تمهيد:
لطالما كانت الطبقة الوسطى في المغرب، كما في معظم المجتمعات، أكثر من مجرد فئة إحصائية عابرة. إنها، في الأدبيات السوسيولوجية والاقتصادية، العمود الفقري الذي تستند إليه استقرار المجتمعات الحديثة، والصمام الذي يمنع انزلاق التوترات الاجتماعية نحو مواجهات عنيفة، والمحرك الذي يضخ الحيوية في عجلة الاستهلاك والإنتاج. وقد أدركت المؤسسة الملكية هذا الدور المحوري، كما تجلى في العديد من الخطابات الملكية السامية.
ففي خطاب عيد العرش سنة 2008، شدد الملك محمد السادس على أن "الهدف الاستراتيجي لكافة السياسات العمومية، هو توسيع الطبقة الوسطى، لتشكل القاعدة العريضة وعماد الاستقرار والقوة المحركة للإنتاج والإبداع". وفي خطاب افتتاح الدورة البرلمانية لسنة 2018، شبه جلالته المجتمع بالبيت "متكامل البنيان، أساسه المتين هو الطبقة الوسطى". بل إن خطاب العرش لسنة 2025 نفسه عاد ليذكر بـ "ضعف الطبقة الوسطى وتصاعد الهشاشة في الوسط الحضري" كأحد التحديات البنيوية التي تستوجب المعالجة.
غير أن هذا العمود، الذي حظي بهذا الاهتمام الملكي السامي، يبدو اليوم أكثر اهتزازاً مما كان عليه قبل عقدين. فبين الخطاب المؤسسي الطموح والواقع المعيشي المتدهور، تتسع هوة تثير كثيراً من التساؤلات حول مصير هذه الشريحة، وحول مدى قدرة النموذج التنموي المغربي، كما هو مرسوم على الورق، على حمايتها وتوسيعها بدلاً من تآكلها. هذا الجزء الأول محاولة لتشريح هذه الأزمة في أبعادها المنهجية ومظاهرها الملموسة.
الفصل الأول: في تحديد الهوية – من هي الطبقة الوسطى المغربية؟
قبل الغوص في تحليل الأزمة، لابد من وقفة منهجية لتحديد من نقصد بالضبط. فالإشكال الأول الذي يواجه أي دارس لهذه الفئة هو غياب تعريف إحصائي جامع مانع. المندوبية السامية للتخطيط، في دراساتها المختلفة، تعتمد معايير متعددة، تتراوح بين الدخل والإنفاق وحيازة السلع المعمرة. ويُقدر متوسط الدخل السنوي للأسر المغربية بحوالي 91,933 درهماً، أي ما يعادل 7,661 درهماً شهرياً، مع تفاوت بين الوسط الحضري (8,207 دراهم) والقروي (6,466 دراهم). لكن هذه الأرقام المتوسطة تخفي تحتها تباينات كبيرة، ولا تقدم صورة واضحة عن "الطبقة الوسطى" ككيان متماسك.
انطلاقاً من المقاربة السوسيولوجية، يمكننا تصنيف هذه الطبقة، في السياق المغربي، إلى مستويين رئيسيين، مع الإقرار بأن الحدود بينهما ليست ثابتة بل سيالة:
أولاً: الطبقة الوسطى العليا: وتضم كبار الموظفين في الإدارة العمومية والجماعات الترابية، والأطر الإدارية والتقنية العليا في القطاعين العام والخاص، وأصحاب المهن الحرة ذات الدخل المرتفع (كالأطباء، والمحامين، والمهندسين، والمحاسبين)، بالإضافة إلى مقاولي المقاولات الصغرى والمتوسطة، وكبار التجار. تتميز هذه الفئة بقدرتها على تحقيق فائض مالي يسمح بالادخار والاستثمار. إنهم، في الغالب، من يمتلكون القدرة على توفير تعليم متميز لأبنائهم في المدارس الخاصة، ورعاية صحية في المصحات الخاصة، مما يعزلهم نسبياً عن أزمات المرافق العمومية.
ثانياً: الطبقة الوسطى الدنيا: وهي الأوسع عدداً والأكثر هشاشة. تضم الموظفين ذوي الرتب المتوسطة والبسيطة في الإدارة، وأطر التعليم (الأساتذة والمدرسون)، والعمال المهرة في القطاع الصناعي والخدماتي، وصغار التجار والحرفيين، والأطر الشابة في بداية مسارهم المهني. تكفي موارد هذه الشريحة، في أحسن الأحوال، لتغطية النفقات الأساسية (السكن، الأكل، الكساء، التنقل) مع هوامش ضيقة جداً للادخار. إنهم يعيشون على حافة الهاوية، حيث يكفي عارض صحي طارئ، أو ارتفاع مفاجئ في أسعار المواد الأساسية، أو فقدان مؤقت للعمل، لقلب ميزانيتهم رأساً على عقب وإدخالهم في دائرة الفقر أو الهشاشة المديدة.
الأهمية الاستراتيجية:
تتجلى أهمية هذه الطبقة في ثلاثة أدوار محورية:
1. قاطرة الطلب الداخلي: تشكل الطبقة الوسطى، بكلا شطريها، الكتلة الاستهلاكية الأكبر في السوق المغربية. استقرارها المالي ينعكس مباشرة على انتعاش قطاعات الاستهلاك والخدمات، مما يدفع عجلة الإنتاج ويخلق فرص الشغل.
2. مصدر المدخرات والاستثمارات الصغرى: هي المصدر الأساسي للودائع البنكية وللاستثمارات الفردية الصغيرة، سواء في العقار أو في المشاريع الصغرى. تآكل هذه المدخرات يعني تجفيف أحد أهم منابع التمويل الذاتي للاقتصاد.
3. صمام الأمان الاجتماعي والسياسي: تلعب دوراً حيوياً في الحفاظ على التماسك الاجتماعي. فوجود طبقة وسطى واسعة ومزدهرة يعني تقليل حدة الاستقطاب بين الأغنياء والفقراء، وخلق "منطقة عازلة" تمتص الاحتقان وتحد من مخاطر الانزلاقات العنيفة أو الشعبوية المدمرة. إنها، كما ورد في الخطابات الملكية السامية "أساس البيت المتين هو الطبقة الوسطى".
الفصل الثاني: مظاهر التآكل – من السكن إلى الزواج، ومن الادخار إلى الهجرة
عند المقارنة بوضعية الطبقة الوسطى قبل عقدين أو ثلاثة، تبرز تحولات ملموسة ومقلقة في نمط عيشها. لم تعد القدرة الشرائية لهذه الفئة تسمح بما كانت تسمح به في التسعينيات أو أوائل الألفية، حيث كان دخل الموظف المتوسط (الذي كان يتراوح بين 4,000 و6,000 درهم) يكفي لتأمين سكن لائق، وتعليم خاص للأبناء، ورعاية صحية محترمة، مع هامش ادخار معقول. اليوم، تبدو هذه المعادلة قد اختلت بشكل جذري:
1. تراجع معدلات الادخار واستنزاف الاحتياطيات: تُظهر تقارير بنك المغرب والمؤشرات المالية الأخرى تباطؤاً ملحوظاً في نمو الودائع البنكية وحسابات التوفير التابعة للأسر. هذا لا يعني بالضرورة أن الأسر لم تعد تدخر، بل يعني أن نسبة متزايدة منها تضطر إلى سحب مدخراتها السابقة لتغطية النفقات الجارية. لقد تحول الادخار من وسيلة للتخطيط للمستقبل (شراء مسكن، زواج الأبناء، تقاعد) إلى مجرد احتياطي طوارئ يتم استنزافه بسرعة عند أي ارتفاع في الأسعار أو عارض صحي. هذه الظاهرة تحمل إنذاراً خطيراً، فهي تعني أن الطبقة الوسطى لم تعد قادرة على تجديد رأسمالها المالي، بل تعيش على ما راكمته في الماضي.
2. تحولات جذرية في سوق السكن والقدرة على التملك: كان تملك السكن اللائق حلم الطبقة الوسطى بامتياز، وأولى خطواتها نحو الاستقرار والارتقاء الاجتماعي. اليوم، ومع ارتفاع أسعار العقارات في المدن الكبرى (الدار البيضاء، الرباط، طنجة، مراكش) بشكل جنوني، تراجعت قدرة هذه الفئة على الاقتناء بشكل كبير. لم تعد الشقق ذات المساحات التقليدية (80 إلى 120 متراً مربعاً) في متناول اليد. وبدلاً من ذلك، نلاحظ توجهين رئيسيين:
- التوجه نحو السكن الضيق: الإقبال المتزايد على الشقق الصغيرة (بين 40 و60 متراً مربعاً) في الضواحي البعيدة، وغالباً بجودة بناء متواضعة أو رديئة.
- الاستمرار في الكراء طويل الأمد: حيث تذهب نسبة متزايدة من الدخل الشهري (تصل في بعض المدن إلى 40% أو أكثر) لدفع الإيجار، مما يحد من أي إمكانية للادخار ويمنع الأسر من تكوين أصول عقارية ثابتة.
3. التحولات الديموغرافية والاجتماعية (تأخر الزواج وتراجع الخصوبة): أصبح الزواج، الذي كان محطة طبيعية وحلم شباب الطبقة الوسطى، مشروعاً مؤجلاً بسبب التكاليف الباهظة لتأسيس السكن وتجهيزه وتكاليف الأعراس. ارتفاع متوسط سن الزواج ليس مجرد رقم إحصائي، بل مؤشر سوسيولوجي عميق على تغير الأولويات وتأجيل الحياة الأسرية تحت وطأة الضغوط الاقتصادية. وبالمثل، فإن تراجع معدلات الخصوبة يعكس وعياً متزايداً لدى الأسر بأن تربية طفل في الظروف الحالية تتطلب استثماراً مالياً كبيراً (تعليم، صحة، سكن) قد لا تستطيع تحمله.
4. هجرة الأدمغة والكفاءات (خسارة لا تعوض): أحد أبرز مظاهر فشل النموذج التنموي في استيعاب طاقات الشباب. فالأسر المتوسطة التي تستثمر جزءاً كبيراً من دخلها في تعليم أبنائها (خصوصاً في المدارس الخاصة والجامعات الأجنبية) تفاجأ بأن سوق الشغل المحلي لا يوفر فرصاً تليق بمؤهلات هؤلاء الخريجين ولا أجوراً تمكنهم من العيش الكريم. والنتيجة هي تنامي ظاهرة هجرة الأدمغة والكفاءات الشابة نحو أوروبا، كندا، والخليج. وفقاً للبنك الدولي، يعيش حوالي 5 إلى 6 ملايين مغربي في الخارج. هذه الهجرة، التي تطال سنوياً مئات المهندسين والأطباء والأطر العليا، تمثل نزيفاً حقيقياً للرأسمال البشري، وتحرم الاقتصاد الوطني من استثمارات التعليم التي تحملتها الأسر والدولة، وتفاقم من أزمة الشيخوخة السكانية في البلاد. ويُقدَّر أن وتيرة هجرة المهندسين والأطر التقنية قد تضاعفت لتتجاوز 1000 مهندس سنوياً في الآونة الأخيرة (خصوصاً في قطاعات تكنولوجيا المعلومات، البرمجيات، والهندسة الصناعية)، وهو ما يعادل تقريباً عدد خريجي بعض التخصصات الهندسية.
الفصل الثالث: تشريح الأزمة – العوامل البنيوية والجذور العميقة
لا يمكن اختزال أزمة الطبقة الوسطى في تدبير حكومي ظرفي أو وليدة أزمة دولية عابرة. إنها، في جوهرها، نتاج تراكمات هيكلية وسياسات تنموية تمتد لعقود. يمكن تفكيك هذه العوامل في المحاور التالية:
1. نموذج تنموي ريعي يعتمد على الاستيراد والاستهلاك: المغرب يعاني من عجز مزمن ومتفاقم في ميزانه التجاري، نتيجة اعتماده الكبير على استيراد الطاقة، والمواد الغذائية الأساسية (الحبوب، السكر، الزيوت)، والسلع الصناعية وسلع التجهيز. هذه التبعية تجعل بنية الأسعار المحلية مرتهنة للتقلبات في الأسواق العالمية وسعر صرف الدرهم. فأي ارتفاع في أسعار النفط أو الحبوب في الأسواق الدولية ينتقل فوراً إلى الأسعار المحلية، مرفوعاً بهوامش الربح المحلية، ليضرب القدرة الشرائية للطبقة الوسطى في الصميم. هذا النموذج، الذي راهن لعقود على الاستيراد بدلاً من الإنتاج، وعلى الاستهلاك بدلاً من الاستثمار الإنتاجي، هو مسؤولية النخب السياسية والاقتصادية المتعاقبة.
2. هشاشة سوق الشغل وعجزها عن استيعاب الكفاءات: رغم تسجيل معدلات نمو إيجابية في فترات متعددة، يفشل سوق الشغل المغربي في استيعاب الأعداد المتزايدة من خريجي الجامعات والمعاهد العليا. تُظهر إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط أن معدل البطالة استقر عند 13% خلال سنة 2025، مع انخفاض طفيف مقارنة بالسنة التي قبلها. غير أن هذه النسبة المتوسطة تخفي واقعاً أكثر قسوة لفئة الشباب (بين 15 و24 سنة)، حيث ارتفع معدل البطالة لديهم إلى 37.2%. هذا يعني أن أكثر من ثلث الشباب في سن العمل لا يجدون فرصة. والأسوأ من ذلك، أن الوظائف المتاحة غالباً ما تكون هشة (عقود مؤقتة، عمل غير مهيكل، تغطية اجتماعية ضعيفة، أجور متدنية)، مما يخلق فئة من "الطبقة الوسطى الوهمية" – شباب يحملون شهادات عليا ويتبنون أنماطاً استهلاكية طموحة لكنهم يفتقرون إلى الاستقلال المالي والوظيفة المستقرة.
3. انهيار الخدمات العمومية كعبء إضافي: في أي مجتمع متوازن، تقدم الدولة خدمات عمومية (تعليم، صحة، نقل، عدالة) بجودة مقبولة للجميع. في المغرب، يعاني المرفقان الأساسيان – التعليم والصحة – من تدهور مزمن. المدرسة العمومية، التي كانت في السبعينيات والثمانينيات منارة للتعليم الجيد، أصبحت تعاني من اكتظاظ الصفوف، وضعف التكوين، وغياب الوسائل، مما دفع الأسر المتوسطة إلى اللجوء إلى التعليم الخصوصي المكلف. وبالمثل، فإن المستشفى العمومي يعاني من نقص في الأطر والموارد، مما يضطر المواطنين إلى التوجه إلى القطاع الخاص لضمان رعاية صحية لائقة. هذه "الخصخصة القسرية" للخدمات الأساسية تستهلك جزءاً كبيراً من دخل الأسرة المتوسطة، وتستنزف مدخراتها عند أي عارض صحي، وتجعلها تعيش في قلق دائم.
4. ظلم النظام الضريبي وتركيز العبء على الأجراء: تتركز نسبة هامة من العائدات الضريبية المباشرة على الاقتطاع من المنبع، أي الرواتب والأجور في القطاعين العام والخاص. هذا يعني أن الطبقة الوسطى، عبر ضريبة الدخل، تتحمل عبئاً جبائياً كبيراً ومباشراً. في المقابل، يواجه النظام الضريبي صعوبات كبيرة في إدماج القطاع غير المهيكل (الاقتصاد الموازي) الذي يشكل نسبة مهمة من النشاط الاقتصادي، وفي ضبط مساهمة بعض المهن الحرة والأنشطة التجارية الكبيرة التي تستطيع، بفضل الخبرة المحاسبية والقانونية، تقليل فواتيرها الضريبية بشكل قانوني أو شبه قانوني. هذا التفاوت في توزيع الأعباء الجبائية يخلق شعوراً عميقاً بالظلم لدى الطبقة الوسطى، التي ترى نفسها "البقرة الحلوب" للدولة دون أن تحصل على خدمات عمومية لائقة في المقابل.
5. دور القطاع الخاص والمضاربة (العامل الأكثر تغييباً في الخطاب الرسمي): لا تقتصر الضغوط على قرارات الدولة، بل تمتد لتشمل ممارسات القطاع الخاص. فالمضاربة العقارية تضخم أسعار السكن بشكل يفوق بكثير تكلفة البناء الفعلية، وهو ما يستفيد منه كبار المنعشين العقاريين والمستثمرين. وبالمثل، تعاني الأسواق من ممارسات احتكارية في قطاعات حيوية كتوزيع المواد الغذائية والمحروقات والأدوية، حيث تتحكم شركات قليلة في حصص سوقية كبيرة، مما يحد من المنافسة ويبقي الأسعار مرتفعة. إضافة إلى ذلك، فإن توسع الاقتصاد الموازي (غير المهيكل) الذي يقدر بجزء كبير من الناتج الداخلي الخام، يخلق مزاحمة غير نزيهة للأنشطة المرخصة التي تلتزم بدفع الضرائب والمساهمات الاجتماعية، ويعمق إحساس الطبقة الوسطى المرتبطة بالقطاع المهيكل بالظلم.
خلاصة الجزء الأول:
تُثبت القراءة المتأنية لهذه المظاهر والجذور الهيكلية أن تآكل الطبقة الوسطى ليس مجرد عارض عابر، بل هو نتيجة مباشرة لخيارات سوسيو-اقتصادية بنيوية استنزفت قدرات صمام الأمان المجتمعي. وإذا كانت هذه هي المظاهر والجذور، فكيف جرى تدبير هذه الأزمة سياسياً وحكومياً؟ وما هي الديناميات النفسية والسيناريوهات الاستشرافية التي تنتظر هذه الشريحة الحيوية؟
نلتقي في الجزء الثاني لمقاربة التدبير الحكومي، والتحولات النفسية، واستشراف المستقبل.






