لا شك أن العالم موحد و متضامن ، و يجب أن يظل كذلك ، و هو يواجه موجات متجددة من الإرهاب تقف وراءها حركات و جماعات متطرفة ، فاشية و رجعية ، في الشرق كما في الغرب ، تتغذى من إيديولوجيات عدمية ، دينية و سياسية تتوسل إلى العنف "للتعبير و التغيير" ، و هو أمر مرفوض و مدان ، و يجب تعبئة كل إمكانيات العالم ، الأمنية و الاستخباراتية و اللوجيستيكة و البيداغوجية لمواجهته و التصدي له و تجفيف منابعه و استئصاله .
بالإضافة لعدة مناطق حدودية و غير حدودية وقع ذكرها في مداخلات سابقة ،فإن منطقة الساحل و الصحراء الكبرى بالغرب الإفريقي هي اليوم إحدى أخطر مناطق العالم من حيث تحولها إلى بؤرة لصناعة الإرهاب و اقترافه و تصديره و للأنشطة غير المشروعة كتهريب السلاح و الاتجار بالبشر و بالمخدرات ، و للااستقرار و اللاأمن ..مما يفرض على القوى الدولية ، بالنظر لشساعة المنطقة و تعقد الأوضاع فيها ، المزيد من التعاون الأمني و العسكري و المعلوماتي لتجفيفها من هذه الحركات و التحركات الإرهابية و الأنشطة غير المشروعة.
شكل و يشكل إرهاب الجماعات و الحركات السياسية و الدينية خطرا حقيقيا على الأمن و السلم و الاستقرار ، و قد أبان التعاون بين الدول و أجهزتها الأمنية على نجاعته في التصدي له ..
و لكن ، إذا كان الإرهاب "إرهاب دولة " كما صار تنعت بذلك تصرفات و ممارسات دول تتصرف بغطرسة و خارج قواعد القانون الدولي ، و تعتدي على سيادة دول أخرى ، في محاولة لتغيير أنظمتها ، أو الاستحواذ على خيراتها ، أو حتى "ضمها" / إعادة استعمارها ..
"إرهاب الدولة" هذا ، هو أكبر خطر يتهدد عالم اليوم ، أيا كانت المسميات التي يريد أن يتدثر بها .
لأنه يريد بسط اليد الواحدة و فرض الأحادية المطلقة على العالم ... أي الفاشية.
لقد علمنا منطق التاريخ و الطبيعة و الجيوفيزياء بأن الضامن لاستمرار الكون و العيش المشترك فيه هو التوازن ، توازن القوى ، توازن الظواهر ، توازن الأوزان و الألوان ، توازن المصالح ، توازن الحرب و السلم ..و توازن الأنا مع الآخر .
توازن لا يلغي التنافس و لا حتى الصراع ، و لكن يضمن استمرار و استقرار الجميع .
إن الدعوة لعودة التوازن عبر التعدد القطبي ، ليست دعوة ساذجة لاعتماد ثنائية الخير / الشر ، الظلام / النور ، التقدم / التقهقر ، الأمل/ اليأس ، الشرق/ الغرب ...إلخ .
نهائيا .
إن الأمر ليس أبدا بهذه التبسيطية .
العالم جد مركب و معقد ، و على نخبه و قادته و ساسته و مثقفيه أن يتعودوا على التفكير بما يقتضيه هذا التعقيد s"habituer à la complexité جوهر فكر فيلسوف فرنسا الكبير Edgar Morin ، Edgar nahoum de son vrai nom.
إن ما يعيشه عالم اليوم ، ليس وليد اليوم ، كما تذهب إلى ذلك بعض التحليلات .
و بالنظر لمقدماته و مؤشراته التي أطلت برأسها منذ على الأقل النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، فقد وقع الانتباه العميق إليه من قبل أحد كبار فلاسفة القرن العشرين Bertrand Russel ، 1872 1970 ، جائزة نوبل للآداب 1950 .
فقد ورد في إحدى أشهر محاضراته بأمريكا سنة 1922 بأن "أمريكا ستضع العالم أمام كابوس مخيف و حروب مدمرة ، و أن أسلوب فرض العقوبات ، و قطع الإمدادات ، و التهديد و الوعيد ، هو الأسلوب الذي ستستخدمه مع الدول التي لن تسير على هواها ، و أن لغة المال ستصبح هي اللغة الأولى لدى أمريكا التي ستمارس سياسة إمبريالية تسعى من خلالها إلى السيطرة على الدول و التحكم في اقتصاديات الشعوب ..".
سيكون من باب إحراق العالم الدعوة إلى معاملة بالمثل .
و لكن ..
لكن إذا كان العالم ذاهب فعلا نحو إعادة تشكل ، و حتى إلى إعادة رسم خرائطه ، فإن الدعوة إلى إعادة تشكيله على قواعد القانون الدولي و إشاعة مبادئ التضامن و التوازن و سيادة الدول و كرامة الشعوب و التوزيع المتوازن لثروات الكوكب و حماية هذا الأخير من الاندثار و الأمن و السلم العالمي و الاحترام المتبادل ...بما يضمن عيشا مشتركا تذوب معه مظاهر الكراهية و التطرف و الاستغلال و الغطرسة و العنصرية
هذه الدعوة ستظل قائمة و يجب ذلك.
أعتقد بأنه بهذا المعنى و المبتغى يمكن لهذا المنتدى أن يشكل حلقة مهمة في مسار النضال من أجل عالم آخر .
إذا كانت ملامح عالم اليوم ، في منطقة حساسة من الكرة الأرضية، قد تولدت عن اتفاقية سنة 1916 بين رجلين ، مارك سايكس( بريطانيا) ، و فرانسوا جورج بيكو( فرنسا) ، لتقسيم تركة الدولة العثمانية في المشرق العربي ، فإنه من غير المقبول أن يجتمع اليوم في شخص واحد سايكس و بيكو و حتى روسيا القيصرية ( راعية اتفاقية سايكس بيكو/ مكر التاريخ) ، و يغامر وحيدا في مخاطرة كبيرة لاعادة تشكيل العالم وفقا لمصالح قطب ، بل دولة واحدة ، لدرجة أن سمعنا بمحاولة محو أو شراء أو ضم أو تقسيم دول ..
إنه خطر محدق حقيقي ، و لا يمكن تصور أن كل بقية دول و شعوب العالم قد ترضاه أو تقبل به.
و ختاما ، و بالعودة للفيلسوف Bertrand Russel ، فقد منع بعد محاضرته الشهيرة من إلقاء محاضراته بالجامعات الأمريكية...و لما دنى موعد أجله أوصى بأن يكتب على شاهدة قبره " لم يحب أمريكا، و لم يكتب كتابا واحدا عنها" .
شكرا على حسن إصغاءكم.
بعد توزيع نسخ من البيان الختامي باللغات التي اعتمدها المنتدى ، إنجليزية ، برتغالية و روسية ، انعدقت جلسة ختامية لعرض خلاصات ورشات العمل و البيان العام على المصادقة .
توقعت أن يطلب ممثل البوليساريو الكلمة ، و لكنه لم يكن هناك أصلا...و حتى من عبروا عن رغبتهم في ذلك لم تسعفهم رئاسة الجلسة.
صودق بالإجماع.
بعدها سيجتمع ممثلو الوفود الفلسطينية (كانوا ثمانية) و ممثلو وفود لبنان و سيصيغون تعديلات تعدل ما اعتبروه مواقف تضمنها البيان لا ترقى لحجم القضية / المأساة الفلسطينية، و ما يعيشه لبنان .
و لكن الأمور كانت قد حسمت .
انتهت فعاليات المنتدى السياسية..
فصل آخر لا يقل أهمية سيبدأ .
إلى حلقة أخرى.






