القضاء يحسم في الدستورية… أمّا الشرعية والثقة فمسؤولية السياسة والحوار
في الجزأين السابقين حدّدنا موقع المحاماة الدستوريّ وفكّكنا منطق التبخيس ومَن يقف وراءه. وهنا ننتقل إلى السؤال الذي فرضه انتقال الملف إلى القضاء الدستوريّ: ماذا ننتظر فعلًا من المحكمة؟
انتهت معركة البرلمان
قال البرلمان كلمته وحسمت الأغلبية موقفها وانتقل النصّ إلى المحكمة الدستورية. ومنذ إحالته انتشرت تساؤلاتٌ والتباسٌ واسع حتى داخل صفوف المحامين أنفسهم حول ما يمكن أن يصدر عنها إذ ساد لدى البعض اعتقادٌ بأنّ المحكمة ستتدخّل لـ«تصحيح الخطأ» أو أنّها قد «ترفض القانون» أو تعيد إلى المهنة ما لم تحصل عليه في البرلمان. وهذا الالتباس يستحقّ وقفة لأنّه يقوم على قراءةٍ غير دقيقة لوظيفة القضاء الدستوري.
رقابة مطابقةٍ لا ملاءمة
المحكمة الدستورية مؤسسة قضائية لا فاعل سياسيّ يُطلب منه إعادة التفاوض حول ما حسمه المشرّع. ووظيفتها مراقبة مدى احترام النصّ للدستور ومبادئه لا إعادة صياغة الاختيارات على أساس ما تراه أنسب. فهي تسأل: هل يخالف النصُّ الدستور؟ لا: هل هو أفضل قانون ممكن؟ وللمشرّع سلطةٌ تقديرية واسعة داخل حدود الدستور. ولهذا قد يكون مقتضًى سيّئا أو غير عادلٍ في نظر المهنة وهو في الوقت نفسه دستوريّ؛ فالخطأ السياسيّ ليس دائمًا عيبًا دستوريا وينبغي التمييز بين دستورية القانون وجودته: الأولى للقضاء الدستوري والثانية للسياسة والنقاش العمومي.
وكأنّنا نريد من المحكمة أن تصنع توافقا رفضت السياسة صناعته. لكنّ القاضي لا يُنتج توافقا إنّه يزن النصّ بميزان الدستور. فإن قضى بالمطابقة فلا ينبغي أن تقرأ تزكية لكلّ اختياراته، وإن قضى بعدم دستورية مقتضى فذلك انتصار لسموّ الدستور لا لطرفٍ على طرف. وفي الحالتين ينبغي أن يكون المنتصر هو الدستور ودولة القانون، لأنّ المحكمة تحسم في الدستورية، أمّا الشرعية المهنية والاجتماعية فلا تصنعها وحدها.
الأغلبية التي تُمرّر… مؤقّتة
وتزداد أهمية هذا ونحن نقترب من استحقاقاتٍ تشريعية جديدة قد تعيد تشكيل الخريطة البرلمانية. فالأغلبيات بطبيعتها مؤقّتة، أمّا القوانين والمؤسسات فتمتدّ آثارها إلى ما بعد عمر الحكومات التي صنعتها. فالأغلبية التي تمرّر اليوم قد تصبح غدًا أقلّية والمعارضة قد تصبح جزءًا من أغلبيةٍ جديدة أما الدولة ومؤسساتها فتبقيان. فبأي منطقٍ تبنى إصلاحات يراد لها أن تعمّر عقودًا، على أكتاف أغلبية لم يبقَ من عمرها إلا أشهر؟
إنّ التشريع بمنطق الدولة يختلف عن التشريع بمنطق الولاية الحكومية: الأول يفكر في استقرار المؤسسات على المدى الطويل والثاني قد يكتفي بما تسمح به أغلبية اللحظة.
النص أمام المحكمة… والأزمة خارجها
ولم يعد الأمر تحليلا نظريا فبلاغ جمعية هيئات المحامين الأخير (20 يوليوز 2026) حسم الموقف من داخل المهنة: إحالةُ المشروع على المحكمة «لا تُنهي الإشكالات» والأزمة «أزمة منهج» لا تحترم الديمقراطية التشاركية و«أزمة ثقة» عنوانها «نقض العهود والتنكّر للتوافقات» مع إعلان استمرار تعليق الخدمات المهنية والأشكال النضالية وطنيًّا ودوليًّا. وأيًّا كان تقديرنا لهذه القرارات فإن دلالتها لا تُخطئها العين: أنّ النص أصبح أمام المحكمة لكن الأزمة بقيت خارجها وأن الطرف الأقرب إلى الملف يصوغ التشخيص نفسه الذي ينتهي إليه هذا المقال.
التصعيد يُخسّر الجميع… والشراكة مصلحةٌ للجميع
ومن هنا فإنّ الرهان على التصعيد — من أيّ جهةٍ جاء — رهان خاسر للجميع. غير أنّ المسؤولية ليست متساوية: فالسلطة الحكومية بوصفها صاحبة المبادرة التشريعية ومَن يملك مفاتيح الحوار تتحمّل القسط الأكبر في وقف منطق الغلبة وإعادة الملفّ إلى طاولة التوافق والمهنة مدعوّةٌ إلى دفاعٍ راقٍ لا يمنح خصومها ذخيرة مجّانية.
والشراكة هنا ليست تنازلًا يقدّمه طرفٌ لآخر بل مصلحة للجميع: تكسب الدولة إصلاحًا قابلًا للحياة ويكسب المواطن دفاعًا حرا وتكسب المهنة كرامتها وتكسب العدالة ثقة لا يصنعها حكم قضائي وحده.
فحين يخسر التصعيد الجميعَ تكون الشراكة هي الرابح الوحيد الممكن.
الأعراف والتقاليد… لا تعلو على القانون
ولا بد في هذا السياق من ملاحظة نقدية تخصّ خطاب المهنة نفسها. فكثيرا ما يُواجَه القانون الجديد بحجّة «الأعراف والتقاليد»: او( عبارة جرت العادة أن نفعل كذا) أو هكذا درج العمل في المهنة،أو نحن مستقلون فنُقدّر بأنفسنا ما نأتيه وما ندعه.
وهذه للاسف حجة تحتاج إلى مراجعة لأنّ العرف المهنيّ لا يمكن أن يعلو على القانون ولا أن يُقاس به.
فالعرف في التراتب القانونيّ مصدر تكميلي لا يُعمَل به إلّا في نطاق ما لم ينظمه النص وشرطُ اعتباره ألّا يخالف قاعدة آمرة أمّا أن يُستدعى في مواجهة تشريعٍ قائم فذلك مخالف للتراتب نفسه. ثمّ إنّ الأعراف ليست كلّها فاضلة: فبعضها تراكمَ بحكم التكرار لا بحكم الصواب، وبعضها فقد مبرّره مع تغيّر الزمن ووسائل العمل، وبعضها الآخر لا يحمي المهنة بقدر ما يحمي أوضاعًا داخلها. والتمسّك به لمجرّد قِدَمه ليس دفاعًا عن الاستقلال، بل دفاعٌ عن العادة.
أمّا الاستقلال، وهو ما ندافع عنه في هذه السلسلة، فلا يعني الإفلات من القانون ولا الاحتكام إلى تقاليدٍ خاصة فوقه؛ إنّه استقلالٌ في إطار القانون لا خارجه: أن تُدبّر المهنة شؤونها بنفسها دون وصاية، لا أن تُعفى من القواعد التي تسري على الجميع. بل إنّ أقوى ما يخدم المهنة اليوم أن يقوم نقدها للنصّ على حججٍ دستورية وقانونية ومعايير دولية، لا على «ما جرت به العادة»؛ فالحجّة القانونية تصمد أمام المشرّع والقاضي والرأي العام، أمّا حجّة العرف فتُضعف الموقف وتمنح خصوم المهنة ما يقولون إنّه دفاعٌ عن امتيازات.
الدولة القويّة بمؤسساتها لا عليها
وما يجري اليوم مع المحاماة قد يُطرح غدًا مع القضاة أو الجامعة أو الأطباء أو الصحافة. فالسؤال أكبر من قانون: هل نريد دولةً تُقنع، أم سلطةً تفرض؟ إنّ وجود قضاءٍ مستقلّ وجامعةٍ مستقلّة وإعلامٍ حرّ ومحاماةٍ مستقلّة لا يُضعف الدولة، بل هو من علامات قوّتها؛ فالدولة القويّة هي التي تكون قويّةً بمؤسساتها، لا قويّةً عليها.
فلننتظر المحكمة، ولنعرف ماذا ننتظر منها: أن تحمي الدستور لا أن تحلّ محلّ السياسة؛ وأن تقول كلمتها في الدستورية لا أن تصنع وحدها الشرعية التي عجز الحوار عن بنائها. وبعد المحكمة يعود السؤال إلى مكانه الطبيعيّ: هل نستطيع أن نجلس من جديد إلى طاولةٍ واحدة ونبني إصلاحًا لا يشعر فيه أحدٌ بأنّه انتصر على الآخر؟ فالمحاماة ليست خصمًا للدولة، ولا جماعةً تبحث عن امتيازات؛ إنّها مهنةٌ حرّة تؤدّي وظيفةً لا تقوم دولة الحقّ والقانون من دونها، والدفاع عن استقلالها دفاعٌ عن المواطن يوم يجد نفسه وحيدًا أمام السلطة.
فالمحكمة ستقول كلمة الدستور… أمّا الشرعية والثقة فنبنيهما جميعًا.






