محل Gargantua الفرنسي. ولذلك يلخص اعتراضه بعبارة رمزية: «رابليه يفسح المجال لـDragon Ball».

 

ولا يدعو دو فيلييه إلى رفض الثقافة اليابانية، بل يتساءل لماذا لا تستثمر فرنسا بالقدر نفسه في مخزونها الأدبي والتاريخي الهائل وتحوله إلى صناعة عالمية للترفيه والخيال. فإذا استطاعت الولايات المتحدة بناء عوالم Disney وUniversal، ونجحت اليابان في تحويل المانغا والأنيمي إلى قوة ثقافية عالمية، فلماذا لا تستثمر فرنسا بصورة أكبر في رابليه وفيكتور هوغو وألكسندر دوما وجول فيرن وسانت إكزوبيري وغيرها من الشخصيات والأعمال القادرة على إنتاج خيال فرنسي ذي انتشار عالمي؟

 

ويقدم دو فيلييه تجربة Puy du Fou نموذجاً على إمكانية الجمع بين التاريخ والترفيه والاستثمار. فعندما توسعت التجربة إلى إسبانيا، لم تنقل معها التاريخ الفرنسي، وإنما بنت عروضها على التاريخ والذاكرة الإسبانيين.

 

في المقابل، تنظر السلطات الفرنسية إلى المشروع بمنطق اقتصادي واستراتيجي مختلف: ستة مليارات يورو، و22 ألف فرصة عمل مباشرة، وتعزيز الجاذبية السياحية لمنطقة باريس، ومواجهة المنافسة البريطانية الجديدة. كما أن Dragon Ball ليس ثقافة سعودية يجري نقلها إلى فرنسا، وإنما ظاهرة يابانية عالمية تتمتع أصلاً بحضور واسع في الثقافة الشعبية الفرنسية.

 

وهنا ربما تكمن المفارقة الأهم التي يلخصها المشروع: الخيال ياباني، ورأس المال سعودي، والأرض والجمهور فرنسيان.

 

ومن هذه المعادلة يخرج السؤال الثقافي الأوسع: في زمن أصبحت فيه الثقافة والترفيه جزءاً من الاقتصاد ومن أدوات القوة الناعمة، كيف تستطيع فرنسا الاستفادة من الاستثمارات العالمية والانفتاح على الثقافات الأخرى، وفي الوقت نفسه تحويل ثراء تراثها وروايتها الثقافية الخاصة إلى قوة معاصرة قادرة على المنافسة عالمياً؟