أصدرت مجموعة "فناير" الموسيقية بلاغا توضيحيا عبر حساباتها الرسمية على إثر موجة الغضب والانتقادات الواسعة التي أثارتها أحدث أعمالها الغنائية المعنونة بـ "مروكية".
ولعل النقطة الأهم والمثيرة التي ينبغي الرد عليها في البلاغ هي تأكيد المجموعة أن اختيار عنوان "مروكية" جاء تعبيرا عن الانتماء الخالص للمغرب والاعتزاز بالهوية والثقافة المغربية.
جيد.
الانتماء الخالص للمغرب والاعتزاز بالهوية والثقافة المغربية يفرض الإلمام بمفهوم التراث الثقافي للشعوب عموما، ويقتضي المعرفة العلمية الدقيقة بمعنى الهوية والثقافة المغرببة.
فالتراث الثقافي في تعريفه، هو مجموع الأصول والخصائص المادية وغير المادية الموروثة عن الماضي، والتي تنتجها المجتمعات وتعتبرها جزءاً من هويتها وذاكرتها الجماعية عبر مسار تاريخي موثق وأصيل.
أما الهوية الثقافية المغربية، فهي النسق الحضاري والتاريخي واللساني المتكامل الذي يربط المغاربة بأرضهم ومؤسساتهم عبر العصور، استنادا إلى مرجعيات تاريخية ومعاجم وطنية ثابتة تعتمد بشكل حصري على تسميات تراثية متعارف عليها، تدل على الانتماء.
وعلى هذا الأساس، توجد هوة فاصلة بين كلمات من قبيل "مروكي" و "مروكية" و"مراركة"، وبين الموروث الأصيل، والتسميات الأصيلة المرتبطة بالهوية الثقافية المغربية للاعتبارات التالية.
فمن خلال العودة إلى المعاجم الرسمية والمدونات التاريخية والأدبية المغربية الأصيلة سواء في العربية الفصحى أو الأمازيغية أو في التراث اللساني المحلي الدارج، لا توجد أصول لمصطلحات مروكي أو مروكية أو مراركة باعتبارها كلمات تراثية أصيلة تعبر عن الهوية وتعتز بالانتماء إلى الوطن.
فالتسميات التاريخية والرسمية والشعبية المعتمدة طوال القرون للدلالة على المواطن والانتماء هي: مغربي، مغاربة، مغربية، مقترنة بالأسماء التاريخية للدولة مثل الإمبراطورية الشريفة أو المملكة المغربية الشريفة..
إن كلمات "مروك" و"مروكي" و"مروكية" هي تحريف استعماري لاسم الدولة، وقد شاعت في سياقات سياسية وإعلامية حديثة، وحين وُظفت في بعض السياقات المرتبطة بالشجارات الإعلامية عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي، جاءت محملة بدلالات استهزاء أو تقليل من الشأن، مما ينافي تماما طبيعة التراث الثقافي الذي يُفترض أن يعبر عن الاحترام والاعتزاز بالهوية.
ثم إن تداولها عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي جاء بتأثير من ثقافة الشارع الوافدة من خارج الحدود، وليس تداولا موروثا أنتجه المجتمع المغربي في مجاله الحيوي أو عبر تاريخه الثقافي والفني العريق.
إن محاولة تسويغ ألفاظ الشارع المستحدثة هذه، تحت غطاء التعبير الشبابي أو حسن النية تعكس خلطا واضحا بين الغاية الذاتية للفنان وبين سلامة المصطلح، وتؤدي عن غير قصد إلى شرعنة ألفاظ مسيئة وتطبيعها داخل المشهد الفني والثقافي.
وإن تبرير استخدام هذه الألفاظ تحت غطاء التراث أو المحلية هو تبرير يقع في التباس بين ما هو تداول لتعابير دخيلة لا صلة لها بالتراث الثقافي الوطني الحقيقي.
وعندما تدافع المجموعة عن عنوان أغنيتها بأن الغاية من ذلك هي "الاعتزاز بالوطن"، فهذا دفاع يتعلق بالنية الذاتية للفنانين، ولكنه لا يغير من الطبيعة اللسانية والدلالية للمصطلح شيئا.
فالرغبة الصادقة في حب الوطن يجب أن تترجم عبر القنوات اللغوية السليمة والمحترمة لهوية البلد وتاريخه، لا عبر تبني ألفاظ ومفردات جرى تكريسها تاريخيا خارج إطار الاعتزاز بالوطنية بالنظر إليها كألقاب استخفاف واستهزاء في حق المواطنين المغاربة..
وإن تكرار هذه الألقاب في الأعمال الفنية وتقديمها تحت غطاء التعابير الشبابية الحديثة، يساهم، عن غير قصد، في شرعنة مفردات دخيلة وتطبيعها داخل المشهد الثقافي.
بناء على كل هذا، يظل التبرير القائم على نسب كلمة "مروكية" للهوية والتراث وللاعتزاز بالوطن، هو تبرير في غير محله علميا وتاريخيا، لأن التراث الحقيقي يصونه أهله بلغتهم الأصيلة وتسمياتهم العريقة والموثقة، لا بالألفاظ الوافدة التي جاءت في سياق توترات ومشاحنات لفظية حديثة محملة بمعاني التحقير.
وهذا ما كان.






