مع اقتراب الانتخابات المغربية المقبلة، لا يبدو السؤال الحقيقي متعلقا فقط بمن سيفوز ومن سيخسر، أو بأي حزب سيحصل على المرتبة الأولى، وإنما يتعلق، في العمق، بسؤال أكثر أهمية: أي سياسة نريد للمملكة المغربية؟ وأي أحزاب نريد أن تقود الحياة العامة في السنوات المقبلة؟ فالمجتمعات لا تتقدم بمجرد تغيير النخب والوجوه، وإنما تتقدم عندما تتغير فلسفة العمل السياسي، وتتجدد الأفكار، وتتطور البرامج، وتصبح المسؤولية العامة فعلا أخلاقيا ومؤسساتيا غايته خدمة الإنسان وتحقيق المصلحة العامة للوطن.
إن السياسة في جوهرها ليست صراعا على السلطة، ولا مجرد منافسة انتخابية تنتهي بالحصول على المقاعد والمناصب، وإنما هي قبل ذلك وبعده فن تدبير الشأن العام، ومسؤولية أخلاقية وقانونية تجاه الإنسان والمجتمع والدولة. وإذا كان الفكر السياسي الحديث قد طوّر مفاهيم الدولة الدستورية، والمؤسسات، والحكامة، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن الفكر الإسلامي المقاصدي يمتلك بدوره رصيدا عميقا من القيم والمبادئ التي تجعل السياسة وسيلة لتحقيق العمران، وحفظ الحقوق، وصيانة الكرامة، وجلب المصالح ودرء المفاسد .
ومن هنا تبرز الحاجة، في السياق المغربي المعاصر، إلى إعادة التفكير في وظيفة الأحزاب السياسية من منظور مقاصدي تجديدي، لا يجعل من الدين أداة للصراع السياسي، ولا يحوّل السياسة إلى مجال للوعظ والشعارات، وإنما يستلهم من مقاصد الشريعة وأخلاقها ما يساعد على بناء ممارسة سياسية مسؤولة، منفتحة على التحولات الدولية، ومنسجمة مع طبيعة الدولة الحديثة ومؤسساتها الدستورية .
فالسياسة الشرعية، في جوهرها، ليست وصفة تاريخية جامدة، ولا نظاما حزبيا مستورداً من الماضي، وإنما هي اجتهاد بشري في تدبير شؤون الناس بما يحقق العدل والمصلحة ويحفظ النظام العام ويصون الحقوق. ولهذا فإن قيم السياسة الشرعية يمكن أن تتفاعل بصورة إيجابية مع الدولة الدستورية الحديثة، ما دام المقصد هو تحقيق الخير العام، وحماية الإنسان، وصيانة الدولة، وضمان الاستقرار، وتحقيق العدالة .
وقد عبّر العلماء عن جوهر السياسة الشرعية بعبارات متعددة، لكنها تلتقي في معنى جامع هو رعاية مصالح الناس. فالسياسة التي تنفصل عن مصالح المواطنين تفقد مبرر وجودها، والحزب الذي يتحول إلى مجرد آلة انتخابية أو وسيلة للوصول إلى السلطة يفقد المعنى الأخلاقي للعمل السياسي. أما الحزب الذي يجعل المواطن محور اهتمامه، ويعتبر السلطة تكليفا لا تشريفا، والمسؤولية أمانة لا غنيمة، فإنه يقترب من روح المقاصد الشرعية ومن فلسفة الدولة الحديثة في آن واحد .
إن المقصد الأعلى للفعل السياسي هو الإنسان؛ كرامته وأمنه وحريته وحقوقه ومعيشته وتعليمه وصحته وفرصه في الحياة. ولذلك فإن أي برنامج سياسي لا ينبغي أن يقاس فقط ببلاغة شعاراته أو عدد وعوده الانتخابية، وإنما بقدرته الواقعية على تحقيق مصالح المواطنين وتقليل أوجه الضرر والفساد والظلم عنهم . فالسياسة المقاصدية التي ندعو إليها ليست سياسة الكلام الجميل والشعارات البراقة، وإنما سياسة النتائج النافعة، والإنجاز القابل للقياس، والمسؤولية القابلة للمحاسبة.
ومن هنا فإن مفهوم "جلب المصالح ودرء المفاسد" ينبغي أن ينتقل من كتب أصول الفقه إلى المجال العمومي، لا باعتباره شعارا دينيا، وإنما باعتباره منطقا عقلانيا وأخلاقيا صالحاً لبناء السياسات العمومية. فكل مشروع اقتصادي ينبغي أن يسأل: ما أثره على المواطنين؟ وكل قرار اجتماعي ينبغي أن يسأل كذلك: من المستفيد ومن المتضرر؟ وكل إصلاح إداري ينبغي أن يقاس بقدرته على تحسين حياة الناس. وكل سياسة تعليمية أو صحية أو ثقافية ينبغي أن تُبنى على تحقيق المصلحة العامة لا على الحسابات الحزبية والمصالح الشخصية الضيقة .
وفي هذا السياق تتجلى قيمة "النفس الرحموْتي" في العمل السياسي؛ أي ذلك الحس الإنساني الذي يجعل السياسي ينظر إلى المواطن باعتباره إنسانا له كرامة وحاجات وآمال، وليس مجرد رقم في سجل انتخابي. فالرحمة السياسية لا تعني الضعف أو التساهل مع الفساد، وإنما تعني أن تكون السلطة في خدمة الإنسان، وأن يكون القانون وسيلة لإقامة العدل، وأن تكون الإدارة فضاءً لحماية الحقوق وتيسير مصالح الناس، لا مجالا للإذلال والتعقيد والتمييز بين الجهات المختلفة في المغرب .
والرحمة في السياسة لا تتناقض مع الحزم؛ بل إن الحزم الحقيقي هو أن يحمي المسؤول المجتمع من الفساد والاستغلال والرشوة والعبث بالمال العام وسرقات أراضي الدولة. فالرحمة بالمواطن تقتضي محاربة من يسرق قوت يومه، والرحمة بالدولة تقتضي حماية مؤسساتها، والرحمة بالمجتمع تقتضي صيانة أمنه واستقراره، والرحمة بالمستقبل تقتضي عدم استنزاف ثروات الأجيال القادمة.
وإذا كان الإسلام قد جعل الأمانة والصدق والعدل من أصول التعامل بين الناس، فإن المجال السياسي أولى بأن يتشبع بهذه القيم، لأن آثار القرار السياسي لا تقف عند حدود الفرد، وإنما تمتد إلى المجتمع بأسره. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58]. فالسلطة أمانة، والقرار أمانة، والمال العام أمانة، والمعلومة أمانة، والبرنامج الانتخابي أمانة، وثقة المواطن أمانة، والكلمة أمانة، وتدوينتك على صفحتك أمانة .
ومن أخطر مظاهر الأزمة السياسية أن تتحول الخطابات السياسية إلى خطابات شعبوية، وأن تتحول الوعود الانتخابية إلى خطاب للاستهلاك، ثم تتراجع المسؤولية بمجرد الوصول إلى المؤسسات. وهنا تبرز قيمة الصدق السياسي. فالصدق ليس أن يقول السياسي ما يحب الناس سماعه، أو مايطلبه المستمعون، وإنما أن يقول لهم ما يستطيع فعله، وأن يوضح حدود الإمكانات والموارد والتحديات. فالوضوح مع الشعب ليس ترفا سياسيا، وإنما شرط من شروط الثقة العامة.
كما أن الشفافية ليست مجرد نشر بعض الأرقام والوثائق، وإنما هي ثقافة سياسية كاملة تقوم على حق المواطن في معرفة كيفية تدبير الشأن العام، ومصير المال العمومي، ومعايير اتخاذ القرار، وحدود المسؤولية، ومبررات السياسات العمومية. وكلما ارتفع مستوى الشفافية، انخفضت مساحة الشائعات والشكوك، وتعززت الثقة بين المواطن والمؤسسات.
أما حماية ممتلكات الأمة وثرواتها، فهي من صميم الأمانة السياسية. فالمال العام ليس مالا بلا صاحب، وإنما هو ملك للمجتمع، والعبث به صورة من صور الاعتداء على حقوق المواطنين. ومن المنظور المقاصدي، فإن صيانة المال مقصد أصيل في ديننا، ولا يمكن أن تكون التنمية مستدامة إذا تحولت الموارد العمومية إلى مجال للامتيازات غير المشروعة أو تضارب المصالح أو الاستفادة الخاصة.
ولهذا فإن الحكامة الجيدة ليست مفهوما إداريا مستورداً كما يظن البعض، وإنما نجد لها جذوراً قوية في التراث الإسلامي من خلال مبادئ الأمانة، والعدل، والشورى، والمساءلة، ومنع الاحتكار، وصيانة المال العام. وفي الدولة الحديثة تأخذ هذه المبادئ صورة مؤسسات دستورية وقوانين وآليات للرقابة والتدقيق والمحاسبة.
وهنا ينبغي للأحزاب السياسية المغربية أن تنتقل من ثقافة الشخصنة إلى ثقافة المؤسسات، ومن منطق الولاء للأشخاص إلى الولاء للمبادئ والقانون، ومن الحسابات الانتخابية قصيرة المدى إلى الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى. فالدولة لا تُدار بالعواطف، ولا بالشعارات، ولا بردود الأفعال، وإنما بالمؤسسات والخطط والبيانات والخبرة والكفاءة .
إن السياسة الشرعية المقاصدية في الدولة الحديثة لا تعني إقامة سلطة دينية فوق المؤسسات، ولا منح الأحزاب حق احتكار الحديث باسم الإسلام، وإنما نعني بها استلهام القيم الكلية للشريعة في بناء السياسات العامة، مع احترام الدستور والقوانين والمؤسسات واختيارات المجتمع. فالمقاصد ليست ملكا لحزب، ولا حكرا على تيار أو جماعة، وإنما هي أفق أخلاقي وإنساني يمكن أن يثري الممارسة السياسية.
ومن هنا تكتسب القاعدة الفقهية "المسلمون عند شروطهم" دلالة سياسية مهمة، في سياقها العام، من حيث احترام العهود والالتزامات، فإذا ارتضى المجتمع دستوراً ينظم علاقة المؤسسات بعضها ببعض، ويحدد الحقوق والواجبات، فإن احترام هذا الإطار القانوني يصبح جزءاً من مقتضيات المسؤولية السياسية. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]. والدستور، في الدولة الحديثة، يمثل إطارا أساسيا لتنظيم الحياة السياسية والمؤسساتية، ولذلك فإن الاحتكام إليه واحترام القوانين المنبثقة عنه ليس نقيضا للمقاصد الشرعية، بل يمكن أن يكون من مقتضيات الوفاء بالعهد وحفظ النظام العام .
وفي التجربة المغربية، تبرز أهمية المرجعية الدستورية باعتبارها الإطار الناظم للممارسة السياسية والمؤسساتية. ولذلك فإن الحزب السياسي المسؤول لا ينبغي أن ينظر إلى الدستور باعتباره وثيقة تستخدم عندما تخدم مصلحته، وإنما باعتباره مرجعا ملزما للجميع، حكومة وأحزابا ومؤسسات ومواطنين. فدولة القانون لا تستقيم إذا كان القانون يُطلب من الخصم ويُستثنى منه الحليف .
وهذا يقتضي كذلك ترسيخ مبدأ "ربط المسؤولية بالمحاسبة"، ليس باعتباره شعارا سياسيا، وإنما باعتباره قاعدة أخلاقية ومؤسساتية. فمن تولى مسؤولية عامة يجب أن يكون مستعدا لتقديم الحساب عن قراراته وتدبيره للموارد التي وُضعت تحت تصرفه. والمحاسبة هنا لا ينبغي أن تتحول إلى انتقام سياسي أو تصفية حسابات، وإنما يجب أن تكون مؤسساتية، عادلة، موضوعية، قائمة على الأدلة، وتحترم قرينة البراءة وحقوق الدفاع وسيادة القانون.
إن الحزب السياسي الذي يريد أن يقدم نفسه باعتباره حاملا لمشروع إصلاحي ينبغي أن يبدأ من داخله؛ في طريقة انتخاب قياداته، وتدبير موارده، واحترام أعضائه، وتدبير خلافاته، واختيار مرشحيه، وتقييم أداء مسؤوليه. فلا يمكن لحزب أن يطالب الدولة بالحكامة وهو يمارس داخل مؤسساته منطقا مخالفا لها، ولا يمكن أن يطالب بالشفافية وهو غامض في تدبيره الداخلي، ولا أن يدافع عن المحاسبة وهو يرفضها عندما تطاله .
كما أن المتغيرات الدولية تفرض على الأحزاب المغربية تجاوز النظرة الضيقة إلى السياسة. فالعالم اليوم يعيش تحولات اقتصادية وجيوسياسية وتكنولوجية ومناخية عميقة، وأصبحت الدول مترابطة بصورة غير مسبوقة. ولذلك فإن البرنامج السياسي الناجح ينبغي أن يجمع بين الهوية والانفتاح، وبين حماية المصالح الوطنية والاندماج في الاقتصاد العالمي، وبين الاستقلال في القرار والقدرة على بناء الشراكات الدولية.
وفي هذا السياق، يمكن للمقاربة المقاصدية أن تقدم للأحزاب المغربية إطارا فكرياً مرنا يساعدها على التعامل مع المستجدات دون الوقوع في أسر الماضي. فالمقاصد الكبرى، كالعدل، وحفظ النفس، والعقل، والمال، والكرامة، وتحقيق المصلحة، يمكن تنزيلها في قضايا معاصرة مثل الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والأمن السيبراني، والتغير المناخي، والهجرة، والأمن الغذائي، والعدالة الاجتماعية، وحماية البيئة، وتنمية الرأسمال البشري.
والتجديد الحقيقي لا يكون بإلغاء التراث، ولا بتجميده، وإنما بتحويل القيم الكلية إلى أدوات لفهم الواقع وصناعة المستقبل. ولذلك فإن السياسة المقاصدية مطالبة بالانفتاح على العلوم السياسية والاقتصاد والاجتماع والقانون والإدارة، لأن الاجتهاد في قضايا الدولة الحديثة لا يمكن أن يقوم على المعرفة الفقهية المجردة وحدها، كما أن السياسة التي تنفصل عن البعد الأخلاقي تتحول بسهولة إلى سلطة استبدادية .
إن المغرب في حاجة إلى أحزاب قوية، لا بأعداد شعاراتها، وإنما بقدرتها على إنتاج الأفكار والكفاءات والسياسات. أحزاب تتنافس في خدمة المواطن لا في استغلال مخاوفه، وتختلف في البرامج لا في الثوابت الوطنية، وتعارض الحكومة حين تخطئ دون أن تعارض الدولة، وتنتقد السياسات دون أن تهدم الثقة في المؤسسات، وتدافع عن مصالح المواطنين دون أن تجعل من الخلاف السياسي خصومة مع الوطن.
ختاما، إن مستقبل السياسة المغربية لا يتوقف فقط على تغيير البرامج الانتخابية، وإنما على تغيير فلسفة العمل السياسي نفسها: من السلطة إلى المسؤولية، ومن الامتياز إلى الخدمة، ومن الشعارات إلى الإنجاز، ومن الغموض إلى الشفافية، ومن الشخصنة إلى المؤسسات، ومن الحسابات الحزبية الضيقة إلى المصلحة الوطنية، ومن السياسة المنفعية إلى السياسة الأخلاقية.
وهنا تلتقي روح المقاصد مع روح الدولة الحديثة في مقصد جامع: خدمة الإنسان وصيانة المجتمع وحماية الدولة وتحقيق العدل وتقليل الضرر وتعظيم المصلحة العامة للأمة .






