في اللحظات الأولى… الدولة وحدها في الميدان..
في اللحظات الأولى للأزمة، ظهر الوالي اليعقوبي في سيدي قاسم، والوالي التازي في القصر الكبير بعد قطع إجازته في مشهد يعكس أن الدولة، بمؤسساتها التنفيذية، لا تنتظر الدعوات ولا التسويات
أجهزة الأمن، الوقاية المدنية، القوات العمومية… كلهم كانوا في الصفوف الأولى، يتحركون بسرعة وانضباط ومسؤولية لكن رغم هذا الحضور المكثف، كان المشهد ناقصًا بشكل صارخ فقد غابت الوجوه التي يُفترض أنها تمثل الشرعية الانتخابية..
لا رؤساء جهات، لا رؤساء جماعات، لا أثر للمنتخبين الذين ملأوا البلاد وعودًا في الحملات الانتخابية كان المواطن ينتظر صورة رمزية وقوية..
والي كتفًا إلى كتف مع رئيس الجهة لكن تلك الصورة لم تظهر وغيابها لا يتعلق بالبروتوكول، بل يلخص مأساة الحكامة الترابية التي يعيشها المغرب منذ سنوات....
فالدولة قوية بوسائلها، بآلياتها، بأجهزتها، وبقدرتها على التدخل أما المنتخبون، بكل مستوياتهم، فيظهرون بلا وزن سياسي، بلا حضور ميداني، بلا سلطة تنفيذية، وبلا قدرة على تحمّل مسؤولية لحظة استثنائية إنها المفارقة التي تكشفها كل أزمة دولة تتحرك… ومؤسسات منتخبة تتفرج... الجهوية المتقدمة… مشروع بلا عضلات..
منذ سنوات، يُقدَّم مشروع الجهوية المتقدمة بوصفه رافعة للتنمية واللامركزية والنجاعة..
لكن حين غرقت الطرق، وانهارت المنازل، وتوقفت الحياة في القصر الكبير وسيدي قاسم، كان الغياب المدوي هو غياب الجهة نفسها..
فإذا لم يظهر رئيس الجهة في لحظة الكارثة، فمتى يظهر إذن؟
وإذا لم يتولَّ قيادة الأزمة ميدانيًا، فما الجدوى من مؤسسة جهوية يُفترض أنها الفاعل الأول في التخطيط والتنمية؟
غياب الجهة ليس حدثًا عرضيًا، بل دليل سياسي صارخ على أن الجهوية المتقدمة ما تزال مجرّد شعار أنيق، بلا أدوات فعلية، وبلا حضور ميداني، وبلا وزن حقيقي أمام سطوة الدولة المركزية التي وجدت نفسها، مرّة أخرى، تقوم بالمهمة وحدها...
الأحزاب… الغياب المربك.
في بلد يضم أكثر من ثلاثين حزبًا، كان من البديهي أن نرى خلايا أزمة حزبية، تعبئة تنظيمية، حملات للتوعية، فرقًا للتطوع، أو على الأقل حضورًا ميدانيًا يليق بأحزاب تدّعي تمثيل المواطنين لكن النتيجة كانت صادمة فراغ كامل..
الأحزاب التي تملأ المشهد ضجيجًا في موسم الانتخابات، اختفت تمامًا عندما احتاج الناس لمن يرفع صوتهم، من ينسّق جهودهم، من يترافع عنهم، أو حتى من يشاركهم لحظة المحنة.... حزب لا يظهر في الأزمة…
هو حزب بلا جذور، مهما منحه الصندوق من مقاعد وشرعية رقمية.........الماء لا يكذب… والسيول لا تُجامل أحدًا..
ما جرى لم يكن مجرد أمطار غزيرة السيول لم تكشف قوة الطبيعة، بل فضيحة التدبير كل قطرة ماء كانت تحمل معها شهادة إدانة إدانة لعقودٍ من سوء التخطيط، وارتجال القرارات، وبيع الوهم للمواطنين
ما ظهر على السطح لم يكن نتيجة “ظرف استثنائي”، بل نتيجة نسيج كامل من الاختلالات
صفقات تدبير تُبرم في المكاتب وتتعثر على الأرض توسع عمراني بلا بوصلة، بلا مراقبة، بلا رؤية بنية تحتية لا تقاوم ساعة مطر، فكيف لها أن تواجه تغيّر المناخ؟
غياب ذهنيّة التخطيط الاستباقي، حيث ما زالت مؤسساتنا تفكر بردّ الفعل بدل الفعل ضعف في المراقبة والمحاسبة، حتى أصبح الفشل عادة لا يجرؤ أحد على تسميتها باسمها
لهذا، لا يصحّ أن نسمّي ما حدث كارثة طبيعية الطبيعة فعلت ما تفعله الطبيعة… أمّا الكارثة الحقيقية فكانت كارثة التدبير
السيول كانت صريحة وواضحة أكثر من كل التقارير الرسمية هناك اختلالات تراكمت حتى انفجرت، لا تحت السماء… بل تحت مسؤولية بشرٍ أداروا الشأن العام وكأنه شأنهم الخاص الماء لا يكذب وما كشفه هذه المرة لا يمكن دفنه تحت الطين
حين ارتفع منسوب الماء… هبط منسوب الثقة
من فقد بيته؟ من جرفت المياه ممتلكاته؟ من تضرّر محصوله؟ من عاش ساعات من الخوف والهلع وهو يراقب الماء يتسلّل إلى غرف أطفاله؟
إنه المواطن نفسه المواطن الذي صوّت، وانتظر، وعلّق آماله على وعودٍ كبرى وعود التنمية، والجهوية المتقدمة، والحكامة الجيدة، والجيل الجديد من السياسات
لكن في اللحظة التي ارتفع فيها منسوب الماء، انخفض منسوب الثقة الثقة في مؤسساتٍ قيل إنها قريبة من المواطن، فإذا بها بعيدة عنه ساعة الشدة الثقة في مسؤولين وعدوا بالحماية، فإذا بالأمطار تسقط لتفضح العري الهيكلي للمشاريع الثقة في نموذجٍ تنمويّ لا يصمد أمام أول اختبار ميداني
المواطن الذي بنى هذه الثقة بصبر، رآها تُجرف أمامه كما جرفت السيول طرقًا وجسورًا وممتلكات ولم يبقَ أمامه سوى السؤال المرّ
كيف تسقط الوعود أسرع مما تسقط الأمطار؟
وإلى أن تتغير قواعد التدبير، سيظل كل فصل مطريّ امتحانًا، وكل قطرة ماء امتحانًا للثقة قبل أن تكون امتحانًا للبنية التحتية
الخلاصة: ما غرق ليس الشمال… بل النموذج الترابي والسياسي
لم تغرق السيول الشوارع فحسب
لقد أغرقت معها أسئلة كبرى عن جوهر النظام السياسي والممارسة المؤسساتية
ما معنى المسؤولية إذا اختفى الفاعل في ساعة المحنة؟
ما جدوى الانتخابات إذا لم يتحمل المنتخبون مسؤولية القرارات؟
ما وزن الجهة إذا لم تكن موجودة حين يشتد الخطر؟
ما مصداقية الأحزاب إذا اختفت عند أول اختبار ميداني؟
ما حدود اللامركزية إذا كانت الدولة وحدها تتحرك؟
مع كل أزمة، تتضح معادلة غير متوازنة
دولة قوية تتحرك بسرعة وكفاءة، ومؤسسات منتخبة تمشي ببطء، أو تتوقف تمامًا
وحتى يظهر المنتخبون في الصفوف الأولى، كتفًا إلى كتف مع الدولة، سيبقى المواطن يسأل بمرارة
هل نعيش نظامًا تمثيليًا حقيقيًا… أم مجرد ديكور سياسي جميل على ورق؟






