يتطلع المغاربة قاطبة لرهان 23 شتنبر 2026 بالتزامن مع الدخول السياسي والاجتماعي؛ إذ تتجه الأنظار مجدداً نحو صندوق الاقتراع بالمغرب، ليس فقط باعتباره آلية ديمقراطية لاختيار ممثلي الأمة، بل بوصفه نافذة أمل يبحث من خلالها المواطن عن إجابات عملية لأزمات يومية خانقة. وفي هذه المحطة الفاصلة، يجد الناخب نفسه بين فكي كماشة: حرارة جمر الغلاء الذي اكتوت به القدرة الشرائية، وثقل غول الفساد الإداري الذي يعطل عجلات التنمية ويصادر أثر الإصلاحات.
جمر الغلاء عندما يتجاوز التحدي حدود القفة
لم يعد الغلاء في المغرب مجرد ارتفاع عابر في أسعار الخضر والفواكه بالأسواق الأسبوعية، بل تحول إلى واقع هيكلي يمس مختلف مناحي الحياة اليومية للأسر المغربية :
* القدرة الشرائية في المحك ؛ امتدت موجة الارتفاع لتشمل المحروقات، الخدمات الأساسية، تكاليف التعليم الخاص، والرعاية الصحية، مما جعل الطبقة المتوسطة والفئات الهشة تحت ضغط مالي غير مسبوق ؛
* تآكل خيارات المواطن ؛ أصبحت الأسر تجد صعوبة ملموسة في الموازنة بين متطلبات المعيش الأساسي والدخل المحدود، وهو ما يضع أي برنامج حكومي قادم أمام محك استعادة الثقة الاجتماعية وترسيخ دعائم "الدولة الاجتماعية" على أرض الواقع لا في الشعارات.
"غول الفساد الإداري".. التكلفة الخفية التي تغذي الأزمة
إذا كان الغلاء هو من الأعراض الظاهرة للداء، فإن الفساد الإداري وضعف الحكامة يمثلان السبب الخفي الذي يزيد الجمر اشتعالاً. فالفساد ليس مجرد سلوك فردي، بل هو كلفة إضافية غير مباشرة يتحملها المواطن والمستثمر على حد سواء ، تفضي إلى
تكبيل الفرص وتعطيل التنمية وتعقيد المساطير الإدارية، وتتمظهر في أوجه شتى،
* البيروقراطية، والزبونية عادة ما تقتل روح المبادرة لدى الشباب والمقاولات الصغرى، وتعيق خلق فرص شغل حقيقية.
* إهدار الثروة وسوء التدبير ، يمنع الفساد وصول ثمار المشاريع الكبرى إلى مستحقيها، كما يعزز ممارسات الاحتكار والريع التي تعتبر المغذي الأول لارتفاع الأسعار وتدهور جودة الخدمات العمومية.
معركة الوعي.. بين "تكتيك الحشد" ورهان المواطنة الحرة
تراهن بعض الأطراف السياسية، ومعها مهندسو العملية الانتخابية في كثير من المحطات، على معطى حاسم هو ضعف الوعي السياسي والاجتماعي لدى شرائح واسعة من المواطنين . فالفقر والغلاء لا ينتجان فقط معاناة مادية، بل يخلقان أيضاً "هشاشة تفكيرية" تُسهّل توجيه الفرد والاستحواذ على صوته بوسائل بسيطة.
* تكتيك "حشد الصوت الهش": تُستغل الحاجة والجهل بالبرامج لتوجيه الكتلة الناخبة عبر الإحسان الموسمي أو الخطاب المبسط، ليتحول الفقر من مشكلة اقتصادية يجب حلها إلى أداة ضبط انتخابية تضمن استمرار نفس الخارطة السياسية دون تغيير حقيقي.
* المواطن الواعي والعزوف السلبي ؛ في المقابل، غالباً ما يخوض المواطن الواعي معركته بأسلوب "العزوف الإرادي" ، غير أن هذا الانسحاب يُفقد صندوق الاقتراع قوته التغييرية ، ويُخلي الساحة لمن يُساقون بآليات بسيطة، مما يضمن للسلطة والأحزاب نسبة مشاركة عددية مريحة دون خشية من أي معارضة واعية.
كسر الحلقة المغلقة
إن النجاح الحقيقي للانتخابات لا يقاس بحجم الإقبال فقط ، بل بنوعية هذه المشاركة ودرجة وعيها. فالخروج من دائرَتَيْ الغلاء والفساد يستوجب انتقال الفرد من وضعية "الكائن الانتخابي المُنقاد" إلى وضعية "المواطن الفاعل" الذي يستخدم صوته كأداة للمحاسبة والقطع مع الريع.
كخاتمة ، نحو تجديد العقد السياسي
إن إطفاء جمر الغلاء ومواجهة غول الفساد الإداري ليسا مجرد مطالب اجتماعية فئوية، بل هما شرط أساسي لنجاح أي نموذج تنموي بالمغرب. وتبقى الانتخابات المقبلة فرصة حقيقية لإعادة ترتيب الأولويات، شريطة أن ندرك جميعاً أن إصلاح الاقتصاد يمر حتماً عبر إصلاح الإدارة، وأن أولى خطوات التغيير تبدأ بردم الفجوة الكبرى ، أو "فجوة الوعي".
فالصوت الانتخابي ليس ورقة تُرمى في الصندوق لقاء وعد عابر، بل هو العقد الاجتماعي الذي يحدد مستقبل البلد ومسار مؤسساته.






