تحت عنوان "الجزائر: ثاني أكثر جيش تكلفة في العالم بالنسبة لبلد ليس في حالة حرب." كشفت مجلة “لوبوان” في عددها الأخير أن الجزائر رفعت إنفاقها العسكري من 9.1 مليارات دولار سنة 2022 إلى 25.4 مليار دولار سنة 2025، حيث بلغت النفقات العسكرية 8.8% من الناتج المحلي الإجمالي، وقرابة ربع الإنفاق العام، أي أن الجزائر تنفق حوالي نصف الإنفاق العسكري الإفريقي تقريباً، وهو ما يعني أن ميزانية الجيش الجزائري صارت بنية مركزية في فلسفة الدولة وتوزيع مواردها.
قرأ المقال الفرنسي الظاهرة من زاوية التوتر مع المغرب، والصحراء، والساحل، وغياب شرعية الرئيس عبد المجيد تبون التاريخية مقارنة بجيل حرب التحرير. وهذه عوامل صحيحة جزئياً، لكنها لا تفسر كل شيء. الأعمق من ذلك - كما سنحاول تبيانه هنا- هو أن الميزانية العسكرية الجزائرية تكشف انتقال الدولة من منطق “الدفاع عن الحدود” إلى منطق “الدفاع عن النظام”. حيث تحول الجيش من مؤسسة ضمن الدولة إلى مركز توازنها السياسي والرمزي والاقتصادي.
لا تشتري الجزائر السلاح فقط، بل تشتري زمناً سياسياً، وتعيد تثبيت مركز المؤسسة العسكرية، وتحوّل الخوف الإقليمي إلى مورد شرعية. لكن الخطر أن هذا النوع من الإنفاق، يتحول من حماية للدولة إلى عبء عليها.
في خضم النقاش الذي أثاره التقرير الذي نشرته مجلة Le Point حول الميزانية العسكرية الجزائرية، انصب الاهتمام، في معظمه، على الأرقام الصادمة: أكثر من خمسة وعشرين مليار دولار مخصصة للدفاع، ومرتبة متقدمة عالمياً في حجم الإنفاق العسكري بالنسبة لدولة لا تخوض حرباً مفتوحة، وهي الثانية بعد أوكرانيا التي تخوض حربا وجودية. غير أن التركيز على الرقم وحده، مهما كان حجمه، قد يحجب السؤال الأكثر أهمية. فالأرقام في السياسة هي لغة الدولة نفسها كما يقول الاقتصاديون. وما تنفقه الحكومات يكشف، في كثير من الأحيان، عن تصورها لنفسها وللعالم ولمصادر الخطر ولأولوياتها، لذلك فإن الميزانية العامة وثيقة سيادية تعكس ترتيب السلطة لأولوياتها، وتحدد المجال الذي تعتبره الضامن الأول لبقائها واستمرارها.
من هذا المنظور، تبدو الميزانية العسكرية الجزائرية تعبيراً عن خيار سياسي وبنيوي. فالدول عادة تضاعف إنفاقها العسكري بهذا الحجم عندما يصبح الأمن، بمفهومه الضيق، هو العدسة التي تُقرأ من خلالها معظم التحديات الداخلية والخارجية. حيث يتحول الجيش من مؤسسة دفاعية إلى أحد المفاتيح الرئيسية لفهم طبيعة الدولة، وتغدو الميزانية العسكرية مرآة لبنيتها السياسية، وللعلاقة التي تنسجها السلطة مع المجتمع والاقتصاد ومصادر الشرعية.
لقد قدّمتLe Point تفسيراً يربط هذا الارتفاع بالتوتر مع المغرب، وبالتحولات التي يعرفها الساحل الإفريقي، وبالمكانة التاريخية للمؤسسة العسكرية داخل النظام الجزائري. وهي قراءة تلتقط جانباً مهماً من المشهد، لكنها تظل، في تقديرنا، أقرب إلى وصف السياق منها إلى تفسير البنية. فالتهديدات الإقليمية لا تفسر وحدها لماذا أصبح الإنفاق العسكري يحتل هذه المكانة المركزية في أولويات الدولة الجزائرية، فالأسباب الظرفية لا تكفي لتفسير الخيارات البنيوية، تماماً كما أن الحدث لا يفسر وحده التاريخ الذي أنتجه. فقد شهدت ميزانية الدفاع تطوراً لافتاً خلال السنوات الأخيرة، كانت في عام 2020 حوالي 19.7 مليار دولار، ووصلت إلى نحو 22 مليار دولار عام 2023، وفي عام 2024، استقرت الميزانية تقريباً عند مستوى 21.6 مليار دولار، أما في عام 2025 فقد شهدت ميزانية الدفاع ارتفاعاً جديداً، لتصل إلى نحو 25 مليار دولار، وهو رقم قياسي يُبرِز الاهتمام المتزايد بتطوير القطاع الدفاعي في البلاد، ويمثل أكثر من ربع الإنفاق العام، الذي يقدر بنحو 95 مليار دولار (في 2025 وأيضاً في 2026).
إذا كانت الميزانية العامة هي التعبير المالي عن أولويات الدولة، فالإنفاق العام يعكس رؤية الدولة لذاتها وللعالم المحيط بها. ولذلك يمكن اعتبار الميزانية العسكرية الجزائرية نافذة لفهم طبيعة الدولة الجزائرية نفسها، وللعلاقة المركبة بين الريع النفطي، والمؤسسة العسكرية، والشرعية السياسية، ومفهوم الأمن في بناء السلطة. وعليه، فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح: ماذا يكشف هذا الإنفاق عن الكيفية التي ترى بها الدولة نفسها، وعن النموذج الذي تسعى إلى ترسيخه؟
ميزانية دولة الجيش لا جيش الدولة
إذا كانت الدساتير تحدد شكل السلطة، فإن الميزانيات تكشف مضمونها الحقيقي، لأن الدول قد تغير خطابها من سنة إلى أخرى، لكنها نادراً ما تخطئ في التعبير عن أولوياتها عندما يتعلق الأمر بتوزيع الموارد. فالميزانيات توزع الموارد المالية ومعها توزع أيضاً الثقة والمخاوف والأولويات. وكل رقم كبير يخفي وراءه تصوراً معيناً للدولة، ولموقع الإنسان داخلها، ولمعنى القوة في نظر صانع القرار.
حيث تصبح الأرقام بيانات اقتصادية تتحول إلى لغة سياسية كاملة. فحين تمنح الدولة أولوية للتعليم، فإنها تعلن أن المعرفة هي أساس أمنها المستقبلي. وحين تستثمر بكثافة في الصحة، فإنها تقر بأن الإنسان هو رأسمالها الاستراتيجي. وحين توجه القسم الأكبر من مواردها إلى البنية التحتية، فهي تراهن على الاقتصاد بوصفه المصدر الأول للقوة. أما عندما يحتل الإنفاق العسكري موقع الصدارة، فإن الرسالة التي تبعث بها الدولة تختلف جذرياً، إنها تعلن أن الأمن، بمفهومه التقليدي، هو الركيزة التي تُبنى عليها بقية السياسات العامة.
ولهذا فإن النقاش الحقيقي حول الميزانية العسكرية الجزائرية ينبغي أن يبدأ بالسؤال عن موقعها داخل الفلسفة العامة للإنفاق العمومي. لا توجد دولة حديثة يمكنها الاستغناء عن مؤسسة عسكرية قادرة على حماية سيادتها ومجالها الحيوي. إنما السؤال يتعلق بالترتيب الذي تمنحه الدولة لأولوياتها، وبالمعنى السياسي الكامن وراء هذا الترتيب. فكل ميزانية هي، في نهاية المطاف، عملية اختيار بين احتياجات متنافسة.
ومن هنا تكتسب الميزانية العسكرية الجزائرية دلالتها الحقيقية. فهي مؤشر على الكيفية التي تعرّف بها الدولة أمنها، وعلى التصور الذي يحكم علاقتها بالداخل والخارج. ولذلك فإن محاولة تفسير هذه الميزانية انطلاقاً من التوترات الإقليمية وحدها تبقى قراءة جزئية، لأن التهديدات الخارجية لا تفسر وحدها تحوله إلى أحد أكبر بنود الإنفاق العام. فالاختيارات المالية الكبرى تُولد من التصورات العميقة التي تحملها الدولة عن نفسها وعن مصادر بقائها، وعن الوسائل التي تراها كفيلة بضمان استمراريتها. وهنا نصل إلى السؤال الأكثر عمقاً: كيف تتصور الدولة الجزائرية قوتها؟ وأين ترى مصدر أمنها الحقيقي؟
جل الدولة تمتلك الجيش، وفي الجزائر الجيش يمتلك الدولة
هناك فرق كبير بين أن تمتلك الدولة سياسة أمنية، وبين أن تصبح الدولة نفسها أسيرة للرؤية الأمنية. ففي الحالة الأولى، يكون الأمن أحد أدوات السياسة العامة، يؤدي وظيفة محددة هي حماية الحدود والمؤسسات والمواطنين، ويظل خاضعاً لأولويات التنمية والاقتصاد والمجتمع. أما في الحالة الثانية، فإن الأمن يتحول من وظيفة إلى منطق حاكم، ومن قطاع ضمن قطاعات الدولة إلى العدسة التي تُقرأ من خلالها جميع القضايا الأخرى. عندئذ لا يعود الاقتصاد مجرد وسيلة لإنتاج الثروة، بقدر ما يصبح أداة لدعم الجيش، ولا يُنظر إلى السياسة باعتبارها مجالاً للتنافس والتعدد، بل باعتبارها قضية ترتبط بالحفاظ على النظام العام، وحتى التنمية نفسها تُقاس بقدرتها على خدمة متطلبات الأمن، لا العكس. يكرَس هذا «التوجه الدفاعي» اعتماد البرلمان «قانون التعبئة العامة» في يونيو 2025، الذي يمنح الجيش صلاحيات واسعة في تسيير شؤون البلاد تحت ذريعة التهديدات الخارجية.
لقد بينت دراسات بناء الدولة أن الأنظمة التي تتشكل في بيئات مضطربة، أو التي تمنح الأولوية المطلقة لمفهوم السيادة، تميل إلى جعل الأمن محوراً تدور حوله بقية السياسات. وفي هذه الحالة، يصبح الإنفاق العسكري ترجمة مالية لتصور سياسي أوسع يرى أن بقاء الدولة واستقرارها يتقدمان على أي اعتبار آخر، وأن أدوات القوة الصلبة هي الضامن الأول لهذا البقاء.
تبدو الزيادة الكبيرة في الإنفاق العسكري الجزائري أقل ارتباطاً باللحظة الظرفية، وأكثر ارتباطاً بطريقة تنظر بها الدولة الجزائرية إلى نفسها وإلى محيطها. فالحدود الممتدة، والبيئة الإقليمية المعقدة، والذاكرة التاريخية المرتبطة بحرب التحرير ثم بالعشرية السوداء، كلها عناصر أسهمت في ترسيخ ثقافة أمنية قوية داخل مؤسسات الدولة. غير أن هذه العوامل، على أهميتها، لا تكفي وحدها لتفسير المكانة التي يحتلها الإنفاق العسكري في سلم الأولويات. فالدول التي تواجه تهديدات مشابهة لا تتبنى بالضرورة السياسات المالية نفسها، لأن الاستجابة تحددها الكيفية التي تدرك بها النخب الحاكمة ذلك التهديد، وما إذا كانت ترى أن الأمن العسكري هو الأداة الأكثر فعالية لمواجهته، أم أن جزءاً من الأمن يُبنى كذلك عبر الاقتصاد، والتعليم، والابتكار والاندماج الإقليمي.
لا يعكس تضخم الإنفاق العسكري الجزائري حجم المخاطر الموضوعية التي تواجهها الدولة، إنما يعكس حقيقة موقع الجيش في الدولة، أيهما يملك الآخر؟
مآزق حجم الإنفاق العسكري الجزائري
أول مأزق ارتفاع الإنفاق العسكري ليصل إلى ربع الميزانية العامة، هو البعد الريعي. تعتمد الجزائر بقوة على عائدات المحروقات، وصندوقها العمومي يرتبط بإيقاع أسعار النفط والغاز. في 2025 حذر صندوق النقد الدولي الجزائر من تنامي الهشاشة المالية مع اتساع العجز واستنزاف الهوامش المالية، مؤكداً أن النموذج الموازناتي يحتاج إلى إصلاحات عميقة وتنويع اقتصادي حقيقي. لذلك تبدو مضاعفة الإنفاق العسكري أقرب إلى تثبيت الريع داخل جهاز صلب بدل تحويله إلى إنتاج، تعليم، صحة، تكنولوجيا، ومقاولات.
ثاني مأزق هو كلفة الفرصة الضائعة. حين تخصص الدولة حوالي 25 مليار دولار للدفاع، بينما تظل ميزانيات الصحة والتعليم أدنى بكثير، فميزانيات قطاعات مثل الصحة (6.8 مليار دولار) والتعليم (13.7 مليار دولار)، في بلد يبلغ عدد سكانه نحو 46 مليون نسمة، وهو ما يعني ترسيخ قوة الجيش مقابل إضعاف كل فرص تنمية مجتمع.
ثالث مأزق هو صناعة الخوف. تنتج الجزائر منذ زمن بعيد سردية تهديد مستمرة. التوتر مع المغرب، وملف الصحراء، وعدم الاستقرار في الساحل، كلها عناصر يتم تضخيمها وتحيّلها إلى أداة سياسية داخلية. كلما تعاظم الخطر الخارجي في الخطاب الرسمي، صار الإنفاق العسكري أقل قابلية للمساءلة. ومن يسأل عن الصحة أو البطالة أو الحريات يمكن أن يُتهم ضمنياً بأنه لا يفهم "المخاطر الاستراتيجية" ويهدد النظام.
رابع مأزق هو العلاقة بين الجيش والشرعية. لم تعد الجزائر بعد الحراك الشعبي كما كانت قبله. كشف الحراك أن جزءاً واسعاً من المجتمع يريد دولة مدنية، شفافية، ومراقبة ليست فقط حامية الحدود، بل ضامنة النظام، ومالكة حق تحديد المصلحة الوطنية.
خامس مأزق هو سباق التوازن مع المغرب. صحيح أن المغرب يرفع بدوره إنفاقه العسكري، لكن الفارق كبير، إذ تشير الأرقام إلى أن الجزائر تنفق نحو أربعة أضعاف ما ينفقه المغرب فقد بلغ إنفاقه العسكري 6.3 مليار دولار في 2025، مقارنة بـ 5.5 مليار في 2024 و5.2 مليار في 2023. غير أن المفارقة أن هذا التفوق المالي لا يعني بالضرورة تفوقاً استراتيجياً. القوة الحديثة لا تقاس فقط بحجم الشراء العسكري، بل بجودة التحالفات، التصنيع المحلي، الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، الاقتصاد، الدبلوماسية، والاستقرار الاجتماعي. يشتغل المغرب أكثر على شبكة تحالفات غربية وإفريقية، بينما تعتمد الجزائر غالباً على منطق الكتلة العسكرية الثقيلة.
سادس مأزق هو مأزق السلاح المستورد. حين ترتفع ميزانية الجيش في بلد لا يمتلك صناعة دفاعية متكاملة، فإن جزءاً كبيراً من المال يذهب إلى الخارج. أي أن الريع النفطي يتحول إلى عقود تسليح، ثم يغادر الاقتصاد الوطني. هنا لا ينتج الإنفاق العسكري دورة اقتصادية داخلية قوية كما يحدث في دول تملك صناعة دفاعية، بقدر ما يتحول إلى نزيف مقنّع للعملة الصعبة. الأخطر أن تحديث السلاح يخلق اعتماداً دائماً على الصيانة، الذخائر، التدريب، وقطع الغيار. وهو ما يعني فتح شهية الجيش دوما على عائدات التسليح وتركيز الثروة في يد الجيش.
سابع مأزق هو الساحل الإفريقي. فقدت الجزائر جزءاً من نفوذها التقليدي في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، في ظل صعود قوى جديدة وتراجع أدوار قديمة. لذلك يمكن قراءة الإنفاق العسكري أيضاً كتعويض عن تآكل النفوذ الدبلوماسي. حين تضعف القدرة على الوساطة والتأثير السياسي، تميل الدولة إلى تضخيم أدوات الردع. لكن الردع لا يعيد بالضرورة النفوذ. تحتاج المنطقة اليوم استخبارات، تنمية حدودية، شراكات اقتصادية، ومرونة دبلوماسية أكثر مما تحتاج إلى تضخم ميزانيات كلاسيكي. لا يسمن سوى أرصدة جنرالات الجيش على حساب المجموعة الوطنية الجزائرية.
ثامن بعد هو الخطر الاجتماعي، فالدولة التي توسع ميزانية الدفاع على حساب الاستثمار الاجتماعي تخلق أزماتها الداخلية وتفاقمها. حين يشعر المواطن أن الدولة قوية بالسلاح وضعيفة بالخدمات، ينشأ تناقض خطير: هيبة خارجية مقابل هشاشة داخلية. هذه الهشاشة تتراكم في شكل عزوف، هجرة، غضب مكتوم، وفقدان ثقة.
هذا الارتفاع غير المسبوق في ميزانية الإنفاق العسكري لا تجب قراءته بمعزل عن تاريخ العلاقة بين الجيش والسلطة، فالدولة الجزائرية منذ الاستقلال لم تُبن حول المؤسسات المدنية، وإنما بُنيت حول المؤسسة العسكرية. أي أن الجيش ليس مجرد مؤسسة من مؤسسات الدولة بل هو الذي أنشأ الدولة وأعاد تشكيل السلطة بعد 1962، ثم بعد 1992، ثم بعد الحراك سنة 2019. فالجزائر تعيد تثبيت مركز المؤسسة العسكرية، وتحوّل الخوف الإقليمي إلى مورد شرعية. لكن الخطر أن هذا النوع من الإنفاق، يتحول من حماية للدولة إلى عبء ثقيل عليها.
ليست الدول القوية هي التي تنفق أكثر على السلاح، بل تلك التي تجعل السلاح آخر حلقات القوة، بعد الاقتصاد، والعلم، والمؤسسات، والثقة المجتمعية. فالجيوش تحمي الدول، لكنها لا تبنيها وحدها، والذي يبني الدول هو الإنسان، والمعرفة، والإنتاج، والمؤسسات القادرة على تحويل القوة العسكرية إلى جزء من مشروع وطني متوازن.
منذ آلاف السنين كانت الإمبراطوريات تقيس عظمتها بعدد الجنود. ثم جاءت الثورة الصناعية، فأصبح الفحم والحديد معيار القوة. وبعدها أصبح النفط معياراً للنفوذ. أما في القرن الحادي والعشرون، فلا تُقاس الأمم فقط بما تملكه من ترسانات، بل بما تنتجه من معرفة، وما تبنيه من مؤسسات، وما تزرعه من ثقة بين الدولة ومواطنيها. لذلك فإن الميزانية العسكرية، مهما بلغت، لا تصبح دليلاً على القوة إلا إذا كانت تحرس اقتصاداً منتجاً، وتعليماً متقدماً، ومؤسسات قادرة على تحويل الأمن إلى تنمية، لا أن تحل التنمية محل الأمن أو الأمن محل التنمية.
الدولة الريعية... النفط من محرك للتنمية إلى ركيزة للقوة الصلبة
إذا كان النفط قد منح الجزائر، منذ سبعينيات القرن الماضي، قدرة مالية استثنائية مقارنة بمعظم دول المنطقة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق بحجم هذه الموارد، وإنما بطريقة توظيفها. فالثروة الطبيعية لا تنتج، في حد ذاتها، نموذجاً سياسياً بعينه، إنها تفتح أمام الدولة مجموعة من الخيارات، وما يحدد المسار هو الكيفية التي يُعاد بها توزيع المال بين قطاعات الاقتصاد والمجتمع ومؤسسات الدولة.
في الأدبيات الاقتصادية، يُنظر إلى الدولة الريعية باعتبارها دولة تستمد جزءاً كبيراً من مواردها من دخل خارجي لا يرتبط مباشرة بالإنتاج الداخلي، كما هو الحال بالنسبة لعائدات النفط والغاز. ويمنح هذا الوضع السلطة هامشاً مالياً واسعاً، لكنه يضعها في الوقت نفسه أمام معضلة جوهرية: كيف تُحوِّل الريع المؤقت إلى تنمية دائمة؟ هنا تبدأ المفاضلة الحقيقية بين الاستثمار في الاقتصاد المنتج، أو في رأس المال البشري، أو في البنية التحتية، أو في أدوات القوة الصلبة.
ولا يختلف اثنان في أن لكل دولة الحق في بناء قدراتها الدفاعية بما يتناسب مع تقديرها لبيئتها الأمنية. غير أن ما يثير الانتباه في الحالة الجزائرية ليس وجود إنفاق عسكري مرتفع في حد ذاته، بل موقع هذا الإنفاق داخل الهيكل العام للمالية العمومية، وفي الطريقة التي يعكس بها ترتيب الأولويات. فحين يزداد نصيب الدفاع بوتيرة تفوق قطاعات أخرى، يصبح من المشروع أن يُطرح السؤال حول الفلسفة التي تحكم هذا الاختيار، لا حول مشروعيته في ذاته.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن جزءاً من الريع النفطي لم يعد يُستخدم فقط بوصفه مورداً لتمويل الخدمات العامة أو دعم الاستقرار الاجتماعي، بل أصبح أيضاً مورداً لتدعيم مركزية الجيش الذي اصبح يختزل الدولة ويبتلع باقي مؤسساتها، لذلك أصبح أحد أكبر المستقبلين لعوائد الريع، وهو ما يعكس تصوراً يعتبر أن الحفاظ على الاستقرار الاستراتيجي شرط يسبق، أو يوازي، بقية أهداف التنمية.
ما هو التوازن الأمثل بين الاستثمار في الأمن العسكري والاستثمار في مصادر القوة الاقتصادية والعلمية والاجتماعية؟ فالقوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد نتاج عنصر واحد، بل أصبحت حصيلة تفاعل بين الردع العسكري، والقدرة الإنتاجية، والابتكار، والتعليم، والمؤسسات. وهنا تكمن المفارقة. فالدول التي نجحت في ترسيخ مكانتها الدولية لم تعتمد على عنصر واحد من عناصر القوة، بل بنت منظومات متكاملة جعلت من الجيش حامياً لاقتصاد قوي، لا بديلاً عنه.
الدولة التي ترى العالم من الحدود
هناك مقولة شهيرة في الفكر الاستراتيجي تقول إن الدول لا تتصرف وفق ما هو موجود في الواقع، وإنما وفق الصورة التي تحملها عن الواقع. فالسياسة الخارجية ليست انعكاساً مباشراً للجغرافيا، وإنما هي أيضاً نتاج الذاكرة، والخبرة التاريخية، والتمثلات التي تبنيها النخب الحاكمة حول الأخطار والفرص. ولهذا قد تواجه دولتان التهديد نفسه، لكنهما تستجيبان له بطريقتين مختلفتين، لأن ما يحكم القرار ليس الحدث وحده، بل الكيفية التي يُقرأ بها الحدث داخل مؤسسات الدولة.
ومن هذه الزاوية، لا يمكن فهم المقاربة الأمنية الجزائرية بعيداً عن التجربة التاريخية التي صاغت وعيها السياسي. فحرب التحرير رسخت مركزية السيادة والاستقلال، ثم جاءت مرحلة العنف الداخلي خلال التسعينيات لتجعل الاستقرار قيمة عليا في المخيال السياسي والمؤسساتي. كما أن الامتداد الحدودي الواسع مع دول تعرف درجات متفاوتة من الهشاشة الأمنية أوجد بيئة استراتيجية معقدة لا يمكن تجاهلها.
غير أن التاريخ، مهما كان تأثيره، لا يكفي وحده لتفسير الحاضر. فالدول لا تبقى أسيرة لذاكرتها إلى الأبد، وإنما تعيد باستمرار تحديد أولوياتها وفق تحولات البيئة الدولية. وهنا يحق لنا التساؤل: هل يعكس تضخم الإنفاق العسكري الجزائري استجابة مباشرة لهذه التهديدات، أم أنه يعبر فقط عن تخلي الجيش عن قناعه وتحكمه كليا في خيارات الدولة الجزائرية لحماية مصالح نخبه الحاكمة أكثر من مصالح الدولة الجزائرية ذاتها؟
إن المكانة الإقليمية عنصر مؤثر في سلوك الدول. فكل دولة ترى نفسها فاعلاً محورياً تميل إلى الاستثمار في أدوات القوة التي تعزز قدرتها على الردع والتأثير. لكن التجربة الدولية تبين أن المكانة المستقرة والدائمة تبنى بالاقتصاد، والقدرة على الابتكار، وجاذبية المؤسسات، والحضور الدبلوماسي، والقوة الناعمة. ومن ثم، فإن أي استراتيجية تركز بصورة مفرطة على عنصر واحد من عناصر القوة قد تحقق تفوقاً في مجال معين، لكنها تترك مجالات أخرى أقل نمواً، وهو ما قد يحد من قدرتها على تحويل التفوق العسكري إلى نفوذ سياسي أو اقتصادي مستدام.
من هنا، يصبح السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الجزائر تحتاج إلى جيش قوي، فهذا أمر يدخل في نطاق خياراتها السيادية، وإنما ما إذا كانت معادلة القوة التي تعتمدها تعكس فهماً متكاملاً لمصادر القوة في القرن الحادي والعشرين. فالعالم يشهد تحولاً متسارعاً لم تعد فيه القوة العسكرية وحدها كافية لصناعة المكانة الدولية، بل أصبحت المعرفة، والتكنولوجيا، والاقتصاد، والقدرة على بناء الشراكات.
منذ عقود، اعتادت الأدبيات الغربية وصف الجزائر بأنها «دولة الجيش»، أي دولة تتمتع فيها المؤسسة العسكرية بنفوذ واسع في المجال السياسي. غير أن هذا الوصف، على الرغم من حضوره في عدد من الدراسات، لم يعد كافياً لتفسير تعقيدات الدولة الجزائرية المعاصرة. فهو يصف توزيعاً للسلطة، لكنه لا يفسر المنطق الذي يحكم توزيع الموارد، ولا يجيب عن سؤال: لماذا يستمر الجيش في احتلال موقع متقدم داخل سلم الأولويات حتى مع تغير الأجيال والقيادات والظروف الدولية؟
ولعل الأدق هو النظر إلى الجزائر بوصفها حالة تتداخل فيها الدولة الريعية والدولة الأمنية، فالأولى توفر الموارد للطبقة الحاكمة من الجيش من خلال عائدات الطاقة، والثانية تحدد الكيفية التي تُرتب بها هذه الموارد بين القطاعات المختلفة. وبهذا المعنى، يصبح الإنفاق العسكري أحد تعبيرات نموذج أوسع لإدارة الدولة، يرى أن الجيش يمثل الشرط الأول لبقاء النظام ولممارسة بقية السياسات العامة.
غير أن هذا النموذج يطرح إشكالية جوهرية في الحالة الجزائرية. فرفع الإنفاق في مجال معين يعني دائماً تقليص الهامش المتاح لمجالات أخرى. ولا يتعلق الأمر هنا بإقامة تعارض مصطنع بين الأمن والتنمية، إذ لا يمكن لأي مشروع تنموي أن يزدهر في غياب الحد الأدنى من الاستقرار، كما لا يمكن لدولة أن تتجاهل متطلبات الدفاع عن سيادتها. لكن السؤال يتعلق بالتوازن: متى يصبح الأمن شرطاً للتنمية، ومتى يتحول إلى أولوية تبتلع بقية الأولويات؟
ولعل هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يوجه النقاش حول الميزانية العسكرية الجزائرية. فالقضية ليست في مشروعية امتلاك جيش قوي، ولا في حق الدولة في تقدير ما تواجهه من تحديات، وإنما في الكيفية التي تبتلع فيها المؤسسة العسكرية بشكل "دستوري ومقنن" الدولة والمجتمع الجزائريين، وتعتبر أي نقاش داخلي تهديدا لأمن الدولة وعمالة مع الأجنبي وزعزعة لاستقرار الدولة، أقصد الجيش.






