وأؤكد بداية أن خلافي لم يكن يوما خلافا شخصيا مع رئيس اللجنة أو مع أعضائها، ولم أستهدف أحدا في شخصه أو حياته الخاصة، ولم يكن اعتراضي ناتجا عن عدم حصولي على التزكية، بل كان اعتراضا سياسيا وتنظيميا وقانونيا على مسطرة اكتشفت حقيقتها يوم انعقاد لجنة البت، وعلى معيار مالي اعتبرت أنه أقحم في تدبير آلية قانونية للتمييز الإيجابي لفائدة النساء.
والبيان المنشور، رغم طوله، لم ينف جوهر ما قلته، بل أكد، من حيث لا يدري، عددا من الوقائع التي اعترضت عليها.
أولا: البيان يعترف بتغيير الاختصاص الأصلي المنصوص عليه في القانون الداخلي
أقر البيان صراحة بأن القانون الداخلي للحزب يجعل سلطة البت في اختيار وكيلات اللوائح الجهوية من اختصاص المكتب السياسي، ثم أضاف أن مسطرة داخلية نقلت هذا الاختصاص إلى لجنة تتكون من وكلاء اللوائح المحلية.
وهذا الإقرار هو صلب الاعتراض الذي عبرت عنه.
فإذا كان الاختصاص مقررا للمكتب السياسي بموجب القانون الداخلي، فالسؤال القانوني والتنظيمي هو: هل يجوز لورقة داخلية أدنى مرتبة أن تنقل اختصاصا أصيلا قرره نص أعلى منها؟ وهل يمكن لمسطرة ظرفية أن تعدل القانون الداخلي أو تعطل مقتضياته دون عرضها على المجلس الوطني، صاحب الاختصاص في المصادقة على القانون الداخلي وتعديله؟
أما استناد البيان إلى المادة 176 من النظام الأساسي، فإن هذه المادة، وفق النص الذي أورده بنفسه، تسمح بتحديد تشكيلة اللجان، لكنها لا تعني بالضرورة جواز نقل سلطة البت المقررة بنص صريح من جهاز إلى جهاز آخر، ولا تسمح بتحويل وكلاء اللوائح المحلية إلى هيئة انتخابية بديلة عن المكتب السياسي.
والحقيقة أن «لجنة البت» بهذه الصيغة لم تكن مجرد لجنة تقنية، بل مُنحت سلطة تقريرية فعلية في اختيار الوكيلة، بينما اقتصر دور المكتب السياسي، بحسب البيان نفسه، على إجازة النتيجة بعد وقوعها.
ثانيا: لا وجود لتعاقد مسطري دون إعلان سابق وكامل للمسطرة ومعاييرها
يزعم البيان أن المسطرة نشرت على أوسع نطاق، لكنه لم يحدد:
- تاريخ نشرها؛
- وسيلة نشرها؛
- النسخة الرسمية المعتمدة منها؛
- تاريخ تبليغ المعايير الأربعة إلى المرشحات؛
- ولا ما يثبت اطلاع المرشحات مسبقا على إلزامهن بكتابة مبلغ مالي وتوقيعه.
بل إن البيان يقر بأن المكتب السياسي اجتمع صباح يوم 20 غشت للمصادقة على رؤساء لجن البت و«تأكيد المعايير الأربعة»، وأن المرشحات اجتمعن بالكاتب الأول في اليوم نفسه قبل انطلاق أعمال اللجان.
فكيف يتحدث عن تعاقد مسطري سابق، بينما يجري تأكيد عناصر جوهرية من المسطرة في صباح يوم البت نفسه؟
المسطرة التي تم تمكيننا منها عند تقديم الترشيحات لم تتضمن، بصورتها التي توصلنا بها، إلزام المرشحة بتحرير مبلغ مالي في ورقة موقعة، ولم توضح أن وكلاء اللوائح المحلية سيختارون وكيلة اللائحة بناء على هذا الالتزام.
والتصفيق في اجتماع عام لا يعد قبولا قانونيا بتفاصيل لم تعرض بشكل واضح، كما أن عدم الاعتراض الفوري لا يصحح مسطرة لم تبلغ كاملة، ولا يحرم أي مرشحة من حقها في الاعتراض عند اكتشاف طريقة تطبيقها.
ولا يمكن الحديث عن مسطرة ملزمة للمرشحات ما دامت لم تنشر وتوزع عليهن بصيغتها الكاملة، ولم تعرض على المجلس الوطني رغم ما أدخلته من تغيير جوهري، ولم يفتح بشأنها أجل للطعن قبل تطبيقها.
ثالثا: البيان يؤكد أن المساهمة المالية تحولت إلى تعهد مكتوب وموقع
أكد رئيس اللجنة أنه كان يطلب من كل مرشحة أن تكتب مبلغ مساهمتها المالية في ورقة موقعة يحتفظ بها إلى حين المداولات.
وهنا يوجد جوهر الإشكال.
فالحديث العام عن الاستعداد للمساهمة في الحملة الانتخابية شيء، وإلزام المرشحة بكتابة مبلغ محدد وتوقيعه أمام لجنة تقرر في التزكية شيء آخر تماما.
لم أرفض دعم حملة الحزب، بل قدمت مشروعا متكاملا، وأعلنت استعدادي لتحمل نفقات مهمة لتنفيذه، وفق برنامج واضح، وفي احترام تام للقانون ومراقبة مصادر الأموال وأوجه صرفها. علما ان اللائحة تتضمن أسماء نساء أخريات سيساهمن في مشروع البرنامج الذي تكلفت بإعداده، وفق القواعد القانونية المطلوبة.
ما رفضته هو تحويل هذا الاستعداد إلى رقم مكتوب وموقع يدرج ضمن مداولات الاختيار، بما قد يجعله يبدو مقابلا محتملا للتزكية أو معيارا للمفاضلة بين المرشحات.
ولو كانت الغاية مجرد إعداد ميزانية قانونية للحملة، لكان المطلوب من كل مرشحة تقديم تصور مالي وبرنامج للنفقات بعد اختيارها، لا وضع مبلغ سري وموقع أمام لجنة تمتلك سلطة منح التزكية.
أما القول إن المساهمة المالية كانت المعيار الرابع والأخير، فلا ينفي أثرها، لأن ترتيب المعايير لا يحدد وزنها الحقيقي أثناء المداولات. والبيان نفسه خصص جزءا طويلا لتبرير أهمية المال، واعتبر عدم تقديمه إخلالا بالعدل والإنصاف، بما يكشف المكانة الحقيقية التي احتلها هذا المعيار.
رابعا: لا يجوز تحميل آلية التمييز الإيجابي ما لم يحملها إياه القانون
اللائحة الجهوية ليست منحة من الحزب، ولا مقعدا شخصيا يمنحه وكلاء اللوائح المحلية لمن يدفع أكثر. إنها آلية قانونية أقرها المشرع لتصحيح ضعف تمثيلية النساء وتحقيق التقدم نحو المناصفة.
ويحق للأحزاب اعتماد معايير الكفاءة والإشعاع والمسار النضالي والمشروع السياسي، لكن لا يجوز تحويل القدرة المالية إلى شرط فعلي للاستفادة من آلية وضعت أصلا لتوسيع مشاركة النساء، بمن فيهن النساء غير القادرات على تقديم مبالغ كبيرة.
فإذا أصبح المال عنصرا في المفاضلة بين المرشحات، فإننا نكون أمام إقصاء غير مباشر للكفاءات النسائية غير الميسورة، وإفراغ للتمييز الإيجابي من غايته الدستورية.
أما وصف اللائحة الجهوية بأنها «لائحة ريع»، فهو وصف مرفوض. فمن أعطى الحزب حق تبخيس آلية قانونية أقرها المشرع لفائدة النساء؟ وإذا كان الحزب يعتبرها ريعا، فلماذا يشارك فيها ويمنح تزكياتها؟ كان الأجدر به الترافع من أجل إلغائها وليس استغلالها لفائدة الدوائر ومرشحيها، لغايات مالية محضة.
الريع الحقيقي ليس في تمكين النساء بنص القانون، بل في إغلاق الترشيح وربطه بالولاء أو القدرة المالية... الريع هو جعل مرشحي الدوائر يستفيدون من منابع تمويل تفرض قصرا وجبرا على نساء متعهن المشرع بشروط محددة من مسطرة الترشح وفق تدابير انتقالية ومؤقتة.
خامسا: وكلاء اللوائح المحلية ليسوا بالضرورة مؤهلين لتقييم التاريخ النضالي للمرشحات
قيل إن وكلاء اللوائح المحلية هم الأكثر معرفة بمرشحات الجهة. وهذا افتراض لا دليل عليه.
فبعض هؤلاء قد يكون حديث الالتحاق بالحزب، ولا يعرف المسار التنظيمي والنضالي للمرشحات داخله وخارجه، ولا يملك بالضرورة المعطيات التي تخوله تقييم إشعاعهن الحقوقي أو السياسي أو المهني.
ثم إن لهم مصلحة مباشرة في الحصول على مساهمات مالية لدعم حملاتهم، وهو ما يجعل الهاجس المالي حاضرا موضوعيا في قرارهم، حتى مع افتراض حسن النية.
ولا يتعلق الأمر بالطعن في أشخاصهم، وإنما بالسؤال عن مدى سلامة تشكيل لجنة تجمع بين سلطة اختيار الوكيلة وبين مصلحة أعضائها المباشرة في التمويل الذي يطلب منها.
سادسا: لم أنتظر نتيجة التزكية حتى أعترض
القول إنني لم أعترض إلا بعد علمي بعدم حصولي على التزكية لا يستقيم مع الوقائع.
لقد اعترضت داخل قاعة اللجنة نفسها، ورفضت كتابة مبلغ مالي وتوقيعه، وعبرت بوضوح عن أن ذلك يتعارض مع قناعتي ومع فهمي لقيم الحزب ولغاية التمييز الإيجابي.
والقول بعلمي المسبق بعدم تزكيتي، هو اتهام للجنة بعدم احترام سرية مداولاتها، وهذا أمر يزيد الطينة بلة، ويؤكد أن الرئيس يقر بأن السرية لم تكن متوفرة، مما يزيد من احتمال تسريب المعطيات المتعلقة بالمبلغ المدون على ورقة بين المترشحات اللائي انخرطن في لعبة المزاد غير العلني، ولكنه مسرب.
ثم بادرت إلى تحرير تقرير مفصل وشجاع بشأن ما وقع، وأرسلته إلى قيادة الحزب، متحملة كامل مسؤوليتي عن مضمونه. كما أن التسلسل الزمني للرسائل والتقارير والاستقالة والبلاغات المنشورة ثابت ويمكن الرجوع إليه، وهو يدحض محاولة اختزال موقفي في رد فعل على عدم الحصول على التزكية.
وللإشارة، والتأكيد أيضا، لم أسرب التقرير لأي منبر إعلامي ولم أنشره بأي موقع تواصل اجتماعي، كما تم اتهامي، بل إنني فوجئت بنشره باستغراب كبير.
وقد كنت واعية منذ لحظة اعتراضي داخل اللجنة بأن رفضي تقديم الرقم المالي سيخرجني عمليا من المنافسة. لذلك لم أنتظر نتيجة حتى أكتشف موقفي، بل عبرت عنه عندما كان يمكن للصمت أن يكون أكثر نفعا لي شخصيا. لكن قيمي ومبادئي ترفض الصمت، لأنه سيكون مشاركة في هدر حقوق لا تقبل المزايدة.
سابعا: حق الطعن لا يكون حقيقيا بعد تنفيذ القرار أو تغيير قواعد المنافسة
يقال إن أبواب الطعن كانت مفتوحة، لكن أي طعن فعال يفترض:
- نشر المسطرة مسبقا؛
- تمكين المرشحات من نسختها الكاملة؛
- فتح أجل للطعن قبل تطبيقها؛
- بيان الجهة المختصة وآجال البت؛
- وتعليل القرار المتخذ.
أما تطبيق مسطرة مستحدثة يوم البت، ثم مطالبة المتضررة بالطعن بعد ترتيب نتائجها، فلا يوفر ضمانة جدية.
والأخطر أن البيان يعترف بأن المكتب السياسي قرر «صرف النظر» عن تظلمي بسبب نشر موقفي. أي إن التظلم لم يدرس في جوهره، ولم تتم الإجابة عن الخروقات المثارة فيه، بل عوقبت صاحبته على التعبير عنها.
فهل يصبح حق الطعن مشروطا بالصمت؟ وهل يجوز للجهاز المطعون أمامه أن يصرف النظر عن الطعن، ثم يتخذ في حق صاحبته قرارا يمس عضويتها دون استماع إليها أو تمكينها من الدفاع؟
ثامنا: إعلان التخلي عن الانتماء ليس جزاء يصدر دون ضمانات الدفاع
استند البيان إلى المادة 508 من القانون الداخلي، مع أن تنزيلها على وضعيتي محل منازعة جدية، فهي تتحدث عن المرشح الذي يرفض الموقع المحدد له في اللائحة أو يرفض التوقيع فيها، بينما لم أكن أمام حالة رفض موقع منح لي، بل أمام اعتراض على مسطرة ومعيار مالي سابقين على اختيار الوكيلة.
كما أن الحزب أعلن «تخليي عن الانتماء» دون استدعائي أو الاستماع إلي أو تمكيني من حق الدفاع، ودون سلوك مسطرة تأديبية تتوفر فيها الضمانات الأساسية.
ولا يستقيم أن يستشهد البيان باللجنة الوطنية للتحكيم والأخلاقيات بوصفها ضامنة للحقوق، بينما صدر القرار بهذه السرعة ودون تمكيني من الدفاع أمام أي جهاز.
تاسعا: العبارة المتعلقة باللباس والسفر تكشف تصورا مهينا للنساء
إن تصوير وكيلة اللائحة الجهوية بأنها، بمجرد التزكية، تستطيع تجهيز لباس افتتاح البرلمان أو السفر إلى إيطاليا وانتظار المقعد، ليس حجة قانونية ولا سياسية، بل خطاب تبخيسي يحمل نظرة نمطية ومهينة إلى النساء المستفيدات من آلية التمييز الإيجابي.
فالمرأة المرشحة ليست لباسا ولا حقيبة سفر، وليست متفرجة على مجهود الآخرين. وهي قادرة على قيادة الحملة وتأطيرها وتمويل جوانب منها والترافع عن الحزب ومراقبة الخروقات وتعبئة الناخبين.
والأشد تناقضا أن يدافع البيان عن المناصفة، ثم يستعمل صورا ساخرة تنتقص من النساء وتقدمهن كمنتفعات كسولات ينتظرن مقاعد مضمونة.
ثم إن المقعد الجهوي ليس «تعيينا» ولا يصبح مضمونا بمجرد التوقيع على التزكية؛ فهو مرتبط بنتائج الاقتراع وعدد الأصوات التي يحصل عليها الحزب وفق القواعد القانونية المنظمة للانتخابات.
عاشرا: لا أحد يملك احتكار الدفاع عن النساء
لا أنكر تاريخ الاتحاد الاشتراكي ولا أدواره في الدفاع عن حقوق النساء، وهو تاريخ ظللت أعتز به ودافعت عنه. لكن التاريخ لا يمنح حصانة للممارسات الحالية، ولا يجعل أي قيادة فوق النقد والمساءلة.
الدفاع السابق عن النساء لا يبرر اليوم وصف آلية تمكينهن بالريع، ولا ربط الاستفادة منها بالقدرة المالية، ولا إسكات مناضلة اعترضت على ذلك.
والوفاء الحقيقي لتاريخ الحزب لا يكون بالصمت على ما نعتبره انحرافا عن قيمه، وإنما بالدفاع عن تلك القيم، ولو كان لذلك ثمن شخصي.
صفوة القول،
لم أقل إن أعضاء اللجنة فاسدون، ولم أتهم شخصا بعينه بتلقي المال. قلت إن المسطرة، كما طبقت، جعلت المساهمة المالية معيارا في منح التزكية، وطلبت من المرشحات كتابة مبالغ مالية وتوقيعها، وهو ما أكده بيان رئيس اللجنة نفسه.
لم يكن اعتراضي ناتجا عن خسارة التزكية، فقد وقع داخل القاعة، قبل إعلان أية نتيجة.
لم أرفض دعم الحزب ماليا أو أدبيا؛ بل رفضت أن يتحول الدعم إلى تعهد مالي سري وموقع يعرض أثناء المداولات المتعلقة بالاختيار.
ولم أستهدف الحزب في تاريخه أو مناضليه، بل دافعت عن حقي في مساءلة مسطرة أعتبرها مخالفة للقانون الداخلي ولغاية التمييز الإيجابي وللقيم التي تعلمناها داخل الاتحاد نفسه.
أما التهديد بالانتصاف، فلن يمنعني من ممارسة حقي في التعبير والدفاع عن كرامتي وتوضيح الوقائع، مع احتفاظي بدوري بكامل حقوقي القانونية تجاه كل إساءة أو ادعاء أو تحريف لموقفي.
التاريخ النضالي لا يحمى بالصمت، والديمقراطية لا تختبر في قبول المديح، بل في القدرة على سماع النقد واحترام الاختلاف وضمان حق الدفاع.






