من هذه الزاوية، يبدو مونديال 2026 وكأنه اختار أن يُلعب بمنطق الدقيقة التسعين.
فمنذ انطلاق الأدوار الإقصائية، تحولت الدقائق الأخيرة إلى بطل خفي للبطولة. مباريات بقيت مفتوحة على كل الاحتمالات حتى أنفاسها الأخيرة، وأهداف متأخرة أعادت رسم هوية المتأهلين، وفرق كانت على بعد ثوانٍ من الإقصاء قبل أن تمنحها كرة واحدة حياة جديدة. لم يعد التقدم المبكر كافيًا، ولم تعد السيطرة على مجريات اللعب ضمانًا للعبور. في هذا المونديال، أصبحت صافرة النهاية وحدها صاحبة الكلمة الأخيرة.
لكن الوجه الأكثر عمقًا للبطولة لا يتعلق بالمباريات وحدها، بل باللاعبين أيضًا.
فجيـل كامل من الذين صنعوا ذاكرة كرة القدم خلال العقدين الماضيين يخوض، على الأرجح، آخر فصوله في كأس العالم. كريستيانو رونالدو يطارد حلمًا استعصى عليه طوال مسيرته، وليونيل ميسي يحاول أن يودع المسرح العالمي بصورة تليق بأحد أعظم من لمس الكرة، ولوكا مودريتش يخوض بطولة جديدة بعقل قائد يعرف أن الزمن لا يمنح فرصًا بلا نهاية، بينما يقاتل نيمار لإثبات أن الإصابات لم تنتزع منه قدرته على صناعة الفارق، ويقف مانويل نوير وكيفن دي بروين أمام احتمال أن تكون هذه آخر مرة يسمعان فيها نشيد بلديهما في كأس العالم.
لهؤلاء، لم تعد الدقيقة التسعون مجرد جزء من زمن المباراة، بل أصبحت وصفًا لمسيرتهم الرياضية. إنهم يلعبون وهم يدركون أن المونديال القادم قد لا يكون في انتظارهم، وأن التاريخ لا يكتب عدد المشاركات بقدر ما يتذكر اللحظات التي غيّرت مسار البطولة.
وفي الجهة الأخرى، يقف جيل لا يحمل عبء الوداع، بل شغف البدايات. لامين يامال، وجود بيلينغهام، وكيليان مبابي، وفينيسيوس جونيور، وجمال موسيالا، ومن المغرب أشرف حكيمي الذي أصبح أحد أبرز قادة المنتخب الوطني في أوج نضجه الكروي، وإلى جانبه أيوب بوعدي، أحد أكثر المواهب المغربية الواعدة، الذي يطرق باب المستقبل بثقة. و أسماء أخرى.. هؤلاء لا يبحثون عن تمديد التاريخ، بل عن صناعته.
وهكذا، لا تبدو البطولة مجرد منافسة على كأس العالم، بل لحظة انتقال بين عصرين؛ عصر يكتب سطوره الأخيرة، وآخر يشرع في كتابة فصله الأول.
لذلك، فإن وصف هذه النسخة بـ"مونديال الدقيقة التسعين" ليس مجرد استعارة أدبية. إنها قراءة لبطولة اجتمع فيها معنى واحد في صورتين مختلفتين: مباريات لا تعترف بالحسم إلا في لحظاتها الأخيرة، وأسطوريات كروية بلغت الدقيقة التسعين من عمرها الرياضي، تقاوم النهاية كما تقاوم المنتخبات الإقصاء.
قد تنتهي البطولة بتتويج منتخب واحد، لكن المؤكد أنها ستنتهي أيضًا بإسدال الستار على مرحلة كاملة من تاريخ كرة القدم. وعندما تُطلق صافرة المباراة الأخيرة، لن تكون قد أعلنت نهاية مونديال فحسب، بل نهاية زمنٍ كامل، وبداية زمن آخر..






