سياسة واقتصاد

بين نقد السياسات ومواجهة التضليل.. نحو وطنية مسؤولة

كمال الهشومي (أستاذ جامعي)
كما سبق أن أكدنا، فإن أول واجبات المواطنة في أوقات الأزمات هو التحلي باليقظة والصرامة في تلقي الأخبار وتداولها، وعدم الانسياق وراء الأرقام والروايات غير الموثقة، مهما كانت درجة آلامنا والتأثر أو الغضب. وفي هذا السياق، يأتي البلاغ الرسمي لوزارة الداخلية ليفند جانباً مهمّاً من السرديات التي روجت لها بعض المنابر الإعلامية، خاصة فيما يتعلق بعدد الضحايا الذي لم يتجاوز، وفق المعطيات الرسمية الحالية، 11 حالة إلى حدود قراءة البلاغ، خلافا للأرقام المضخمة لبعض المواقع الإسبانية والعربية الحاقدة للأسف التي تحدثت عن أكثر من ستين وفاة، وهي أرقام تستوجب التحقق قبل تبنيها أو إعادة نشرها.

ولا يعني ذلك التقليل من فداحة ما وقع أو التنصل من مسؤولية على عاتق من يتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام ولتعاقب فشل السياسات العمومية في حماية أرواح شبابنا ومعالجة الأسباب العميقة للهجرة غير النظامية، فكل روح تفقد هي خسارة للوطن بأكمله، وتستوجب التقييم والمساءلة. لكن، في المقابل، فإن الدفاع عن الحقيقة مسؤولية وطنية لا تقل أهمية عن الحدث نفسه وما خلفه من مآسٍ ولا عن المطالبة بالإصلاح. فمن حقنا، بل من واجبنا، أن ننتقد ونحاسب، لكن ليس من حقنا أن نساهم، دون تحقق، في ترويج روايات قد تخدم أجندات تستهدف صورة بلادنا ومؤسساته في ظرفية دقيقة.

تعلمنا دائماً أن الوطنية ليست صمتاً عن الأخطاء، كما أنها ليست انخراطاً في كل سردية تنسج ضد الوطن، بل هي القدرة على الجمع بين النقد المسؤول، والدفاع عن الحقيقة، وحماية المصلحة الوطنية من التضليل والاستغلال. لأن الأوطان تبنى بالحقائق، لا بالشائعات، وبالوعي، لا بالانفعال. ويظل التاريخ هو المحكمة العليا للبشرية.