لا تخفت من أصوات الباعة الجائلين على الشاطئ، بينما يراقب البحر بين مد وجزر.
قال ميلود، بائع الألعاب، وهو يحمل أثقالا كما لو أنه شاحنة تبن، إنه يبدأ العمل منتصف النهار، حين يغص الشاطئ بالناس، وزاد: الله يقنعنا.. أما النهاية فلا تأتي إلا حين يبقى الماء وحده.
حين حمل ميلود، الشاب الثلاثيني، الذي يضع سلسلة غليظة في عنقه، ويلبس ثيابا شبابية، أثقاله، وراح يصدح بما يبيع من سلعة، لم يعد يظهر منه شيء إلا صوته.
توقف قليلا ليصلح بين شابين يبدو أن أحدهما حام حول حمى الٱخر، حيث يكتري الشمسيات والكراسي والموائد البلاستيكية، الممنوع كراؤها رسميا.
كانا يناوشان بعضهما مثل ديكين نافرين، ويوشك أن يشتعل بينهما بركان، ثم يهدٱن، ويواصلان. ولا تخفت أصوات الباعة الجائلين، مع ذلك.
قهيوة. أتاي منعنع. بينيي. تاتواج. باراسول. وأشياء أخرى كثيرة حسب التوقيت، والضيوف، بين ساندويتش، وماء، وغير ذلك.
في منتصف النهار، وقد صار الشاطئ يضاهي الموج بالناس، لعل البحر غار من تلك المقاولات المتحركة التي تجني أموالا كثيرة، بتعب كبير، وضجر بعضهم، ورضى ٱخرين، فألقى بموجه نحو الرمل.
الصغار الذين يلعبون كرة القدم، في مساحة تضيق ثم تتسع، بفعل المد والجزر، يظهرون تقنيات كروية رائعة فرديا، لكنهم يفتقدون تقنيات اللعب الجماعي المنتج للأهداف، تماما مثلما يحدث معهم في الحياة اليومية.
أما الأمهات والٱباء الذين كان يراقب أغلبهم من مكان قريب، فلم يكن يشغلهم الموج، بقدر ما يشغلهم شهر شتنبر. وتسمعهم، همسا، يتحدثون عن الموسم الدراسي، وتبعاته، ثم يلقون كل شيء على الله، ويطلقون زفراتهم إلى الأمام لتذهب مع زجرات الموج، وأصوات الباعة الجائلين التي لا تخفت أبدا. بينيي. بريوات. ساندويتش. تاتواج. سكيمو.
في وقت لاحق، وحين صار يسمع صوت الموج قريبا وأقوى من صوت الباعة الجائلين، اتضح أن الأفواه حركها الجوع، ليرتاح البحر قليلا، وتهدأ صافرة الميترناجورات.
صورة الشاطئ، بالمحمدية،حيث يظهر الميناء بخزانات البترول، وكأنه يحرس الشاطئ، حشد من الأسر المنوعة، أغلبها من طبقات دنيا، تسعد بأقل شيء، موجة دافئة، رمل حارق، لعبة صغيرة، أكلة متواضعة، فيما تطل من الخلف فيلات وشقق فاخرة، يختار من يسكنونها الصباحات والمساءات ليستمتعوا بالبحر.
طوينكات. سنيسلات. كاوكاو. تاتواج. وأصوات الباعة الجائلين لا تتوقف. ولا يعلو عليها سوى صراخ طائش لنزاع طارئ حول شمسية، او كرسي. ثم تتواصل. أتاي منعنع، قهيوة معطرة، كوك. تاتواج.
يمر ميلود مجددا، للمرة العاشرة. يبتسم. يواصل عرض سلعته. وكأنه لم يبع شيئا، لأنه يأتي بالمزيد. "الله يقنعنا"؛ يهمس من بعيد.
يقول طفل :"ما". وتضرب امه قفاه، بينما يبادرها كثيرون من حولها :"عوميه. ديه للما. غطسيه". وحين تستجيب للأسرة الكبيرة، التي تشكلت على مهل فوق الرمل الحارق، من الصباح، يضحك ضحكة يضحك لها حتى البحر.
يواصل الباعة الجائلون، غير عابئين بالسلطات المحلية وهي تمشط الشاطئ لمنع كراء الشمسيات والكراسي. تاتواج. بينيي. ساندويتش. طوينكات.
يقترب الموج من الحشود. يبدا البعض في الانسحاب، فيما يغرق الٱخرون أرجلهم وأيديهم في الرمل، معلنين أنهم هنا باقون حتى إشعار جديد.
حين تغادر، يتبعك صوتان لا غير، صوت الموج وهو يتحرك دؤوبا كعادته، وصوت الباعة الجائلين، الذين لا يفترون، يعرضون سلعهم، ويخطف منهم المجال زملاؤهم الذين يعرضون موقفا لسيارة، أو كراء شمسية او كرسي لمن جاؤوا منأخرين.
قال عارض التاتواج، وهو ثلاثيني، بلحية أنيقة، إن جمهوره أغلبه من الشباب، والوشم منوع و سرعان ما يزول، ثم وضع يده على قلبه، مبتسما، وواصل طريقه.
"عمي. باراصول؟". ويقول الشاب لزوجته، ضاحكا:"صافي، منين قال لي هذا الحتروف عمي، باينة شرفت".
تاتواج. نوكة. بينيي. أتاي منعنع. بريوة بريوة بريوة.






