مجتمع وحوداث

مي عايشة … والدولة الاجتماعية

عبد الرفيع حمضي

في بداية السبعينيات، بوزان، كنت تلميذا في مدرسة الحدادين، التي أصبحت اليوم تحمل اسم «المصلى». كانت مدرسة عمومية مثل غيرها من مدارس ذلك الزمن، يدخلها أبناء المدينة باختلاف أسرهم وأحوالهم.َ

في بداية الموسم الدراسي، وأنا بالقسم الثاني، سألنا المعلم من يريد أن يتناول وجبتي الفطور والغداء في مطعم المدرسة مجانا هذه السنة. رفعت يدي وسجلت اسمي. لم تكن حينها في حاجة لا لشهادة الاحتياج ولا إلى تصريح المقدم.

في اليوم نفسه، أخبر المعلم والدي سي عبد العزيز رحمه الله. وعندما عدت إلى البيت سألني: لماذا سجلت نفسك في المطعم؟ أجبته بكل براءة: لأنني أحب «الكومير»، ذلك الخبز الأبيض الذي كان يقدم هناك، بينما كنا في البيت نأكل خبز القمح منتوج والدي من فلاحته.

فسحبني والدي من اللائحة. كنت أريد «الكومير»، بينما كان المطعم مخصصا لمن يحتاج إليه فعلا.

وكانت هناك أم عايشة .

أم عايشة وما أدراك ما أم عايشة… رحمها الله. كانت سيدة المطبخ تدبيرا وطبخا وتوزيعا، لكن المدرسة كلها كانت تعرفها لأن جودها كان يشمل الجميع: المسجلون بالمطعم، والمتسللون مثلي .

كانت جزءا من المدرسة وذاكرتها، مثل المعلمين والساحة والأقسام والجرس.

بعد أكثر من نصف قرن، عندما أستعيد مدرسة الحدادين وأم عايشة و«الكومير»، أكتشف أن الحكاية لم تكن في الحقيقة حكاية مطعم مدرسي، بل كانت حكاية شيء نسميه اليوم: الدولة الاجتماعية.

لم نكن نعرف المصطلح، ولم نكن نناقش تعريف الدولة الاجتماعية في العلوم السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية. لكن المدرسة العمومية كانت تجمع أبناء الموظف والتاجر والفلاح والعامل والأسر محدودة الدخل في القسم نفسه، أمام المعلم نفسه، وفي الساحة نفسها. ولم يكن هناك تعليم خاص، وعندما ظهر كان لمن لم يستطع أن يساير بالعام.

وكانت المدرسة أكثر من مكان للتعلم. فيها مطعم لمن يحتاج إليه، وممرض دائم يقدم العلاجات والإسعافات الأساسية، وفي مستوصف المدينة ومستشفاها خدمات مخصصة للتلاميذ. ومن يتجه إلى التكوين المهني كان بإمكانه الاستفادة من مساعدات عينية تعين أسرته حتى يتابع تكوينه.

ثم كبرنا ووصلنا إلى الجامعة، فوجدنا الدولة هناك أيضا. كانت المنح الجامعية متاحة على نطاق واسع، واستفدنا منها. درسنا بالمنحة، وعشنا بها سنوات الجامعة، وتخرجنا بفضل المنحة العمومية. لم تكن الدولة تسأل الطالب في كل مرحلة من مساره ماذا يستطيع أن يدفع، بل كانت تعتبر أن تمكينه من مواصلة دراسته استثمار فيه وفي مستقبل البلد.

وإذا مرض أحدنا، فكان الطريق الطبيعي هو المستشفى العمومي. لم يكن المريض مطالبا بأن يثبت أولا أنه فقير ليستحق العلاج. تجار المدينة وفلاحوها وموظفوها وفقراؤها كانوا يلجون المرفق نفسه. لم تكن الصحة العمومية خدمة للفقراء، بل كانت خدمة عمومية للجميع.

اليوم نتحدث، بحق، عن الدولة الاجتماعية. لدينا برامج للحماية الاجتماعية، وتغطية صحية، ودعم مباشر، ومجهودات في التعليم والصحة والحماية من الهشاشة. ونتحدث، باعتزاز مشروع أيضا، عن اقتصاد صاعد، وعن نسب نمو واستثمارات وبنيات تحتية كبرى، وعن مغرب تغير كثيرا مقارنة بما كان عليه قبل نصف قرن.

لكن المفارقة تبدأ عندما ننتقل من الأرقام إلى حياة المواطن.

فثمة إجماع اليوم على أن ثمار النمو لا تصل بالقدر نفسه إلى الجميع، وأن المواطن العادي لا يشعر دائما في حياته اليومية بما تعلنه مؤشرات الاقتصاد. وهنا يصبح السؤال عن الدولة الاجتماعية أكبر من سؤال المساعدات والتحويلات المالية.

الدولة الاجتماعية ليست فقط أن نحدد الفقير ثم نقدم له دعما. إنها أيضا، وربما أساسا، أن نبني مدرسة عمومية جيدة لا يضطر من يستطيع إلى الهروب منها، ومستشفى عموميا محترما لا يصبح اللجوء إليه مرتبطا فقط بمن لا يستطيع العلاج في مكان آخر، وجامعة عمومية تفتح أبواب الارتقاء الاجتماعي أمام أبنائها، ومرافق وخدمات يشعر المواطن من خلالها أن جزءا من ثمار النمو يعود إليه.

ولا يتعلق الأمر بالحنين إلى السبعينيات، ولا بعقدة العصر الذهبي، ولا بالقول إن الماضي كان أجمل في كل شيء. المغرب تغير، وعدد سكانه تضاعف، والمدن اتسعت، والحاجيات أصبحت أكبر، وتطلعات الناس تغيرت، كما أن إمكانات الدولة نفسها أصبحت أكبر بكثير.

لكن استحضار الماضي يصبح مفيدا عندما يساعدنا على طرح سؤال الحاضر: هل نحن بصدد بناء دولة اجتماعية جديدة، أم أننا نحاول أيضا استعادة وظائف اجتماعية كان المرفق العمومي يؤدي بعضها ببساطة قبل عقود؟

ربما لهذا لا يكفي أن نسأل: كم ننفق على الدولة الاجتماعية؟ بل ينبغي أن نسأل أيضا: ماذا يشعر المواطن أنه يحصل عليه منها؟ لأن نجاحها لا يقاس فقط بحجم الميزانيات وعدد المستفيدين، بل بقدرتها على إعادة الثقة في المدرسة والمستشفى والجامعة والمرفق العمومي، وعلى جعل ثمار النمو مرئية في حياة الناس.

وبين ما يقال وما لا يقال… ربما لم نتأخر في اكتشاف الدولة الاجتماعية. ربما كنا نعيش بعض ملامحها قبل أن نعرف اسمها، ثم عرفنا الاسم بعدما فقدنا بعضا من تلك الملامح. وربما كانت أم عايشة، رحمها الله، وهي تقدم وجبة لتلميذ في مطعم مدرسة الحدادين، واحدة من أبسط صور دولة اجتماعية لم تكن تعرف يومها أنها تسمى كذلك.