سياسة واقتصاد

بين الثقة في النفس وغطرسة السلطة... كيف تُقرأ تصريحات رئيس الحكومة؟

إبراهيم حيمي

حين يقف رئيس الحكومة تحت قبة البرلمان، يفترض أن يخاطب المواطنين بمنطق الدولة، لا بمنطق الحزب أو الشخص. لذلك، فإن أي خطاب يوحي بأن مستقبل الاستثمار أو تدبير الشأن العام مرتبط ببقاء شخص بعينه في منصبه يثير أسئلة سياسية ودستورية عميقة. إذا كان المقصود من تصريحات رئيس الحكومة هو أن المستثمرين لن يتعاملوا إلا معه، أو أن المغرب لن يخدمه أحد غيره، فإن هذا الخطاب يتجاوز حدود الدفاع عن الحصيلة الحكومية إلى تكريس صورة خطيرة مفادها أن الدولة تختزل في شخص، وأن المؤسسات لا قيمة لها إلا بوجوده. وهذه رسالة لا تنسجم مع منطق المؤسسات الذي يقوم عليه أي نظام ديمقراطي. المفروض أن المغرب دولة بمؤسساتها، واستمراريته لا ترتبط بحكومة ولا بحزب ولا بشخص. المستثمرون يثقون في استقرار الدولة، وفي قوانينها، وقضائها، وإدارتها، وبنيتها الاقتصادية، لا في الأفراد مهما كانت مواقعهم. ثم إن استعمال منصة البرلمان لإطلاق رسائل تحمل طابعاً انتخابياً يطرح بدوره إشكالاً سياسياً وأخلاقياً. فالبرلمان فضاء للمساءلة وتقديم الحصيلة، وليس منصة للإيحاء بأن بقاء حزب معين في السلطة هو الضمان الوحيد لاستمرار التنمية أو جذب الاستثمار. فإذا اختلط خطاب الدولة بخطاب الحملة الانتخابية، فإن ذلك يفتح باباً واسعاً للنقاش حول تكافؤ الفرص واحترام حياد المؤسسات.

الزعيم السياسي الواثق من حصيلته يترك الأرقام والإنجازات تتحدث عنه، ولا يحتاج إلى الإيحاء بأن البلاد ستتوقف إذا غادر المنصب. فالدول تُبنى بالمؤسسات، أما الأشخاص فيتعاقبون عليها، وهذه هي قوة الدولة لا ضعفها. إن الاختلاف السياسي مشروع، والدفاع عن المنجزات حق، لكن ربط مستقبل المغرب أو اقتصاده بشخص واحد لا يخدم صورة المؤسسات، بل يضعفها. ولذلك يبقى السؤال مشروعاً: هل كانت تلك التصريحات تعبيراً عن ثقة مفرطة بالنفس، أم أنها انزلقت إلى خطاب يوحي باحتكار النجاح والدولة معاً؟ .. الدول لا تُقاس بعمر الحكومات، ولا تُختزل في أسماء المسؤولين. ومن يربط مستقبل الوطن ببقائه في المنصب، لا يعبر عن قوة الدولة، بل عن تصور شخصي للسلطة يتعارض مع جوهر العمل الديمقراطي. 

ملاحظة : 

"المغاربة لم يبنوا دولتهم على قاعدة: إذا رحل المسؤول رحلت الدولة. فالمناصب زائلة، أما الوطن فباقٍ بمؤسساته وشعبه، وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن يظل حاضراً في كل خطاب سياسي لأي مسؤول كيفما كان حجمه."