فن وإعلام

“الأوديسة”..حينما يُعيد نولان ابتكار هوميروس سينمائيا

عبد الكريم واكريم (ناقد سينمائي)

منذ فيلمه الثاني “مومنتو” لم يكن كريستوفر نولان مخرجا يروي الحكايات بقدر ما كان يعيد ابتكار طرائق روايتها. فالزمن في سينماه ليس مسارا مستقيما، بل بنية متشظية، والذاكرة ليست مجرد أرشيف للماضي، وإنما قوة تعيد تشكيل الحاضر، فيما لا تظهر شخصياته كأبطال مكتملين، بل ذواتا قلقة، مثقلة بالذنب والأسئلة الوجودية وبحثا دائما عن معنى وجودها. لذلك يبدو دخوله إلى عالم هوميروس في “الأوديسة” امتدادًا طبيعيا لمشروع سينمائي ظل، على مدى أكثر من عقدين، منشغلا بالزمن والهوية والمصير الإنساني.


غير أن نولان لا يقترب من ملحمة هوميروس بوصفها نصا مقدسا ينبغي نقله إلى الشاشة، بل باعتبارها مادة قابلة لإعادة التأويل. فبدل أن يعيد إنتاج الأسطورة كما استقرت في المخيال الجمعي، يسائلها من داخل مشروعه السينمائي الخاص، فيحوّل الرحلة من ملحمة بطولية إلى تجربة وجودية، ومن سرد للمغامرات إلى تأمل في الذاكرة وآثار الحرب وحدود الإنسان.


ورغم أن الأوديسة تبدو، في ظاهرها، رحلة تبدأ بعد سقوط طروادة وتنتهي بعودة أوليس إلى إيثاكا، فإن نولان يفكك هذا التسلسل منذ البداية، ويعيد تركيب الأحداث وفق منطق الذاكرة لا منطق التاريخ. تتجاور الأزمنة، وتتقاطع الذكريات، وتتعدد زوايا الرؤية، فلا يعيش المتفرج رحلة “أوليس” كما وقعت، بل كما تستعاد داخل وعي الشخصيات، وكما يعيد الزمن نفسه صياغتها.


ولا يتحول هذا البناء غير الخطي إلى مجرد لعبة شكلية، بل يصبح التعبير الأنسب عن فكرة الفيلم الأساسية: الحقيقة لا يمتلكها أحد بصورة كاملة، وإنما تتشكل تدريجيًا من خلال تعدد الأصوات وتشظي الذاكرة.


ومن خلال مونتاج بالغ الإحكام، ينسج نولان صورة “أوليس” من روايته عن نفسه، ومن روايات الآخرين عنه، لتصبح الشخصية نفسها موضوعا للبحث، لا مجرد بطل يقود الأحداث.


عرفت السينما والتلفزيون اقتباسات عديدة للأوديسة، من الفيلم الإيطالي ( 1954) بطولة كيرك دوكلاس وإخراج ماريو كاميريني إلى المسلسل القصير(1997) للمخرج الروسي أندريه كونشالوفسكي. غير أن معظمها احتفى بالبعد الأسطوري للنص، مركزًا على الوحوش والآلهة والعجائب. أما نولان فينقل مركز الثقل من الأسطورة إلى الإنسان، ومن المغامرة إلى التجربة النفسية، لتصبح الرحلة اختبارا للهوية أكثر من كونها سلسلة من المواجهات.


يعيد نولان، بهذا المعنى، تجريد أوليس من هالته الأسطورية، فلا يقدمه بوصفه بطلًا ينتصر على الوحوش، بل إنسانًا يحمل آثار الحرب في جسده وذاكرته. وهكذا تتحول الرحلة من مغامرة جغرافية إلى مسار داخلي لاستعادة هوية تصدعت تحت وطأة العنف والزمن، في قراءة تجعل الأوديسة أقل احتفاءً بالبطولة وأكثر انشغالًا بحدود الإنسان.


ولهذا ينتمي “أوليس” إلى العائلة نفسها التي تنتمي إليها شخصيات نولان الكبرى، شخصيات لا تبحث عن الانتصار بقدر ما تبحث عن الخلاص من ماضيها. غير أن هذا التقاطع لا يُلغي خصوصية الشخصية، بل يمنحها بعدا جديدا يجعلها أقرب إلى الإنسان المعاصر منها إلى البطل الملحمي التقليدي.


ومن هنا أيضا يكتسب حضور حرب طروادة معناه الحقيقي. فهي لا تظهر باعتبارها خلفية تاريخية للأحداث، بل جرحًا مفتوحًا يُفَسِّر كل ما سيأتي بعدها. فكل امتحان يخوضه “أوليس”، وكل تأخير في عودته، وكل مواجهة يعيشها، تبدو امتدادًا لذلك الخراب الأول الذي خلفته الحرب. لذلك لا يحتفي الفيلم بالمعارك، بل بما تتركه داخل الإنسان من تصدعات لا تزول.


ولا تختلف هذه الرؤية كثيرًا عن الموقف الأخلاقي الذي يطبع مجمل سينما نولان، منذ “العظمة” و”فارس الظلام” و”دانكيرك” وصولًا إلى “أوبنهايمر” ، حيث يتحول العنف دائمًا إلى سؤال أخلاقي أكثر منه استعراضا للقوة.


ومن أكثر التحولات إثارة للاهتمام إعادة بناء شخصية بينيلوب، التي لم تعد الزوجة السَّاكنة المنتظرة، بل شخصية تمتلك استقلالها الدرامي، وتقاوم الزمن والسلطة والخاطبين بذكاء استثنائي. وفي المقابل، يرسم الفيلم شخصية الخاطب الطامع في العرش بوصفها تجسيدًا للانتهازية السياسية والأخلاقية، حيث يحل المكر محل الشجاعة، والطموح الشخصي محل القيم.


كما يمنح نولان علاقة “أوليس” بكاليبسو بعدًا فلسفيًا يتجاوز الرومانسية. فلا تصبح الجزيرة محطة خارج الزمن فحسب، بل فضاءً يواجه فيه البطل سؤالًا وجوديًا: هل تكمن قيمة الإنسان في الخلود، أم في محدودية حياته؟ وهل الوطن مكان يعود إليه، أم ذاكرة تمنح الحياة معناها؟


أما الآلهة فلا تظهر باعتبارها قوى خارقة تحكم العالم من الخارج، بل بوصفها استعارة سينمائية للقدر وللقوى التي تتجاوز إرادة الإنسان. ولذلك يتراجع البعد الميثولوجي التقليدي لصالح قراءة أكثر حداثة، يصبح فيها الصراع الحقيقي داخليًا، يدور داخل أوليس أكثر مما يدور مع الوحوش والكائنات الخارقة.


ولا تكتمل هذه الرؤية دون اللغة السينمائية التي يبني بها نولان عالمه. فالكاميرا لا تكتفي بتسجيل الحدث، بل تمنحه بعدًا حسيًا يجعل البحر فضاء نفسيًا بقدر ما هو فضاء جغرافي. فيما تمنح الصورة المَشَاهِدَ الملحمية اتساعا بصريًا لا يتحول إلى استعراض مجاني، لأنها تبقى مرتبطة دائما بالحالة الدرامية للشخصيات. ويعزز تصميم الصوت والموسيقى هذا الإحساس الدائم بالتيه والتوتر، بينما يحافظ المونتاج على إيقاع متوازن بين المشاهد التأملية والانفجارات البصرية، دون أن يفقد الفيلم وحدته الداخلية.


بهذا المعنى، لا تنبع قوة الفيلم من حجم مشاهده أو من إبهاره التقني، بل من قدرته على إخضاع هذه الأدوات جميعا لخدمة التجربة الإنسانية، بحيث تصبح الصورة والصوت والإيقاع وسائل للتعبير عن الذاكرة والخوف والحنين، لا غايات قائمة بذاتها.


يصعب، في النهاية، النظر إلى “الأوديسة” بمعزل عن مُجْمَل مشروع كريستوفر نولان، لكنه في الوقت نفسه يفرض استقلاله بوصفه واحدا من أكثر أفلامه اكتمالًا. فهو لا يعيد إنتاج هوميروس، ولا يكتفي بتحديثه، بل يقرأه من جديد في ضوء أسئلة الإنسان المعاصر.


ولهذا لا تبدو قيمة الفيلم في مدى وفائه الحرفي للنص الأصلي، بل في وفائه لجوهره الإنساني. فكما كتب هوميروس ملحمته بلغة عصره، يعيد نولان كتابتها اليوم بلغة السينما، لغة تتقاطع فيها الذاكرة مع الزمن، والقدر مع الحرية، والبطولة مع الهشاشة. وهكذا تغدو رحلة أوليس، بعد ثلاثة آلاف عام، رحلة الإنسان المعاصر نفسه، الباحث عن طريق العودة إلى وطن لم يعد هو، ولا صاحبه، كما كانا يوم الرحيل.