تأسيسا على ما ذُكر، واستحضارا لمجموعة من العناصر، تتوزع على ما هو دستوري/ قانوني، وما هو سياسي، أُدلي - في إطار النقاش الفقهي الدائر - بالملاحظات الآتية:
1/ نتساءل بداية وَفقا للآتي:
- أنَّى/ كيف لرئيس مجلس النواب أن يُحيل نصا قانونيا على المحكمة الدستورية، والحال أنه لم يَستوف مسطرته التشريعية، ويطلب منها البت في دستوريته ؟!
- بِمعية رئيس مجلس النواب مستشارون قانونيون يُفترَض أن يُنَبِّهوه على مثل هذه الأخطاء التي قد تُرتَكب أثناء ممارسة الصلاحيات الدستورية، خاصة تلك المُتصلة بالعمل التشريعي، إذا سلَّمنا أننا أمام مؤسسة البرلمان يُسميها الباب الرابع من الدستور بالسلطة التشريعية.
- ألم يَنتبه رئيس مجلس النواب، طَوال مدة شهر، لهذا الخطأ الإجرائي فيُبادر بمراسلة المحكمة الدستورية لتصويب مسطرة الإحالة حتى تستقيم هذه الأخيرة، لينتقل القاضي الدستوري- بعد ذلك - إلى فحص الجوهر بدل التوقف عند هذا العُوار/ العيب الشكلي الذي حَجب الرؤية عن المضمون؟!
- ألم يكن حَريا برئيس مجلس النواب أن يَتفطَّن لهذا العيب الإجرائي حينما طالبته المحكمة الدستورية بموافاتها بملاحظات أعضاء المجلس الذي يترأسه؟!
- أليس حريا برئيس مجلس النواب أن يُعيد الإحالة للمرة الثانية، وعلى وجه الاستعجال، حتى يتدارك الخطأ الحاصل من جهة، ويُعبر عن حسن النية من جهة أخرى؟!
- في نفس السياق، ألم يكن حريا بالمحكمة الدستورية أن تُنبِّه جهة الإحالة على النقص الحاصل في ملفها للتدارك، لتستقيم بذلك المسطرة فتنطلق إلى فحص دستورية مواد القانون، مُتجاوِزة هذا "الاختناق" الذي تسَبب فيه الشكل؟!
- ألم تطلب المحكمة الدستورية من رئيس مجلس النواب موافاتها بملاحظات أعضاء المجلس حول النص القانوني المراد فحص دستوريته؟ فأي نص كانت تقصده المحكمة الدستورية؟ ألا يُعَد هذا قبولا ضمنيا بالنص الذي بين يديها؟
- أليس طلبُ المحكمة الدستورية من رئيس مجلس النواب موافاتها بنسخة قانون المحاماة، كما وافق عليها مجلس المستشارين في إطار القراءة الثانية، أَولى من طلبِها منه موافاتها بملاحظات أعضاء المجلس حول النص؟ فالأصل مُقَدَّم عن الفرع، وما لا يَنعقد الواجب إلا به فهو واجب.
- ألم تشتغل المحكمة الدستورية بنفس صيغة نص قانون المحاماة - كما أُحيلت - مع قانون المسطرة المدنية؟ أين مبدأ القياس؟
- هل كان من الضروري أن تنتظر المحكمة الدستورية شهرا كاملا، غيرَ منقوص، حتى تقول أنها لم تتوصل بالنص المُستوفي مسطرتَه التشريعية، المُؤهل بالتالي لفحص دستورته؟!
2/ إن قضاء المحكمة الدستورية بتعذر البت لا يعني قضاءها بالدستورية أو عدم الدستورية، أو أن هذا القانون قد "انسلخ" من إمكانية عرضه على الرقابة الدستورية مرة أخرى. فالقانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة لم تُفحَص دستوريته بعدُ، وعليه، لا يجوز التحجّج بقاعدة " عدم قابلية قرارات المحكمة الدستورية للطعن، وإلزامها لجميع السلطات العامة وجميع الجهات الإدارية والقضائية " مُبرِّرا لعدم إحالته للمرة الثانية للبت في دستوريته. فتعذر البت كان لسبب إجرائي لم تتمكن المحكمة الدستورية معه النفاذ إلى جوهر النص الذي لا يزال دون فحص للدستورية.
3/ يجوز لجميع أصحاب الصفة في إحالة القوانين ( الملك، أو رئيس الحكومة، أو رئيس مجلس النواب، أو رئيس مجلس المستشارين، أو خُمس أعضاء مجلس النواب، أو أربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين ) أن يُحيلوا هذا القانون على المحكمةالدستورية مرة أخرى لفحص دستوريته، شريطة التقيد بملاحظة المحكمة الدستورية المتمثلة في ضرورة إرفاق الملف بالنسخة، كما وافق عليها مجلس المستشارين في إطار القراءة الثانية، طالما أن هذه النسخة هي التي ستكون محل الرقابة. ومن وِجهة نظري، أن تكون هذه الإحالة الثانية من طرف رئيس مجلس النواب نفسه، لمسؤوليته الأخلاقية وللبَرهنة عن حسن النية، والرغبة الصادقة في تدارُك الخطأ الحاصل في عملية الإحالة.
4/ بمَقدور رئيس الحكومة "رَفع الحرج" بإحالة هذا القانون للمرة الثانية على المحكمة الدستورية لفحص دستوريته. فمن جهة، النص في أصله مشروعُ قانون، أي أن المبادرة بشأنه حكومية، وبالتالي أول من يتعين أن يَتحرَّى دستوريته هو رئيس الحكومة. بل ونرجو أن تكون هذه الإحالة على وجه الاستعجال، حتى يُخَفَّض الأجل من شهر إلى ثمانية أيام، إذا علِمنا أن مُكنة طلب التخفيض ليست مُخولة إلا للحكومة.
بل الأكثر من ذلك، يُعَد هذا القانون، كغيره من القوانين، آلية مهمة لتنزيل السياسات العمومية، وحُسن تطبيق البرنامج الحكومي، طبقا للفصل 89 من الدستور الذي ينص على أن الحكومة تعمل على تنفيذ القوانين وعلى حُسن تنزيل البرنامج الحكومي، تحت سلطة وإشراف رئيس الحكومة، والإدارة موضوعة رهن تصرفها.
بل وحتى من حيث المسؤولية الحزبية، وطالما أن رئيس الحكومة له نفس اللون السياسي لرئيس مجلس النواب الذي جانَب الصواب في مسطرة الإحالة، تبقى إحالة رئيس الحكومة لهذا القانون على المحكمة الدستورية نوعا من ردّ الاعتبار وتخفيفا للمسؤولية الأخلاقية والسياسية للحزب السياسي الذي ينتمي إليه كل من رئيسَي الحكومة ومجلس النواب.
بل إن إقدام رئيس الحكومة على إعادة إحالة قانون المحاماة على المحكمة الدستورية لفحص دستوريته، سيكون ترجمة فعلية لمنطوق الفصل الثاني من الدستور الذي ينص على أن السيادة للأمة، تمارسها مباشرة بواسطة الاستفتاء (الدستور)، وبصفة غير مباشرة عبر ممثليها (القوانين/ قانون المحاماة نموذجا عبر البرلمان). أي لا مندوحة عن إخضاع الأسلوب غير المُباشِر لممارسة السيادة لِنظيره المباشِر.
كما أن "الورَع السياسي" يقتضي النَّأي بجميع القوانين، خاصة المؤثرة في الحياة العامة للمواطنين، عن شُبهة عدم الدستورية.
5/ يبقى أمام أصحاب الصفة في الإحالة أجل مفتوح من أجل إعادة الإحالة، وذلك إلى ما قُبيل إصدار الأمر بالتنفيذ من طرف الملك طبقا للفصل 50 من الدستور. فأجل سريان إصدار الأمر بالتنفيذ المحدد في ثلاثين يوما، يبتدئ من تاريخ تمام الموافقة على النص القانوني وإحالته على الحكومة، لم يعد مُتوقِّفا طالما أن المحكمة الدستورية قد قضت بتعذر البت، وبالتالي شروع عداد الثلاثين يوما في الاحتساب من تاريخ صدرور قرار المحكمة الدستورية. (قد يأخذ اتجاه فقهي آخر بتاريخ النشر بالجريدة الرسمية بدل تاريخ مجرد الصدور).
6/ أمام الملك ثلاثة سيناريوهات بشأن القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة:
- إما أن يُصدِر الأمر بتنفيذه طبقا للفصل 50 من الدستور، ويُنشَر بعد ذلك بالجريدة الرسمية ليَشرع في إنتاج آثاره القانونية ؛
- إما أن يَطلب بشأنه قراءة جديدة إعمالا للفصل 95 من الدستور بخطاب يُوضح فيه جلالته مكامن الخلل ومداخل الإصلاح والتصويب. فالملك - بموجب الفصل 42 من الدستور- هو الحامي الأول للوثيقة الدستورية، وللحقوق والحريات الأساسية قبل المحكمة الدستورية أو أي جهة إدارية أخرى كانت أم قضائية. فاحتمال تدخُّل الملك وارد من أجل إعادة النظر في قانون المحاماة ؛
- من حق الملك دستوريا أن يُحيل هذا القانون على أنظار المحكمة الدستورية للبت في دستوريته، طالما أن هذا القانون من زُمرة القوانين العادية التي يُعد الملك أحد أصحاب الصفة في إحالتها طبقا للفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور.






