إن ارتفاع معدل التشغيل بهذا القدر المحدود وان صح لا يمكن اعتباره نجاحا للسياسات الحكومية، بل هو مجرد تحسن هامشي لا يخفي عمق الأزمة البنيوية التي يعيشها سوق الشغل المغربي، وهي أزمة تتحمل مسؤوليتها الحكومات المتعاقبة التي اختارت، منذ سنوات، سياسات اقتصادية ليبرالية متوحشة أضعفت الاستثمار العمومي المنتج، ووسعت دائرة الهشاشة، وكرست التشغيل غير المستقر، وأضعفت الحماية الاجتماعية الفعلية للشغيلة.
ويكشف التقرير نفسه أن هذا التحسن الطفيف تحقق أساسا في المناطق الحضرية، حيث ارتفع معدل التشغيل بـ0.4 نقطة مئوية ليستقر عند 35.3%، بينما عرف العالم القروي تراجعا جديدا بـ0.3 نقطة ليستقر معدل التشغيل عند 43%. وهذه المعطيات تؤكد استمرار الاختلالات المجالية وفشل السياسات العمومية في خلق تنمية متوازنة تحفظ حق ساكنة القرى في الشغل الكريم، وتحد من الهجرة القسرية نحو المدن.
كما يشير التقرير إلى أن قطاع الخدمات ظل المحرك الرئيسي لإحداث فرص الشغل خلال سنة 2025، بعدما وفر حوالي 123 ألف منصب شغل جديد،وحسب الاحصائيات الرسمية دائما، إلا أن هذا الرقم يبقى أقل بكثير مما تحقق خلال سنة 2024، التي شهدت إحداث حوالي 160 ألف منصب، أي بتراجع يناهز 37 ألف وظيفة في سنة واحدة. وهذا يعني أن قدرة الاقتصاد الوطني على خلق مناصب الشغل ليست فقط محدودة، بل إنها تشهد تباطؤا واضحا رغم كل الخطابات الرسمية التي تتحدث عن الانتعاش الاقتصادي.
غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في عدد المناصب المحدثة، وإنما في طبيعتها. فجزء كبير من فرص الشغل التي يوفرها قطاع الخدمات يتسم بضعف الأجور، وغياب الاستقرار، وانتشار العقود المؤقتة، وعدم احترام الحقوق الأساسية للأجراء، من تغطية اجتماعية وتأمين صحي وتقاعد وسلامة مهنية وحرية العمل النقابي. ولذلك فإن الحديث عن 123 ألف منصب شغل لا يعني بالضرورة توفير 123 ألف فرصة للعيش الكريم.
ويعترف التقرير نفسه باستمرار الإكراهات المرتبطة بجودة الوظائف، وضعف الحماية الاجتماعية، وصعوبة إدماج الشباب في الحياة المهنية، وهو اعتراف رسمي يؤكد ما ظلت الحركة النقابية تنبه إليه منذ سنوات، وهو أن الأزمة ليست ظرفية، بل هي نتيجة مباشرة لاختيارات حكومية راكمت الأرباح لفائدة فئات محدودة، بينما تركت ملايين العمال والعاملات يواجهون البطالة والهشاشة وارتفاع تكاليف المعيشة.
ومن هذا المنطلق، فإن الحركة النقابية اليسارية التقدمية الحقيقية تعتبر أن مسؤولية الحكومات المتعاقبة لا تقاس فقط بمؤشرات النمو أو نسب التشغيل، وإنما بمدى قدرتها على ضمان الشغل اللائق كما تعرفه منظمة العمل الدولية، أي شغل يوفر أجرا عادلا، واستقرارا مهنيا، وحماية اجتماعية شاملة، واحتراما للحريات والحقوق النقابية.
إن المطلوب اليوم ليس الاحتفاء بارتفاع لا يتجاوز 0.1 نقطة مئوية في معدل التشغيل، وإنما إطلاق مراجعة جذرية للسياسات الاقتصادية والاجتماعية، تجعل من التشغيل أولوية وطنية، وتربط الاستثمار بخلق مناصب شغل مستقرة، وتعيد الاعتبار للصناعة الوطنية، والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، والمقاولات الصغرى والمتوسطة، والتنمية القروية، مع الرفع الحقيقي للأجور، ومحاربة التشغيل الهش، وتوسيع الحماية الاجتماعية لتشمل جميع العاملات والعمال دون استثناء.
إن الشغيلة المغربية لا تطالب بأرقام تزين التقارير الرسمية، بل تطالب بحقها في العمل الكريم، والأجر المنصف، والحماية الاجتماعية، والعدالة في توزيع الثروة. فالتنمية الحقيقية لا تقاس بعدد المناصب المعلنة، وإنما بمدى قدرتها على تحسين حياة الناس، وصيانة كرامة العاملات والعمال، باعتبارهم المنتجين الحقيقيين للثروة الوطنية.






