قضايا

ثمانية ملايين للمعرفة.. مفارقة الرسوم الباهظة وسؤال تكافؤ الفرص في الجامعة المغربية

جلال كندالي
لم يكن الموظف والأجير ينتظران، وهما يستحضران قرار العودة إلى مقاعد الجامعة، أن يصطدما برسوم تثقل كاهلهما بمصاريف إضافية لمتابعة الدراسة في أسلاك الإجازة والماستر والدكتوراه. فهذه الفئة اختارت بصمت أن تزاوج بين العمل والتحصيل العلمي، متحملة عناء الجمع بين إكراهات الوظيفة ومسار البحث، أَملا في تطوير كفاءاتها والارتقاء بمسارها المهني.

إننا نتحدث هنا عن شريحة واسعة تقتطع منها الضرائب من المنبع، وتلتهم القروض البنكية جزءا حيويا من أجورها، فضلا عن أعباء السكن، وتكاليف تمدرس الأبناء، وغلاء النقل ومتطلبات الحياة اليومية التي لا تنتهي. والأغلبية الساحقة تعيش رهينة ديون مستمرة، حتى صار الراتب بالنسبة إلى كثيرين مجرد محطة عبور سريعة بين الحساب البنكي وجهات الدائنين.

وفي خضم هذه المعيشة المأزومة، يأتي فرض رسوم التسجيل والتكوين المستمر ليضيف عبئا ماليا جديدا على من اختار تحدي الصعاب لمواصلة دراسته. والنتيجة الحتمية أن الموظف أو الأجير، الذي كان من المفترض أن يجد في رحاب الجامعة متنفسا للترقي الاجتماعي، بات مضطرا لحساب كلفة كل مادة وكل سنة دراسية بدقة متناهية.

والمفارقة الصارخة أن الدولة نفسها في أمس الحاجة إلى هذا النموذج من المواطنين: موظف يطور مداركه، وأجير يرفع من إنتاجيته، وعامل يصر على العودة إلى مقاعد الدرس بعد سنوات من الخبرة الميدانية؛ فكلما ارتفعت مستويات التأهيل والتكوين، تعززت قيمة رأس المال البشري الذي تشكل هذه الموارد عصب تنميته.

يتأكد عمق هذا النقاش حين نلامس الأرقام الفلكية المفروضة في بعض الأسلاك، مثل الدكتوراه التي تصل تكلفتها إلى 8 ملايين سنتيم، وهو ما يضعنا أمام تساؤلات حارقة نقلها بحس إستراتيجي وواقعي الدكتور الصوصي العلوي عبد الكبير، حين دعا إلى تفكيك هذه الكلفة بلغة الواقع والمنطق،يقول في تدوينة له على صفحته الرسمية على الفيسبوك: "لنحسب تكلفة طالب موظف أو مهني بسلك الدكتوراه "بالخوشيبات": بمجرد التحاقه، يربط الاتصال بمشرفه الأستاذ الجامعي الذي يتقاضى أجرته أصلا من ميزانية الدولة سواء أشرف أم لا، ودون أن يتقاضى درهما واحدا إضافيا من الجامعة نظير عدد الأطروحات أو الرسائل. وطيلة سنوات التأطير، يتم الإشراف داخل المؤسسة أو خارجها .. .وهنا يبرز السؤال الجوهري: أين ستصرف هذه الملايين الثمانية المستخلصة؟

لا سيما في كليات الحقوق والآداب والعلوم الإنسانية التي لا تعتمد مختبرات باهظة التكلفة للتجارب، بخلاف كليات الطب والصيدلة والعلوم والتقنيات. هل ستصرف على حصص في المنهجية أو اللغات التي غالبا ما تكون محتكرة من أشخاص بعينهم لتبادل المصالح؟ وهل قيمة تلك الحصص تستحق حقا هذا الرقم الصادم الذي يبدو مبالغا فيه بشكل صارخ؟".

التوجه المالي الذي نهجته " الحكومة الاجتماعية " يثير تساؤلات جوهرية ومشروعة حول مدى انسجامه مع الالتزامات الدستورية والحقوقية الدولية للمغرب.

فعلى المستوى الوطني، ينص الفصل 31 من دستور 2011 صراحة على أن تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاح لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحق في الحصول على تعليم عصري ميسر الولوج وذي جودة، إضافة إلى ما ينص عليه الفصل 32 بشأن تعميم التعليم العالي وتيسير الولوج إليه، فضلا عن تكريس الفصل 6 لمبدأ المساواة أمام القانون.

أما على المستوى الدولي، فتؤكد المادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن يكون لتعليم العالي للجميع متاحا للجميع على أساس الكفاءة التامة مما يمنع جعله رهينا بالقدرة المالية أو الأجرة. وتلتقي معها المادة 13 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تنص على وجوب إتاحة التعليم العالي للجميع على قدم المساواة تبعا للكفاءة، بالإضافة إلى ما تقره اتفاقية حقوق الطفل في مادتها 28 من ضرورة إتاحة التعليم العالي بناء على القدرة والكفاءة وحدها.

ووطنيا أيضا، يؤكد القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي في مبادئه الجوهرية على مجانية التعليم في أسلاكه الإلزامية والعمومية ويكرس مبدأ تكافؤ الفرص والإنصاف، وهو النهج ذاته الذي تبناه الميثاق الوطني للتربية والتكوين بجعل معيار الاستحقاق وتكافؤ الفرص هو الفيصل في الولوج بمختلف مسالك التعليم والتكوين.

من هنا المنطلق ، فإن أي قرار إداري يفرض رسوما تعجيزية يكبل حق الموظفين والطلبة في متابعة مسارهم الجامعي، يتعارض بشكل صارخ مع الفلسفة الدستورية والمواثيق الدولية التي تجعل الكفاءة وحدها لا القدرة المادية والأجرة معيارا للولوج إلى رحاب المعرفة.

ومن هذا الجانب بالذات، نلج إلى زاوية أخرى لا تقل أهمية، مرتبطة بالدينامية التي تعرفها قضيتنا الوطنية الكبرى.

لقد راكمت الدبلوماسية المغربية نجاحات ومكتسبات هامة في الدفاع عن الصحراء المغربية. وفي هذه المرحلة الدقيقة، يتجدد النقاش العمومي حول ضرورة استدراج أبناء الوطن العالقين خارج الحدود، ومد جسور الثقة لاستعادة من تم التغرير بهم، لاسيما أن من بينهم طاقات وكفاءات تابعت تكويناتها في الجامعات الدولية.

لكن كيف يتقبل العقل منطق توجيه النداء لهؤلاء بأن الوطن غفور رحيم ويفتح ذراعيه للجميع، في الوقت الذي يجد فيه الموظف والأجير، المرابط في جوف الوطن، الأبواب موصدة أمام طموحه الدراسي برسوم وأثقال مالية تثقل كاهله؟

إن الإشكال الجوهري لا يتلخص في معارضة مبدأ تطوير آليات تمويل الجامعة، بل يكمن في البعد الاجتماعي الغائب، هل تمعن صانعو القرار في قياس القدرة المالية الحقيقية للموظف والأجير؟ فالجامعة العمومية ليست سلعة تجارية تخضع لمنطق الربح والخسارة، بل هي استثمار معنوي ومادي تجني الدولة ثماره.

إن مناعة الوطن وجاذبيته تبنى أولا وقبل كل شيء من الداخل، من جودة المدرسة والجامعة، ومن عدالة الشغل، ومن ضمان حق المواطن البسيط في أن يلمس مقومات مستقبله. ومن غير المعقول أن نطلق نداءات العودة لأبنائنا في المهجر، وفي نفس الوقت نوجه رسالة محبطة للموظف المقيم بيننا مفادها، لك أن تدرس، شريطة أن تدفع الثمن غاليا ومقدما.