رأي

جواد مامون: أزمة الديمقراطية المعاصرة.. جدلية الانتخابات وظاهرة العزوف

إن الديمقراطية كفلسفة حكم ونظام سياسي لا يمكن أن تستقيم أو تحقق غاياتها إلا عبر آلية الانتخابات الفعالة، والتي تمثل حجر الزاوية في بناء دولة المؤسسات وتداول السلطة سلميا. فالانتخابات ليست مجرد إجراء شكلي ينتهي بفرز الأصوات، بل هي العقد الاجتماعي المتجدد الذي يمنح الشرعية للمؤسسات الحاكمة، ويتيح للمواطنين فرصة حقيقية للمحاسبة الدورية وتوجيه السياسات العامة بما يخدم المصلحة العليا للمجتمع. 

ومع ذلك، تشهد الممارسة الديمقراطية المعاصرة تراجعا مقلقا يتجسد في ظاهرة العزوف الانتخابي، حيث باتت صناديق الاقتراع تشكو من هجرة كتلة ناخبة واسعة، لاسيما في صفوف الشباب. هذا العزوف لا يأتي من فراغ، بل هو نتاج أزمة ثقة عميقة بين المواطن والمنظومة الحزبية، بسبب تكرار الوعود دون تحقيقها على أرض الواقع، وتشابه البرامج السياسية التي لم تعد تلامس الهموم اليومية والانتظارات الحقيقية للشعوب، مما يولد شعورا عاما بجدوى المشاركة. 

إن مواجهة هذا التحدي تستدعي تجاوز الحلول التقليدية والعمل على صياغة تعاقد سياسي جديد يعيد الاعتبار لصوت المواطن كأداة للتغيير الفعلي. ويمر هذا المسار حتما عبر تجديد النخب السياسية، وتطوير قنوات التواصل باستخدام التكنولوجيا الحديثة، فضلا عن تعزيز الوعي السياسي وتأكيد الرابط المباشر بين المشاركة الانتخابية وتحسين جودة الحياة اليومية في مجالات التعليم، الصحة، وفرص الشغل. 

وأمام هذا الواقع المعقد، تفرض جملة من الأسئلة الجوهرية نفسها لفتح نقاش جاد وعميق، فهل يعد العزوف عن صناديق الاقتراع دليلا قاطعا على فشل المنظومة الحزبية التقليدية أم أنه يمثل شكلا جديدا من أشكال التعبير السياسي البديل، وكيف يمكن للمؤسسات المعنية إعادة صياغة الخطاب السياسي ليكون جاذبا ومقنعا لفئة الشباب بأن صوتهم يصنع الفارق الفعلي، وإلى أي حد يمكن للرقمنة والآليات الحديثة مثل التصويت الإلكتروني أن تساهم في تجاوز هذه الأزمة ورفع نسب المشاركة السياسية مستقبلا؟ 

وتأسيسا على ما سبق، يمكن القول إن تجاوز أزمة العزوف الانتخابي ليس مسؤولية جهة دون أخرى، بل هو رهين بإرادة جماعية حقيقية تعيد صياغة العلاقة بين المواطن ومحيطه السياسي بناء على المصلحة العامة المشتركة. إن تحصين الديمقراطية وحمايتها من التراجع يتطلب بالضرورة الانتقال من منطق التدبير الموسمي للعمليات الانتخابية إلى منطق البناء المستدام للمواطنة الواعية والمسؤولة، وهو ما لن يتحقق إلا بجعل صناديق الاقتراع وسيلة حقيقية لترجمة تطلعات الشعوب وتأمين مستقبل الأجيال القادمة.