كان بود المغاربة، بعد مسار طويل من الإصلاحات والانتظارات، أن يعيشوا ربيعاً تشريعياً يستكمل ما بدأ، قبل أكثر من ربع قرن، باعتباره محاولة للانتقال من زمن التوترات الكبرى إلى زمن بناء دولة الحق والمؤسسات.
ففي بدايات العهد الجديد، وكان آنذاك فتياً بالمعنى الزمني والسياسي، برزت إرادة للقطع النسبي مع بعض إرث سنوات التوتر، من خلال محاولة الجمع بين المفهوم الجديد للسلطة وبين تطلع متزايد إلى مفهوم حديث للعدالة، قوامه الحقوق والحريات وربط السلطة بالمسؤولية ، ولم يكن هذا الانتقال خطياً ولا مكتملاً. فقد عرف تردداً وتقاطعات وصعوبات، خصوصاً في تدبير مطالب الحقيقة والإنصاف، وحفظ الذاكرة، والاعتراف، وضمان عدم التكرار. ومع ذلك، راكمت البلاد مساراً سياسياً وحقوقياً انتهى إلى محطة دستورية كبرى مع دستور 2011، وبالأخص بابه الثاني المتعلق بالحريات والحقوق الأساسية، حتى بدا الدستور، في جانب مهم منه، بمثابة صك للحقوق والحريات وأرضية دستورية لإمكان الانتقال الديمقراطي ؛ غير ان الدساتير لا تستنفد إمكاناتها بمجرد صدورها.
فالجيل الأول من الإصلاحات كان يفترض أن يعقبه جيل ثانٍ يجعل الحقوق الدستورية مرجعاً فعلياً للتشريع والسياسات العمومية والممارسة المؤسساتية. وكان المنتظر أن يصبح الزمن التشريعي امتداداً للزمن الدستوري، لا مجالاً للانفصال عنه.
حين تحول الصيف التشريعي إلى فرصة ضائعة :
في هذا السياق تكتسب أزمة القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة دلالة تتجاوز بكثير الخلاف المهني حول قانون قطاعي. ، فالمسألة تتصل بمكانة التنظيمات المهنية ذات التدبير الذاتي، وباستقلاليتها، وبالحصانة اللازمة لممارسة الدفاع، وبوظيفة المحاماة نفسها داخل منظومة العدالة.
ومن هنا كان يمكن أن تشكل إحالة القانون على المحكمة الدستورية لحظة إيجابية، بصرف النظر عن النتيجة التي كان سينتهي إليها الفحص: لحظة ينتقل فيها الخلاف من الاحتجاج السياسي والمهني إلى التحكيم الدستوري. فقد كان يمكن، بهذا المعنى، أن يكون صيف 2026 موعداً للاحتفاء بنضج المؤسسات: فالمشرع يشرع، والمهنيون يعترضون ويترافعون، والجهة المخول لها دستورياً حق الإحالة تحرك الرقابة، والمحكمة الدستورية تقول كلمتها في حدود اختصاصها؛ لكن ذلك لم يحدث ، فالإحالة لم تمكن المحكمة من الانتقال إلى فحص دستورية القانون، بسبب عدم استكمال الوثيقة الجوهرية التي لا يمكن تصور الرقابة بدونها: نسخة القانون المطلوب فحصه ، وهنا لا يعود السؤال تقنياً محضاً: هل يكفي وصف ما حدث بأنه مجرد سهو؟
كان يمكن النظر إلى عدم إرفاق القانون بالإحالة باعتباره خطأ إجرائياً عرضياً لو تعلق الأمر بواقعة معزولة. غير أن استحضار سابقة قانون المسطرة المدنية، وما أثارته بدورها من إشكال متعلق بوثائق الإحالة، يجعل التساؤل مشروعاً:
متى يتكرر الخطأ المؤسسي نفسه، هل يبقى من المقبول تفسيره دائماً بمنطق السهو؟
هنا لا يتعلق الأمر بإثبات نية غير ثابتة، ولا ينبغي للنقد الدستوري أن يستبدل البرهان بالاتهام. لكن تكرار الخلل ينقل النقاش من البحث في النوايا الشخصية إلى مساءلة المسؤولية المؤسساتية.
فالمهم دستورياً ليس فقط لماذا وقع الخطأ، وإنما ماذا ترتب عليه.
والنتيجة هنا بالغة الخطورة: رقابة دستورية أريد تحريكها، ووُضعت المحكمة الدستورية بسببها أمام ملف إحالة، لكنها لم تتمكن من بلوغ موضوع القانون بسبب نقص كان قابلاً، من حيث طبيعته، للاستدراك ؛ وهكذا ضاعت، إلى حدود الآن، فرصة دستورية كان يمكن أن تجعل الخلاف حول قانون المحاماة مناسبة لإنتاج اجتهاد دستوري حول استقلالية الدفاع والحقوق والحريات وحدود تدخل السلطة التنفيذية وغيرها في تنظيم المهن المرتبطة بالعدالة.
من اختيار الإحالة إلى وجوب استكمال الرقابة :
هنا يطرح السؤال الأكثر أهمية: هل تبقى الإحالة عملاً اختيارياً حتى بعد ممارستها، أم أن تحريكها بصورة صحيحة من حيث مصدر الإرادة الدستورية ينشئ وضعاً قانونياً جديداً يقتضي استكمال غايتها؟
من حيث الأصل، الإحالة في هذه الحالة اختيارية وليست رقابة قبلية وجوبية على غرار بعض الحالات التي حددها الدستور.
لكن الاختيار يتعلق، في تقديرنا، بلحظة اتخاذ قرار الإحالة.
أما بعد اتخاذ هذا القرار وإيداعه وتحريك آلية الرقابة الدستورية، فإن المسألة تصبح مختلفة ؛ فلسنا أمام مجرد تسجيل موقف سياسي رمزي، وإنما أمام استعمال لاختصاص دستوري يراد منه إنتاج أثر قانوني محدد: تمكين المحكمة الدستورية من فحص القانون.
ومن هنا يمكن الدفاع عن أطروحة تحتاج بطبيعتها إلى مزيد من التأصيل الفقهي والقضائي، مفادها أن اختيارية المبادرة بالإحالة لا تعني اختيارية استكمال شروطها بعد تحريكها. فالإرادة التي كانت حرة قبل الإحالة تصبح، بعد استعمال الاختصاص الدستوري، محكومة بمقتضيات الجدية المؤسساتية والأمن القانوني وحسن سير المؤسسات الدستورية ، وبعبارة أخرى: الاختياري هو قرار تحريك الرقابة؛ أما احترام شروطها وتمكينها من بلوغ غايتها، بعد اتخاذ ذلك القرار، فليس مسألة شكلية قابلة للتساهل.
حق دستوري في أن تبلغ الرقابة غايتها :
يمكن الذهاب أبعد من ذلك وطرح سؤال فقهي جديد:
ألا ينشأ، بمجرد تحريك الرقابة الدستورية، مركز دستوري مكتسب في استكمال مسارها؟
لا نقصد بالحق المكتسب هنا حقاً شخصياً بالمعنى التقليدي، وإنما وضعاً دستورياً موضوعياً نشأ عن ممارسة اختصاص مقرر بالدستور.
فالرقابة الدستورية لا تمارس لمصلحة أصحاب الإحالة وحدهم، ولا لمصلحة فئة مهنية بعينها، وإنما لحماية سمو الدستور والنظام العام الدستوري والحقوق والحريات.
ولذلك يصبح الخلل الذي يعطلها متجاوزاً لأصحاب الإحالة وللمحامين أنفسهم؛ إنه يمس وظيفة من وظائف الدولة الدستورية.
ومن هنا يمكن الحديث، بحذر فقهي، عن نظام عام تشريعي ودستوري يقتضي ألا تتحول العيوب القابلة للاستدراك إلى وسائل تؤدي عملياً إلى إجهاض الرقابة.
الفرصة لم تنته بعد :
مع ذلك، لا ينبغي أن تكون قراءة ما حدث قراءة تشاؤمية.
فالسؤال الحقيقي اليوم ليس فقط: من أخطأ بل من يستطيع أن يستدرك؟
إذا كان القانون لم يدخل بعد مرحلة تجعل إعادة الإحالة مستحيلة دستورياً، وإذا كانت الجهات المخول لها دستورياً تحريك الرقابة لا تزال تملك إمكانية ممارستها، فإن المسؤولية المؤسساتية تقتضي البحث الجدي في إعادة الإحالة مستوفية لشروطها.
وهنا لا يتعلق الأمر بالدفاع عن نتيجة مسبقة ؛ فقد تنتهي المحكمة إلى دستورية القانون كله، وقد تقضي بعدم دستورية بعض مقتضياته، وقد تقدم تأويلاً دستورياً يضبط كيفية تطبيقه.
المهم هو ألا يدخل القانون إلى المنظومة القانونية محملاً بسؤال دستوري طُرح رسمياً ولم تتح للمحكمة فرصة الإجابة عنه بسبب نقص مسطري قابل للتدارك.
من المسؤولية السياسية إلى المسؤولية الدستورية :
لقد أتاح دستور 2011 إمكانات مهمة، لكن استكمال الانتقال لا يحتاج دائماً إلى دستور جديد بقدر ما يحتاج إلى ثقافة دستورية جديدة ، ثقافة تعتبر الإحالة إلى المحكمة الدستورية مسؤولية لا مراسلة إدارية ، وتعتبر الرقابة الدستورية ضمانة لا عقبة أمام التشريع ، وتعتبر استقلالية التنظيمات المهنية المرتبطة بالعدالة جزءاً من ضمانات دولة القانون، لا امتيازاً فئوياً. وكما تعتبر الخطأ المؤسسي، عندما يهدد حقاً أو ضمانة دستورية، واقعة تستوجب الاستدراك والمساءلة والتعلم المؤسساتي، لا مجرد حادث تقني يطويه الزمن.
لقد ضاعت فرصة لأن يكون هذا الصيف ربيعاً تشريعياً يعيد وصل الزمن السياسي بالزمن الدستوري ، في ذكرى الصدور والتجديد .
لكن الفرصة الدستورية نفسها قد لا تكون قد ضاعت نهائياً ، فما دام الاستدراك ممكناً، تبقى أمام المؤسسات فرصة لإثبات أن الرقابة الدستورية ليست إجراءً صورياً، وأن الإحالة ليست مجرد تسجيل موقف في الأرشيف البرلماني، وأن الحقوق والحريات ليست ديباجة تجميلية للتشريع.
ولهذا فإن إعادة الإحالة، متى كانت لا تزال ممكنة في ضوء المقتضيات الدستورية والمسطرية والمرحلة التي بلغها القانون، لن تكون انتصاراً للمحامين على البرلمان أو للحكم الدستوري على التشريع، وإنما انتصاراً للمؤسسات على أخطائها. وهنا تحديداً يمكن استعادة المعنى الذي كاد أن يضيع:
فالربيع التشريعي لا يقاس بعدد القوانين التي تصدر، وإنما بقدرة التشريع على المرور من امتحان الدستور؛ والجدية المؤسساتية لا تظهر في ادعاء العصمة من الخطأ، بل في امتلاك الشجاعة الدستورية لاستدراك الخطأ قبل أن يتحول إلى أمر واقع. فكما للبيت رب يحميه فإن للشرعية الدستورية والمشروعية السياسية مؤسسات دستورية تحميها وتقوي مصداقيتها وجدواها .






