البارحة حررت دموعا كانت معتقلة في أجفني، حملني امتنانها إلى المراعي التي يغطي ترابها بعض جذوري، المراعي التي شهد ليلها ذات زمن ولى دموعا مماثلة وأنا أمشي مترنحا جنب
صديقي القاص حميد الهجامي نستنشق رائحة التراب وأعشاب القبور.
"لَكِ يا مَنازِلُ في القُلوبِ مَنازِلُ " أقفَرْتِ أنْتِ وهنّ منكِ أواهِلُ"
كنا معا، قبل ثلاثين سنة في خرائب ضيعتنا، حين أوحت لنا غصة فراق أبي بأن ملاذنا في السماء وليس في الأرض، وأن لا شيء سيعيد لي طيف ابتسامة والدي سوى كتابة قصة تخرجه من حفرة العدم. نقرر أن نكتب قصتين؛ أكتب أنا قصة عن والدي، ويكتب هو قصة عني أنا.. عن روحي التائهة وعن جسدي الذاوي.
ننظر معا إلى السماء باحثين عن نجمة الحظ التي تبزغ في الأفق الشرقي، وعن برج الطالع الذي لا يسطع إلا في الأذهان الغيبية. المسافات الشاسعة التي تفصل بين النجوم أخذنا نقيسها شبرا شبرا، إلى أن ندرك أن النجمة القطبية لا يفصلها عنا سوى أربعة أصابع... يضيفها حميد طاويا إبهامه ويقول: "ها هي، فلننس كل النجوم الوهمية، ولنبحر معا هذه الليلة على هدى النجمة القطبية صوب الأدب الروسي، وتجاه الجبل الأدبي الأشهر (الكلب الأبلق الراكض على حافة البحر)".
عكس أبطال جنكيز إيتماتوف في روايته لم يكن الامتداد البيولوجي هدفنا الرئيس، وإنما كان هدفنا هو الهدف نفسه الذي اختاره جنكيز إيتماتوف عنوانا لحياته: الكتابة... القصة التي تختزل الكون.
مرارا لم ندخل إلى يابسة الساحة الثقافية إلا بهياكل قصصية قدر لها أن تنهشها الظروف الاجتماعية، هياكل قصصية لا تصلح للنشر، وكنا نعدم هذه القصص معزيين نفسينا باستحضار روح رواية الشيخ والبحر لهمنغواي... "اصبر يا سنتياغو"... يقولها هو أو أنا كي تستمر رحلة البحث عن الأدب الضائع / الأب الضائع. لم نكن متسرعين في النشر، وكنا نقرأ أكثر مما نكتب، وكان صديقي يترجم الكثير من روائع القصص من لغات مختلفة كي نستمتع بقراءتها بلغتنا الأم... آه حميد تركتني وحيدا ومضيت.
"وقد كنت أَخشى الهجر وَالشمل جامِع" "وفـي كـل يـومٍ لفتة وَخِـطاب"
فـكيف وفيما بيننا)حزن مأتم(" " ولِلموت( حولي زخـرة وعـباب"
نودع السماء وكوبرنيكوس وغاليلو غاليلي وانشطاين، ونعود إلى المنزل... إلى الكتب والحلازين المسلوقة. نشفق على الحلازين فنقرر أن نصبح نباتيين، لكن سرعان ما ننسى الأمر ونبدأ في مداعبة الحلازين بالدبابيس... موسيقي مرسيل خليفة تحلق بنا في السماء، وصوت أميمة العذب يوقظ فينا الحنين إلى لقاء الأحبة، الذين فرقت بيننا وبينهم السبل المتشعبة، فنمني النفس بملاقاتهم في إحدى حدائق هذه السبل.
البارحة أعدت الاستماع إلى نفس الأغنية فاغرورقت عيناي، وتذكرت لحظة الغروب التي شهدت رحيل صديقي... لحظة نظرت نحو السماء أتأمل شمس المغيب... لحظة تذكرت هذا البيت الشعري الجميل:
"وكأننـــي آنســـت يـــــومي زائــــلاً " "فرأيت في المــرآة كيف مسائي".






