وسيظل مداد قراءة و تحليل ما حدث سائلا ، و لن يجف بين عشية وضحاها ، لأن ما حدث كان استثنائيا في توقيته، كما في عدد المواطنات والمواطنين الذين شاركوا فيه ، و الفئات العمرية التي خاطرت بأرواحها غير عابئة بأمواج البحر التي لن تنظر إليهم بعين الشفقة ، ولن تتضامن معهم/ن ، بل ستبلعهم/ن ، وهو ما حصل للكثير منهم/ن ،لتقدمهم/ن قربانا لساكنة البحر و المحيط ، ومن نجى ووصل حيث كان يحلم سيكون على موعد قسوة المحن التي سيعيشها هناك.
لم تكن سبتة المحتلة بالنسبة للكثير ممن غامروا بأرواحهم/ن إلا محطة أولية للعبور نحو باقي دول القارة العجوز ، حيث الكرامة تصان ، والمستقبل مؤمن ، علما بأن أوربا الأمس توجد على مسافة ضوئية من أوربا اليوم . واقع معقد لا تغيب الكثير من تفاصيله عن شبابنا و أطفالنا الذين يشعرون بالغربة في وطنهم/ن، و لهذا سيفضلون ركوب الأمواج.
إن السؤال الذي يجب أن يحظى بنقاش عميق وفائض من الاجتهاد هو، كيف أن المغاربة الذين تعايشوا مع قطران وطنهم وقبلوا به ، ووقفوا سدا منيعا في وجه عسل غير بلدهم ، أضحوا اليوم يبحثون عن قطران باقي البلدان ولو كان أشد مضاضة من قطران بلدهم ؟
لا يختلف اثنان بأن غالبية المغاربة يعيشون أوضاعا صعبة على أكثر من مستوى. تعليم في الحضيض و يغادره سنويا حوالي 300 ألف تلميذ(ة) بدون شهادة تسمح لهم/ن ولوج سوق العمل.... الصحة تم تسليعها ولم تعد المستشفيات تحمل من العمومية إلا اليافطة الخارجية ... سوق الشغل شبه مغلقة أبوابه و منافذه.... مؤسسات التنشئة الاجتماعية جرفت أدوارها سيول التكنولوجيا الحديثة في شقها المظلم الذي يقبض أنفاس الصغار والكبار على طول اليوم .... منظومة القيم انهارت ... الشارع بعلله و أمراضه لم تعد له هو نفسه ، القدرة على استيعاب أمواج الشباب والأطفال الذين يتدفقون عليه ... العمل الحزبي و النقابي والمدني وصل للباب المسدود ، بل أصبحت هذه المؤسسات التي كان لها الفضل في تأطير المجتمع ، عبئا ثقيلا على البلاد .... المؤسسات المنتخبة رسخت صورة قاتمة عند المغاربة... في جملة قصيرة ، بلادنا تعيش أزمة الثقة التي ارتفع منسوبها في السنوات الأخيرة ، فكان العبور الأخير نحو سبتة المحتلة إلا التجلي البارز للعيان لشكل من أشكال هجرة الوطن .
إن ملايين المواطنات والمواطنين الذين لم يقبلوا على مكاتب التسجيل باللوائح الانتخابية، و لم يشكل الحدث انشغالا كبير على أجندات مختلف المتدخلين، أليس هذا النفور من المساهمة في ورش البناء الديمقراطي هجرة غير نظامية من نوع آخر ؟ و من هم/ن مسجلون بهذه اللوائح لماذا نسبة عالية منهم/ن لم تكلف نفسها سابقا أدنى عناء لزيارة مكاتب التصويت و لن تكلفه يوم 23 شتنبر القادم؟ ماذا نسمي هذا غير أنه هجرة غير نظامية نحو المجهول ؟
إن ما حصل نهاية شهر يوليوز الأخير بحزمة تداعياته ، والهروب بالحجم و العدد الكبيرين من المساهمة في افراز مؤسسات منتخبة لها من الشرعية و المصداقية ما يسمح لها بالتفاعل مع قضايا الأمة المغربية ، هو عنوان كبير يختزل أزمة الثقة التي تجعل المغربي(ة) يختار شكلا من أشكال الهجرة غير النظامية ، غير عابئ بالنتائج التي يمكن أن تترتب عنها ، وهنا تكمن الخطورة .
لذلك المطلوب اليوم هو تعبئة كل الطاقات والامكانيات لصيانة كرامة المواطن(ة) بسن سياسات عمومية قائمة على المقاربة الحقوقية التي تنتصر للإنسان . إن السياسة الحقيقية هي سياسة الحقيقة كما عبر عن ذلك الشهيد المهدي بن بركة ذات زمان. نعم المغرب " جبل ما يهز ريح " ، على حد قول الشهيد ياسر عرفات ، و قامته تُرى من بعيد لأنها سامقة ، ولكن الحفاظ على هذه الصورة التي ثبّت أسسها مغاربة الأمس ، من مسؤولية صناع القرار بهذا البلاد ، المطالبين اليوم أكثر من أي وقت مضى توفير البيئة الحاضنة للأمل ، الطاردة للألم ... ألم الهجرة غير النظامية بكل أشكالها و أنواعها.
رحم الله من ابتلعهم/ن البحر و هم/ن يركبون أمواجه العاتية في عبور غير نظامي بعد أن ضاقت بهم/ن سبل العيش هنا، و اسْودَّ المستقبل أمامهم/ن، ولكن علينا جميعا أن نتمسك بخيوط الأمل في وطننا ، ورحم الله من قال " اللهم قطران بلادي ولا عسل البلدان" .






