تستيقظ أوروبا فجأة وهي في حالة ذهول، بعدما رأت أن عشرات الآلاف من المهاجرين يحاولون دخول أراضيها بطرق غير قانونية وبكل الوسائل الممكنة.
لقد أصدرت المحكمة العليا الإسبانية، رغماً عنها أو ربما عن قصد، حكماً فُسِّر من قبل المهاجرين في مختلف أنحاء العالم على أنه دعوة مفتوحة، عندما قررت أن أي شخص يدخل الأراضي الإسبانية بطريقة غير قانونية عن طريق البحر والسباحة، سيحظى مستقبلاً بالمساعدة القانونية في طلب اللجوء الذي يقدمه، ولن يكون بالإمكان إرجاعه أو صدّه. فوقع ما كان لا بد أن يقع…
وكان من الممكن أن يكون هذا التدفق البشري أكثر هولاً، لو أن مئات، بل آلاف القوارب انطلقت في الوقت نفسه من جميع سواحل شمال إفريقيا، وليس من المغرب وحده، نحو السواحل الإسبانية. غير أن الأمر ليس سوى مسألة وقت…
إن هذا الحكم الصادر عن المحكمة العليا الإسبانية سيدفع، في المستقبل، مئات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين، من مختلف الجنسيات المنحدرة من الدول الفقيرة، إلى التوجه بحراً نحو السواحل الإسبانية.
وما حدث في سبتة من الجانب المغربي ليس سوى ظاهرة ثانوية مقارنة بما ينتظر أوروبا، في المستقبل القريب أو البعيد، نتيجة لهذا الحكم…
إن ما يجري هو نتيجة سياسة هجرة فوضوية وغير منسقة بين الدول الأوروبية. فمن الواضح أن كل دولة داخل الاتحاد الأوروبي تعزف منفردة في ملف الهجرة. وقد تحقق النمو الاقتصادي الإسباني خلال السنوات الأخيرة أساساً بفضل سياسة متساهلة تجاه المهاجرين، الذين يُستخدمون كعبيد العصر الحديث في البيوت البلاستيكية الزراعية في هويلفا، أو في متاجر الأندلس، أو في الأعمال الشاقة والمهينة المنتشرة في مختلف أنحاء شبه الجزيرة الإيبيرية.
وقد بلغ الأمر حد أن الحكومة الإسبانية تعتزم بجدية تسوية أوضاع خمسمائة ألف مهاجر غير نظامي، وفق المنطق نفسه، بهدف استقدام يد عاملة رخيصة تُبقي اقتصادها المتعثر قيد التشغيل.
وهذه هي المنهجية نفسها السائدة في مختلف أنحاء أوروبا، حيث تُسند الأعمال الشاقة، التي يرفضها المواطنون الأوروبيون أو هجروها، إلى المهاجرين، سواء كانوا نظاميين أو غير نظاميين. فأوروبا تشيخ، ولم تعد تنجب ما يكفي من الأطفال، وأبناؤها، عندما يبلغون سن العمل، لم يعودوا يرغبون في القيام بالأعمال المرهقة. وهكذا يُفتح المجال أمام المهاجرين الذين يدفعهم الجوع، والذين يغادرون أوطانهم بسبب غياب الآفاق وانعدام الأمل في مستقبل أفضل.
إن أوروبا تستقطب من إفريقيا أفضل كفاءاتها، من كبار الخريجين والأطباء والمهندسين، لكنها تستقطب أيضاً كل الأيدي المستعدة للعمل الشاق مقابل بضع عشرات من اليوروهات يومياً.
إن بؤس العالم أصبح مورداً قابلاً للاستغلال، ما دامت تُنظَّم بصورة ممنهجة حالة الفقر في البلدان الإفريقية حتى تواصل تصدير هذه اليد العاملة، سواء كانت مؤهلة أو غير مؤهلة. وبعد ذلك نرى السياسيين الأوروبيين يأتون ليعطونا دروساً في الأخلاق، وحقوق الإنسان، والديمقراطية، والكرامة المنتهكة…
إن الناتج الداخلي الخام لإسبانيا وحدها يعادل تقريباً الناتج الداخلي الخام لمعظم إفريقيا. وينطبق الأمر بدرجة أكبر على دول أوروبية أخرى مثل فرنسا وألمانيا وإنجلترا وإيطاليا. فجميع هذه الدول الكبرى يعتمد اقتصادها على المهاجرين.
ولو كانت سياساتها المتعلقة بالهجرة منسقة فيما بينها، لما تمكن أي مهاجر من عبور أي حدود أوروبية.
فإذا كان المغرب، بمفرده، قادراً على منع أي مهاجر من عبور أراضيه، فكيف تعجز سبع وعشرون دولة أوروبية عن تحقيق ذلك، بينما تستمر موجات المهاجرين في الوصول إلى الأراضي الأوروبية؟
أنا لا أؤيد أي نظرية مؤامرة تزعم أن المغرب فتح حدوده عمداً لإحراج إسبانيا خلال الأيام الأخيرة في سبتة.
وأمام هذا التدفق البشري الناتج عن حكم المحكمة العليا الإسبانية، أي دولة في العالم تستطيع أن توقف ستين ألف شخص يسيرون على الأقدام نحو أي حدود كانت، من دون أن تقع خسائر بشرية؟
لقد تعاملت السلطات المغربية مع الوضع بأفضل ما استطاعت، من دون التسبب في خسائر بشرية، وهي تحت أنظار كاميرات العالم بأسره، التي لا تنتظر سوى المشهد المثير أو الانزلاق الذي يمكن استغلاله لمهاجمة بلادنا. وقد قيل عنا كل شيء ونقيضه خلال اليومين الماضيين.
لا أحد يغادر وطنه بإرادته الكاملة. ولكل إنسان الحق في السعي إلى تحسين ظروف حياته، أينما سنحت له الفرصة.
فلا حاجز، ولا قوة، ولا سد، مهما بلغت صلابته أو إحكامه أو ارتفاعه، يستطيع أن يثني إنساناً يبحث عن الأمل أو عن غد أفضل. لقد بُنيت الولايات المتحدة على الهجرة، وأُعيد بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية بفضل الهجرة، ولا سيما الهجرة الإفريقية.
كما أن دول الخليج العربي بُنيت بفضل الهجرة القادمة من شبه القارة الهندية ومن جنوب شرق آسيا.
وحتى الصين حققت جزءاً كبيراً من نهضتها بفضل الهجرة الداخلية…
إن الإنسان يحمل في جيناته حاجة إلى الهجرة عندما يعجز عن تأمين احتياجاته الأساسية في المكان الذي وُلد فيه…
إن الحل لهذه المشكلات المرتبطة بالهجرة يكمن في عقد مؤتمر دولي يجمع بين البلدان المصدِّرة للهجرة والبلدان المستقبِلة لها.
مؤتمر يناقش حلولاً عملية بعيدة المدى، لا أن يتحول إلى ساحة لتبادل الاتهامات وإلقاء المسؤولية عما يحدث اليوم.
لكن قبل كل ذلك، لا بد من وضع حد لهذا النفاق المعمم، الذي يجعل المسؤولية تقع دائماً على عاتق الأفقر والأكثر حرماناً.
وعندما يعتبر الأوروبيون، والإسبان على وجه الخصوص، الذين يتقنون فن ازدواجية الخطاب والنفاق، المغرب شريكاً حقيقياً، ومن خلاله سائر البلدان المصدرة للهجرة، عندها فقط ستتغير الأمور فعلاً.






