النقد حق.. لكن تحويل الفن إلى محاكمة أخلاقية ليس نقداً..
ليس المطلوب أن نتفق مع كل ما تغنيه الفنانة، ولا أن نعتبر كل عبارة ترددها فوق خشبة المسرح مقبولة بالضرورة. فمن حق الجمهور أن يعترض، وأن يناقش، بل وأن ينتقد مضمون الأغنية وأسلوب تقديمها.
لكن هناك مسافة كبيرة بين النقد وبين إصدار الأحكام الأخلاقية.
أن تقول إنك لم تحب العبارة، أو إنك ترى أنها لا تليق بفضاء معين، فهذا موقف يمكن مناقشته بالحجة. أما أن تنتقل مباشرة إلى اتهام فنانة بأنها «تخرب البيوت» أو «تشجع على الفسق»، فهنا لم نعد أمام نقد فني، وإنما أمام محاكمة أخلاقية لشخص بسبب كلمات أغنية.
والأخطر أن بعض هذا الخطاب يتعامل مع الجمهور وكأنه عاجز عن فهم الفرق بين أغنية شعبية وبين دعوة صريحة إلى تغيير نمط حياته. هل كل من ردد العبارة في الحفل كان يعلن رفضه للزواج؟ وهل كل من ضحك ورقص معها كان يعلن حرباً على الأسرة؟ وهل يمكن فعلاً اختزال موقف الإنسان من الزواج والأسرة في جملة غنائية تُردد وسط أجواء الاحتفال؟
ثم إن عبارة «زواج القهرة» نفسها تفتح نقاشاً مختلفاً تماماً. فرفض الزواج الذي يقوم على الإكراه والتعاسة ليس رفضاً للزواج، كما أن تفضيل الفرح على القهر لا يعني بالضرورة الدعوة إلى الانفلات الأخلاقي. يمكن للمرء أن يختلف مع طريقة التعبير، لكن تحميل العبارة أكثر مما تحتمل هو أيضاً نوع من الظلم.
المشكلة إذن ليست في أن ننتقد الفنانة؛ المشكلة في الطريقة التي ننتقد بها. فالمجتمع الذي يريد حماية الأسرة وتقوية القيم لا يحتاج إلى حملات تشهير، وإنما يحتاج إلى نقاش هادئ يفرق بين الحرية الفنية والمسؤولية، وبين الاختلاف في الذوق وبين الاتهام الأخلاقي.
ومن حق الفنان أن يُسأل عما يقدمه، ومن حق الجمهور أن يرفض ما لا يعجبه، لكن ليس من حق أحد أن يحول اختلافاً حول كلمات أغنية إلى حكم على أخلاق امرأة أو إلى اتهامها بأنها تهدم أسر الناس.
النقد حق، والاختلاف حق، والاعتراض حق أيضاً. لكن حين يتحول النقد إلى تجريح واتهامات بلا دليل، فإننا لا ندافع عن القيم، بل نُفسد حتى الطريقة التي نتحدث بها عن تلك القيم.






