من الولايات المتحدة إلى كندا وفرنسا، تتقدم نساء فلسطينيات إلى مواقع التمثيل السياسي، حاملات أسماءهن وذاكرتهن وثقافتهن بثقة. تختلف تجاربهن بين الهجرة واللجوء والولادة في مجتمعات جديدة، لكنهن يقدمن نموذجاً يجمع بين الانتماء إلى البلدان التي يعشن فيها والاعتزاز بجذورهن الفلسطينية.
في حضورهن، تصبح الكوفية والثوب المطرز والحجاب تعبيرات عن هوية تشارك في الحياة العامة وتساهم في صنع القرار. ويكتسب هذا المشهد دلالته من نجاحهن في مخاطبة مواطنيهن حول السكن والتعليم والصحة والعدالة، مع إبقاء فلسطين حاضرة في التزامهن السياسي والإنساني.
عبير قواس… الحجاب والكوفية إلى مجلس شيوخ نيويورك
برز اسم عبير قواس في الانتخابات النصفية الأمريكية التي جرت في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، بفوزها بمقعد في مجلس شيوخ ولاية نيويورك عن الدائرة الثانية عشرة.
وُلدت عبير ونشأت في نيويورك لأسرة من اللاجئين الفلسطينيين. وقد ترك اعتقال والدها على يد سلطات الهجرة ثم ترحيله أثراً عميقاً في وعيها، ودفعها إلى العمل دفاعاً عن المهاجرين والعائلات العاملة.
خاضت تجربتها السياسية بالحجاب والكوفية الفلسطينية، معتزة بهويتها، وربطت بين مطالب الرعاية الصحية والسكن والنقل وحقوق المهاجرين وبين رفض تمويل الحرب والدفاع عن حقوق الفلسطينيين. ورغم الهجمات التي واجهتها، استطاعت تحويل سنوات من النشاط المجتمعي إلى ثقة انتخابية وموقع داخل المؤسسة التشريعية.
رشيدة طليب… ثوب فلسطين في الكونغرس
تمثل رشيدة طليب إحدى أبرز التجارب الفلسطينية في السياسة الأمريكية. وقد جُدد انتخابها لعضوية مجلس النواب عن ميشيغان في الانتخابات الأخيرة.
وُلدت رشيدة في ديترويت يوم 24 يوليو/تموز 1976 لأبوين فلسطينيين مهاجرين؛ والدتها من بيت عور الفوقا قرب رام الله، ووالدها من بيت حنينا في القدس. نشأت في أسرة عاملة كبيرة، تتحدث العربية في البيت، ثم درست الحقوق وانخرطت في العمل العام.
وبعد فوزها الأول بالانتخابات التشريعية عام 2018، ارتدت الثوب الفلسطيني المطرز أثناء أداء اليمين في الكونغرس يوم 3 يناير/كانون الثاني 2019، تكريماً لأمها وتراثها. حمل ذلك المشهد رسالة واضحة: تستطيع ابنة المهاجرين أن تصل إلى موقع تشريعي رفيع، وأن تحمل معها ذاكرة عائلتها وثقافة شعبها.
ومنذ ذلك الحين، واصلت الدفاع عن حقوق الفلسطينيين وقضايا العدالة الاجتماعية، رغم الضغوط والحملات التي استهدفتها.
رواء رمان… من ذاكرة اللجوء إلى مجلس شيوخ جورجيا
وفي جورجيا، حققت رواء رمان تقدماً بفوزها بمقعد في مجلس شيوخ الولاية، بعد تجربتها في مجلس النواب المحلي التي بدأت بانتخابها عام 2022.
وُلدت رواء في عمّان لأسرة فلسطينية، وانتقلت طفلة إلى الولايات المتحدة. وهي حفيدة لاجئين فلسطينيين، نشأت في جورجيا ودرست في مؤسساتها التعليمية، ثم انخرطت في العمل المجتمعي والسياسي.
جمعت في خطابها بين التعليم والرعاية الصحية والحقوق المدنية والدفاع عن فلسطين. وتقدم تجربتها صورة لابنة مهاجرين تشق طريقها داخل مجتمعها، وتستمد من تاريخ عائلتها دافعاً للدفاع عن حقوق الآخرين.
إيمان جودة… جذور فلسطينية والتزام بقضايا كولورادو
وفي كولورادو، تواصل إيمان جودة ترسيخ حضورها السياسي، وقد برز اسمها ضمن الفائزات بمقعد في مجلس شيوخ الولاية.
هي ابنة محمد وسهام جودة، اللذين قدما من فلسطين إلى كولورادو عام 1974 بحثاً عن الأمان وفرص الحياة. ونشأت معتزة بتراثها الفلسطيني والعربي، مع انتماء راسخ إلى المجتمع الذي وُلدت وعاشت فيه.
ارتبط عملها بالرعاية الصحية وحقوق المهاجرين والحوار بين المجتمعات، واحتفظت بصلتها باللغة العربية وبفلسطين. وفي تجربتها يتكامل الدفاع عن مصالح ناخبيها مع الوعي بتاريخ أسرتها وقضايا شعبها.
رُبى غزال… الكوفية تعبير عن انتماءين
وفي كندا، تقدم رُبى غزال تجربة فلسطينية وكيبيكية متميزة. وُلدت في بيروت عام 1977 لأسرة من اللاجئين الفلسطينيين، ووصلت إلى كيبيك عام 1988، بعد أن أمضت جزءاً من طفولتها في أبوظبي.
انتُخبت للمرة الأولى عام 2018 عن دائرة ميرسييه في مونتريال باسم حزب «كيبيك المتضامن»، ثم أُعيد انتخابها في عامي 2022 و2026.
وخلال مراسم أداء اليمين في أكتوبر/تشرين الأول 2026، رفعت الكوفية الفلسطينية باعتزاز. أثار المشهد التأييد والاعتراض، لكنها تمسكت بمعناه بوصفه تعبيراً عن جذورها وامتنانها للمجتمع الذي استقبلها وأتاح لها فرص التعليم والمشاركة.
تجسد رُبى إمكانية أن تكون المرأة فلسطينية وكيبيكية معاً، وأن تجعل من تجربة اللجوء والانتماء المتعدد قوة تدفعها إلى خدمة مجتمعها.
ريما حسن… من مخيم النيرب إلى البرلمان الأوروبي
أما ريما حسن، فتحمل مساراً بدأ في مخيم النيرب للاجئين الفلسطينيين قرب حلب في سوريا. جاءت إلى فرنسا طفلة، والتحقت بوالدتها وأسرتها، وتلقت تعليمها هناك، ثم درست الحقوق وتخصصت في القانون الدولي.
وفي 9 يونيو/حزيران 2024، فازت بعضوية البرلمان الأوروبي على قائمة حزب «فرنسا الأبية» اليساري، لتصبح من أكثر الشخصيات حضوراً وإثارة للجدل في الحياة السياسية والإعلامية الفرنسية، بقوة خطابها وإصرارها على الدفاع عن فلسطين.
وقد أثار ظهورها بالكوفية الفلسطينية إلى جانب جان لوك ميلانشون سجالاً واسعاً. وتواجه هجمات وشكاوى وإجراءات قضائية، بينها اتهامات بـ«تمجيد الإرهاب»، فيما أُغلق عدد من الإجراءات من دون متابعة. ورغم ذلك، تواصل حضورها ونشاطها، متماسكة ومصممة على الدفاع عن مواقفها.
وفي 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، أصدرت كتابها «Palestine errante» ــ «فلسطين التائهة» عن دار La Fabrique. يمزج الكتاب، الذي حظي بحضور مع صدوره، بين سيرتها العائلية وذاكرة اللجوء، ويتناول المنفى والمخيمات ومعنى البيت والعودة، انطلاقاً من تجربة أسرتها وصلتها بفلسطين.
جيل يشارك ويغيّر ويتمسك بجذوره
هذه التجارب، على اختلافها، جزء من تقدم أوسع لنساء وشبان من أصول فلسطينية وعربية وأفريقية وآسيوية ولاتينية، يوسعون حضورهم في المؤسسات والحياة العامة في أمريكا وأوروبا وأماكن أخرى.
ولا تختزل قيمة هؤلاء النساء في أصولهن أو لباسهن؛ فهي تكمن أيضاً في برامجهن وعملهن وقدرتهن على بناء الثقة وخدمة مجتمعاتهن. لكن اعتزازهن بالهوية يمنح نجاحهن معنى إضافياً، خاصة في مواجهة محاولات التهميش والتشكيك في الانتماء.
نحن أمام فلسطينيات يصنعن مكانتهن بالفعل والمثابرة، ويقدمن الأمل لأجيال أخرى. يحملن فلسطين إلى العالم من خلال مشاركتهن في تغييره، ويؤكدن أن الانتماء إلى مجتمع جديد يمكن أن يتسع للذاكرة والثقافة والدفاع عن الحرية والعدالة.






