سياسة واقتصاد

هل هي أحزاب أم شبكات ضغط اقتصادية، أم مجموعة أصدقاء

إدريس الأندلسي

كانت أغلب الأحزاب المغربية ، في قديم الزمان ، تلجأ لمناضليها و لمثقفيها لإنتاج تقارير سياسية و اقتصادية و إجتماعية، فاضطرت في مرحلة لاحقة إلى اللجوء لبعض المعارف من الاطر، ثم إلى مكاتب دراسات مكلفة لا تربطهم صلة بالسياسة و الأحزاب. و ارتبط هذا " التطور" بانسحاب اضطراري " للأطر المثقفة " من الهيئات الحزبية بعد أن أصبحت تزكيات الأعيان مصدر تمويل للقيادات. و تطورت آليات ضمان مقاعد في المجالس في إتجاه غيب المناضل ليتم تعويضه "بالعامل الانتخابي " الذي لا يربطه بالانتخابات الا مشغله المباشر، صاحب " الشكارة ". و بعد أن اشتعل سوق التزكيات، اشتعلت معها سوق " الحياحة و السماسرية" لدرجة أصبحت فيه الكائنات الانتخابية صاحبة السيطرة على سوق الحياحة و المختصين و المختصات في شراء الأصوات. و هكذا أصبحت هذه السوق منتجة لأنواع مختلفة للتنشيط، و تنويع مؤقت لبعض مصادر الدخل غير الغاضع للضريبة. و اثار أحد الصحافيين قضية التكلفة الحقيقية للحملة الانتخابية و التي قد تخفف الضغط على أسعار سوق شراء التزكيات. لا أظن أن متابعي الانتخابات، و حتى سلطات الرقابة لا يصل إلى علمها ما يدور في هذه السوق. ولكن وسائل البحث و المتابعة تتطلب كثيرا من الوسائل البشرية و المادية.

يجمع الكثير من الملاحظين المتابعين للشأن السياسي ببلادنا أن البنيات الحزبية تلاشت بعد أن تهلهلت و فقدت كل علاقة مع مقاييس تعريف الأحزاب الواردة في كتب ألفها جهابذة القانون الدستوري و العلوم السياسية. قال أحد فقهاء القانون الدستوري، " موريس ديفيرجي " ، و الذي ساهم في كتابة دستور بلادنا سنة 1962، أن الحزب السياسي " هو تنظيم دائم، وبرنامج سياسي، وإيديولوجيا تحدد هويته وأهدافه، غير أن وزن البرنامج والإيديولوجيا يختلف باختلاف نوع الحزب بين أحزاب عقائدية وأحزاب براغماتية. " و يمكن القول، بعد هذا التوضيح، أن ما يسمى بأحزابنا الوطنية تفتقد إلى كل قواعد تثبت اعتبارها " احزابا " ، حسب مقاييس هذا الفقيه الدستوري و غيره من العارفين بالموضوع.

غابت التوجهات الايديولوجية التي كانت تعتبر الحجر الأساسي للبيت الحزبي. و لدينا في حزبي، ما كان يسمى باليسار، التقدم و الاشتراكية و الإتحاد الاشتراكي، خير مثال عن التراجع الكبير في الإهتمام بالاختيارات التي كانت تميزهما في مجال ما كان يسمى بالأرضيات المذهبية. و تتم ترجمة هذه الوضعية في التركيز على " البرامج الانتخابية " التي لا تعدو كونها مجموعة من الوعود و لائحة مشروع إجراءات قطاعية تغرق في التركيز على ما هو تقني في غالب الأحوال. و يكرس هذا الوضع تحول تعدد الفئات التي يضمها حزب واحد ، و ما يتبعها من ترضيات بمقابل . و يشكل حزب الأصالة و المعاصرة خير مثال على تساكن غير طبيعي بين اليساري سابقا و الليبرالي لاحقا، و بين الأمي القيادي و المثقف الوصولي، و كذلك بين أصحاب الثروات و أصحاب السوابق. و لم يصل هذا الحزب إلى مان يصبو إليه، و السبب عقدة الولادة القيصرية الإدارية التي أدت إلى ظهوره. و ها هو اليوم ينطق بلغة لا تفهمها إلا حاضنته.

و لا يختلف الأمر بالنسبة لحزب الاستقلال الذي دخل في منحدر قد يؤدي إلى اضعاف هويته التاريخية. فرغم ثقافة هذا الحزب ، فقد اختار تحالفات حكومية كبلت قدرته على اسماع صوته و فرض اختياراته. يتم تمرير قوانين في مجالات الصحافة و العدل و التعمير و تدبير الدعم العمومي للمواد الغذائية و الطاقية، و لا يسمع له صوت يحمي المواطنين في هذه المجالات. و يستمر تغول أصحاب المصالح الكبرى في التهكم على من ينتقد تضارب المصالح. يتقن خدام كبار رجال الأعمال، الذين يقودون التدبير الحكومي ، التهليل " لكرامات و مكرمات أولياء " نعمتهم. و يتفننون في صنع أمجاد على الورق ، و هم يعرفون أن سنواتهم في الحكومة كانت عجافا. و لم ينجح " تجمع الأحرار " في أن يسلم من أخطاء الولادة. كان ، خلال سنوات ترأس أحمد عصمان لقيادته ، يفضل نوعا من التمركز في الوسط ، قبل أن يكلف رجل الأعمال اخنوش بتحويله إلى ما هو عليه من عزلة و حيرة بعد إعلان انسحاب رئيسه. عاش المغاربة، مع هذا الرئيس، فترات أزمات ساد خلالها خطاب حول هوة بين وعود و إنجازات ، لم تلمس الفئات الإجتماعية ، ذات الدخل المحدود ، أي أثر لها على الواقع. و ظل الإنجاز في إطار التغطية الإجتماعية رهين تنزيل حكومي ضعيف . و يعيد هذا التجمع إلى حيث بدأ. ذهب الرئيس و ها هو رئيس جديد مرشح وحيد، كما جرى العرف، إلى أن يقتنع الأحرار بنقطة البدء. و لقد جرب حزب العدالة و التنمية أثر تدبير الشأن من خلط السياسة بالدين، و كذلك من الإعتماد على من ظن أنهم موالون للمذهب أكثر من موالاتهم لحسن تدبير الشأن العام. و قد زلت " قدما" هذا الحزب الإسلامي حين تخلى أمينه العام عن سلطاته كرئيس للحكومة لصالح حزب اخنوش الذي تنكر له بعد ذلك.

و يحق القول بأن أغلب هذه النخبة التي تدبر الشأن العام لن تتمكن من فتح تلك الآفاق التي ستعبر ببلادنا إلى مصاف الدول الصاعدة. كما أنها ستكون غير قادرة على تقليص الفوارق الإجتماعية و المجالية. صنع الأمل يحتاج إلى ثقافة الأمل، و هذه الأخيرة تلزمها نهضة بالتربية و بضمان ولوج عادل للخدمات الصحية و إرادة سياسية لتنظيف الساحة السياسية من السماسرة و فاقدي شروط الكفاءة و كل من لا يبرر اغتناءه السريع .

نزيد كل يوم تأكدا بأن الأحزاب انقرضت مؤسساتيا لتترك الساحة لجماعات ضغط، و لكثير من الكائنات الانتخابية التي تتقن ترحيل خدماتها من حزب إلى آخر. كانت هذه الخدمات تكلف بضع آلاف من الدراهم، لكنها أصبحت تكلف ملايين الدراهم، و حتى مناصب حكومية و مواقع مسؤولية في الجماعات الترابية. و يستمر التراجع لحد تصبح فيه الممارسات الفاسدة محل مسائلات قضائية تفضي إلى أحكام بالسجن. و تصمت الأحزاب ليس بسبب ضرورة إحترام الأحكام القضائية، و لكن بعدم قدرتها على محاسبة اعضاءها. و الأمر قد يؤدي إلى الخوف من الوصول إلى مرحلة " الجار و المجرور " .